قصة

موت سعد البكوش

الرجل والطائر من أعمال التشكيلي محمد عبيه
الرجل والطائر من أعمال التشكيلي محمد عبيه

مات سعد “البكوش” دون أن يدري أحد كيف مات. عندما دخل “خليفة” ليتطهر في الجامع لفه السكون، إلا أنه لاحظ شيئا ممدودا بعرض الباب الأيمن المؤدي إلى الصحن، اعتقد للوهلة الأولى أن “البكوش” اتخذ من العتبة مخدة، ونـام فهزه بقدمه، ليفاجأ به ينقلب على ظهره، وعندما تمعن فيه، شهق. كانت عنيا “البكوش” جاحظتين، زرقة تعتد من تحت جفنيه إلى خديه، إلى الجزء البارز من عنقه، ويداه ممدودتين قـابضتين على لا شيء.

مات “البكوش” دون أن يحس به أحد، التفت “خليفة” يبحث عن أثر، حدقت عيناه في البياض الرمادي الذي يغشى الصحن، هز يديه ينادي بهما من كان إلى جواره لو كان إلى جواره أحد، عطس، تنحنح، أصابه السكون، وتركزت على حركة يديه، أجابت نداءه نظرة جاحظة من عيني “البكوش” تبرقان عند الغبش الأول للفجر.

– نوض يا ” بكوش” نوض يا حلوف.

ولكن البكوش لم يأت بحركة. “الحلوف” متهدل الأطراف، مكوم على جنبه الأيمن، غير مدرك أنه بلا وسادة.. البكوش مات دون أن يشعر أحد بأنه، أن يموت.

يحكي “خليفة” أنه نسى المطهرة، كان في “سورية” على اللحم، ولم يكن عليه سروال. استنجد بالفجر ليمسح ما بقي عالقا من آثار الليلة، إذ لـن يكون في الجامع سوى “الطاهر العايب” للآذان، ترك “عواشة” تنام على حصيرها وسط الحوش. وحكى وهو يجلس على “الدروج” المؤدي إلى باب الجامع، كيف أنه تلمس جسد ” البكوش” فوجده أبرد من لوح الثلج، وأنه رفعه من تحت إبطيه عله يفيق، فتدلت يـداه إلى جانبيه تهتزان كلما حاول إقامته على رجليه ولم يحس لقلبه نبضا.. وكانت رجلا “البكوش” ثقيلتين تنجران في بطئ كلما حاول “خليفة” أن يسترده الى خارج الجامع.. ولم يحس “خليفة” بنفس و لم يستنشق من “البكوش ” رائحة، فقد مات “البكوش” دون أن يعلـم “خليفة” أنه قضي.

كانت على “البكوش” ثيابه المعتادة صيفا وشتاء، راسه حاسرة، ولا يمتطي نعلا، إلا أن “كبوط” العسيكري يلازمه كأنه قد منه، لا تستره بعده إلا فانيلة باهتة، وفرعة تمتد حتى منتصف فخديه.

مدد خليفة “البكوش” على الشارع الترابي بعد أن نزل به يجرجره على عتبـات الجامع الأربع، واحتار كيف يغطيه، فلم يكن عليه إلا السورية على اللحم، وكلما قلبه تابعته عينا “البكوش” جاحظتين تلمعان على أشعة لم تهرب بعد من سحب الصيف، حتى إذا استوى له، خلع كبوط العسيكري بعد عناء، بسطه فوق صدر ” البكوش” مغطيا وجهه الأحمر بكميه، تاركا إياه في فانيلة باهتة وفرعة… وصاح :

-واك.. واك.. الراجل مقتول.. واك.

عندئذ أفاق “خليفة” بأنه بدل أن يتطهر أعلن موت “البكوش”. كـان أول من سمـع صيحته “الشيخ بوبكر”، وهو يحك جلـده من لسعات الـبراغيث، مفضلا النوم على الصلاة، أو استجابة النداء، ولم يتبين تلك اللحظة صاحب الصوت ولا ما يدعو إليه، غير أن “عواشة” وضعت يدها على صحن أذنها، وعرفت للتو أن الصوت هو صوت “خليفة”.

تحكي “عواشة” أنها نسيت أن “خليفة “غادر إلى المطهرة.. تغمز بعينها وتضع أصابعها على إنفراجة شفتيها، وهي تؤكد أن خليفة كان في ذات السورية من دون السروال التي ينام عليها فوق حصيرة البيت إلى جوارها، بعـد أن سمعته حكّت جنبيها في تشاؤم، ووضعت أذنها على شق من الباب تتأكد من أن “خليفة” لم يكن يؤذن للصلاة.

– واك يا ناس.. الرجل مقتول.

ولم تتجاوز كلمات “خليفة ” حلقه حتى رددتها “عواشة” مضيفة إليها النديب وكأن المقتول يبصق دمه نحت رجليها.

– حيه عليّ حيه.. الراجل مقتول..!

مازالت “عواشة” تؤ كد أنها خشيت أن تنزل الى الشارع وهي في “رداء” على اللحم.. تخفي ابتسامتها مرة أخرى بأصابع إحدى يديها الحمراء من الحناء وهي تكسكس مع مجموعة من النسوة للتاليف وتوسد على الأخرى صدرها وتغمز بعينيها، مؤكدة أن القتيل لم يكن “خليفة” على أي حال، فقد غادرها في سورية على اللحم وكان صوته هو الذي ينادي الناس، وكان صياحها هو الذي يردد ما يهتف به.

لم يجد “خليفة” بدا من امتطاء المئذنة. صعد الدرجات بلهفة، وهو ينقل بصره الى موطئ قدميه يخالجه شعور بأن بهما دماء، وأنها تترك على الدروج أثارا.. وصدره يعلو على عتبة المسجد، أو أن “البكوش” لم يكن ملتفا بكبـوط العسيكري يخفـي وجهه الأحمر وعينيه الجاحظتين، ويداه مقبوضتين إلى جواره، ورجلاه غافيتين كسلا.

يتلذذ “خليفة” بكوب الشاي العشرين في تأليف “البكوش” وهو يلف يده جاذبا غطاء “الحرام”، مظهرا السروال الأبيض من تحته، ويتأنى وهو يذكر أنه نسي أنه ترك “عواشة” في البيت، فريدة، وقاتلا يجوب الشارع بعد أن أجهز على “البكوش”، نسي أيضا أن “عواشة” كانت في رداء على اللحم، وأنه كان نصف عار، و لم يكن همه إلا أن يجذب نفسا عميقا من الشارع الساكن، ليخرجه صيحة تشق السكون، تجذب إليها خيوط الضوء الأبيض من الفجر.

– واك يا ناس.. الراجل قتلوه!

أول من استجاب لدعوة “خليفة” هو “المقطوف السوكني”.. جاء تسبقه، لحية صغيرة دقيقة من شعر أبيض، تتخللها خيوط سوداء من زغب يتناقص على مر الأيام.. تمتد إلى جواره حقيبة جلدية سوداء، بها “عدة” تضميد الجروح وختان الأطفـال، وتنحدر الى جوار جانبه الأيسر “جبيرة” ينام عليها، بها كل ممتلكاته، يمد يده إلى أمامه يفسح الطريق في شارع خال حتى من الضوء!

– خلوني نراه.. وسع.. وسع.

يتطرق “المقطوف السوكني” إلى أن أول ما رآه من “البكوش”، كدمة تحت ثديه الأيسر بحجم ثمرة “الهندي”، زرقاء بحواش صفراء، يحبس الدم جوانبها مثل قرون الفلفل، أغلق إحدى عيني “البكوش” وتمعن في العين الأخرى ومص من شفتيه يحاكي الطبيب الايطالي…

– نيينتي آفاري..

إلا أنه استمر في عمله.. وشعاع من الضوء تسرب من فـوق طاقيته المصراتية ينير له السبيل في جسد “البكوش” جمته أولاً بيده، ومد بعد ذلك أصابعه فـوق صدره متحاشيا الندبة الزرقاء، وظل ينقر بأصابع يده الأخرى على الأولى، تسربت يـده من الصدر حتى تلاقي الفخذ مع الساق، رفعها هنيهة، ثم تركها تسقط دون صوت، وكانت سوءة “البكوش” قد تدلت من خلال الفرعة..

– أعوذ بالله نييتي آفاري..

من بعد “المقطوف السوكني” هلّ حمزة البقال، ويوسف النوال.. ثم انحنى على جسد “البكوش”، مصباح عامل الكهرباء، يتفرس الجثة، ينفث عليها رائحة كريهة من بقايا “البوخة”.

– إيه. هادي الدنيا.

جرفه البكاء حتى سمع له الناس نواحا كنواح النساء، الوحيد الذي جلس على العتبة السفلي للجامع “الطاهر العايب” جاء بدون العصا الي تساعده على المشي، يستند إلى الجدران بيده اليسرى المحاذية لرجله المقطوعة من تلاقي الساق بالفخذ، يقفز مثل فروج هائج، يصيح كلما امتدت أمامه الرؤية وتخايل شبحا أمامه، غاضبا اذ اعتلى أحدهم “صمعة ” الجامع بدون إذنه.

– إشكون اللي ع الصمعة؟

حتى إذا شاهد الجمع، ووقعت بصيرته على الجسد الملقى في الشارع، نفث همه في صياح..

-إشكون اللي رقد سكران في الجامع؟

وعندما قلبه الجميع في سكون، وشاهد “المقطوف ” منحنيا على الجثمان الملقى على الأرض، ألقى جذعه على العتبة السفلى للجامع، وتنهد في خفوت.

لا تختلف حكاية “المقطوف” عما شاهده، عن حكاية “الطاهر العايب”.. كلاهما لم يكن يظن أن “سعد البكوش” قد انتهى، يحلفان بأغلظ الإيمان أنهما تصوراه يمزح، أو أنه كان سكرانا، وصحيح أن “البكوش” كان مهموما في المدة الأخيرة، وقـل لديه المزاح، و لم يعد يشير بأصبعه الأيمن الى خده عندما يحكي عن النساء، أو يصدر همهمة مضحكة عندما يستدعي الأمر طلبا.. إلا أنه كان صحيحا ومعافيا.. حتى وهو يعود مخمورا أو منتشيا لم تكن تبدو عليه علامات التعب، وكان يتحاشى الجامع لا يدخله إلا إذا كان في وعيه كاملا، وكان “عليه الماء”.

إلا أن “البكوش “مات.. والأرجح أنه مات مقتولا. فحكاية “المقطوف” توكـد أنه لا يموت الإنسان في صحن الجامع، جاحظ العينين، مقبوض اليدين، خاويهما، تحت ثديه الأيسر ندبة زرقاء بحجم ثمرة “الهندي” بحوش صفراء، ينحبس على جوانبها دم كقرون الفلفل الأحمر.. فمن شاهدهم في دار الموتى “السبيتار” جثث صفراء ليس عليها بقع، عيونهم مقفلة، أيديهم مبسوطة لا تقبض بعض قبضة على شيء.

وكان لابد “للمقطوف” وهو يجتر ما يشاهده يوميا في دار الموتى من أن يلعن الشيطان، ويستعيذ منه، ثم يمد يده إلى جيب “الفرملة”، يخرج قنينة صغيرة بها “اسبيرتو” يبخ بها على أطراف أصابعه.. يدلك يديه.

آخر من وصل إلى المشهد الشيخ “بوبكر” وتخلص من قفطان النوم بما فيه من لسعات، ألقاه إلى خارج الحجرة، ولبس قفطانا أبيض، وجبة رمادية، و لم ينس أن يضع على رأسه العمة من قبل أن يغادر الباب، أطل برأسه يؤكد على “مريومة” أن تقفله “بالسكارة” من بعده..

– الدوة فيها واو… سكري البلا.

وكانت “مريومة” قد عادت إلى النوم، وكأنها لم تسمع الصياح، وكأن الشيخ لم يستبدل ثيابه ويغادر.

وصول “الشيخ بوبكر” أوقف الألسن عن مضغ الحكايات في الأفواه، وأوقف حركة الاستنتاج في المخيلات، لم يعد هناك من يحكي شيئا عن “البكوش”، وانمحت كافة التصورات عما يكون قد حدث، وعند حضوره تناقص الجمع حول الجثمان، وكأن الضوء يزداد في التسرب الى “البكوش”، كأن الشمس تخصه بشعاع منها، إلا أن “المقطوف” لم يبارح مكانه، بل إنه أخرج زجاجة “الاسبيرتو” من جيبه، وبخ منها فوق أطراف أصبعه يدلك يديه، ثم صب منها قطرات على قدمي “البكوش” وصدره وبطنه، وراح يدلكه يود أن تختفي الندبة الزرقاء بجواش صفراء وقرون الفلفل الأحمر.

– تي شن تدير يا.. يا.. راهو حد مس حاجة!

لم يتذكر “الشيخ بوبكر” سورة يس ولا استعاذ ولا بسمل، فقد فوجئ “بالبكوش”، عليه كبوط العسيكري في فانيلة باهتة وفرعة، غائب لا حراك فيه، تتدلى سوءته بين فخذيه، لكنه توقف هنيهة، يداه داخل جبته يحك جنبيه، ثم قرفـص إلى جوار “البكوش” يتمتم دون أن يسمعه أحد.

و.. و لم يعك الشيخ لـ”مريومة” شيئا ذا أهمية، كما أنه لم يبرر دموعه التي انجرفت حتى اختلطت بلحيته ومخاطه.. كل ما اهتـدى إليه أن تربع على كرسي من خشب، وانهمك في إصدار الأوامر.

– “المقطوف” يمشي لطبيب البلدية.. ويكمل الشهايد، “حمزة” للقضية، “خليفة” يبلغ المركز.. و”العايب” يشوف دوة القبر!.

ومنذ تلك اللحظة والشارع “يعول” لوفاة “البكوش”، حتى النساء جمعتهن “مريومة” بعد الضحى في لايدة “الفرجاني”، يندبن، يطبخن، ويتحاكين، فقد مات “البكوش”.. مات ولم يكن أحد يفكر في موته، عندما خرج “خليفة” في سورية على اللحم بدون سروال قاصدا المطهرة، تاركا “عواشة” تنام في ردائها على حصير وسط الحوش تترقب نسيم الفجر.

هبط “سعد” على مقطع الحجر، واستقر أمام عتبة الجامع، كان متعبا، ولم يجد في المدينة مكانا يؤويه، شوارعها المرصوفة طاردة للراحة، بناياتها مفتوحة الأبواب تؤدي إلى أنفاق مظلمة بها طواحين تضج.. تقلق الأسماع، دكاكينها الزجاجية تلمع، يقف على عتباتها أناس تبرق في عيونهم نظرة عدائية، يشيعون المارة كأنهم يمشون على قلوبهم، والنساء يتحاشين من يشأن، تتقارب أنفاسهن مع من يردن، “سعد” يجد طريقه بين الأحذية حافيا كأنه ذبابة لصقت بالأرض، تدور بها دون أن تمشيها وكلما استدار من طريق مرصوف قابله مرصوف غيره.. مقفلة بعض أبواب بيوته، يتوسد أمامها رجل يراقب المارة، تتعلق عيناه بالغرباء، وبعضها خال إلا من صبية تقف أطرافهم عن اللعب حتى يمر الهابط إليها.. والبيوت جميعا عالية ولها شرفات.

فجأة انفتح أمام “سعد” طريق ترابي هبطت به المنازل حتى لامست الأرض، بها نوافذ ضيقة، كأن قلب المدينة قد انشق عنه، ثم تركه لشأنه، منفذه من بين البيوت العالية أو المحاطة ببساتين، على مدخله الترابي بقايا لأثر حديدي أمامه حوض صغير جاف، وفي منتصفه عمارة صماء بباب أزرف مكتوب عليها شيء ما بالأحمر، يقابلها جامع صغير له باب مقفل نصفه، تنحدر منه أربع درجات، وتعتليه صمعة صغيرة. ولم يكن بالشارع مشاة أو جالسون، أبواب الدكاكين فيه مقفولة، ساكن في آخره مقبرة تنعاه وينعاها، يتفرق عند الجامع، ويتصاعد مع السكون يلف البيوت، ولا ضجيـج لطواحين فيه، ولا رجال يقفون على أبوابه أو يتوسلون أمامها.. ولا نساء، خال حتى من الأطفال. كان ذلك في الصباح بعد أن هدت الظلمة والمدينة رجلي “سعد” الحافيتين، وبللت ثيابه رطوبة حتى حسر عن رأسه، وتمنى أن لا يكون قد هبط.

والحقيقة أن “سعد” لم يفكر في ذلك الصباح إلا أن ينام، دفع باب الجامع برفق، واجتاز السقيفة، ثم قلب عينيه في الصحن الأول، وجده مغطى بشجرة أعناب طازجة، ساقه باب منه إلى صحن أصغر يتربع عليه منبر خشبي مظلم ساكن مفروش بحصر قديمة، عندها ألقى جسده مغطى بكبوط العسيكري، وتوسد ذراعه اليمنى.. ونام.

عندما فتح عينيه لم يلاحظ “سعد” إلا عيونا مزدوجة بينها واحدة فردية تبحلق فيه، تهتز وراءها الرؤوس عجبا، ميز للوهلة الأولى إنسانا يقف في المنتصف عليه جبة رمادية، وفوق رأسه عمة يشير بإحدى يديه إليه، يحك جسده بالأخرى يخاطبه، يصدر همهمات تصل إلى أذني “سعد” ولكنها لا تستقيم لفهمه.

وعندما هم “سعد” بأن يقوم، يستطلع الأمر، تفرق الجمع مستعدا، ولم يبق أمامه إلا واحدا دفع يديه أمامه مقبوضتين، حابسا أنفاسه، قافلا رموش عينيه نصف قفلة، دافعا رجله اليسرى إلى الأمام، مثبتا رجله اليمنى، صارخا حتى سمعه “سعد” وبهت له الجمع.

– قعمز راهو خير لك.

كل ما استطاع “سعد” أن يفعله أن وضع يديه أمام وجهه يتقي بها العيون المثبتة فيه، والضربات التي قد تصيبه، والكلمات الغاضبة التي لم يعد يعيها، مخرجا حشرجة مبهمة..

– ها.. ها.. آها.. وو.. وو..

مشيرا بيده إلى صدره مرة، وإلى رأسه مرة، وإلى منتصف جسده يشكل الكلمات في الهواء، يرفعها ويخفضها بآهات يخرجها في صعوبة، يؤكدها مرات، يهز جسده أو بالاتكاء على إحدى رجليه، ملوحا في الهواء برأسه يحركه إلى الأعلى والأسفل والأيمن كأنه مركب على عنقه يستنطقه.. يداه ناطقتان، أصابعهما تشكلان، تواكبان احتباس الصوت في جوفه أو خروجه منه..

– آه.. ها.. ها.. ور.. وو

وعندما وضع “سعد” سبابته على شفتيه، فهم الجميع أنه أراد السكوت، فقد تبع حركة إصبعه تهدل في وجنتيه، وسقوط جفنيه على عينيه، وانخفاض في رأسه يصل ذقنه بصدره، رافعا يده بكفها حتى وضعها بصحن أذنه.

– بكوش يا ناس.. والله إلا بكوش

صوت “مصباح” كان صديقا.. فهمه الجميع، إلا أن “سعد” وصل إليه مبهما وإن لم تخف عليه نبرته فابتسم له، وضم إحدى يديه إلى الأحرى، موجها إياهما إلى مصباح يستجير به.

– آهت.. هـ.. وو.

موافقا بهز الرأس وانفراج منتهى الشفتين.

أخرج “الشيخ بوبكر” يده من جيبه، وحك بها جبينه، ثم أسقطها من وراء أذنه، ودفع بطرفها عمته حتى بانت صلعته..

– بكوش.. وأطرش، طايح سعد..

وصل من كلمات الشيخ آخرها، فهز لها “البكوش” رأسه كأنه يناديه.

– سعد.. سماه سعد.. “سعد البكوش”

من يومها سقط على مقطع الحجر “سعد ” أخرس، أصم، يدعونه “البكوش”.

أول من استعمله “حمزة البقال”.. حمّله الصناديق من متجره، والخيش وبقايا الفيران، يلقيها في المقطع، وينزل له شوالات المئونة كلما أحضرها من المدينة. ولا يجف عرق “البكوش” حتى يناديه يوسف النوال، ينشر له خيوط الحرير على الرصيف الوحيد المحاذي للجامع، ثم يرص له الحوالي، يضعها فوق رأسه يواكبه حتى “سوق الربع” يختال إلى جواره كأنه صاحب أنوال عدة.. تجرأ عليه “الطاهر العايب”، أمره بأن يكنس حصيرة صحن الجامع الداخلي، ويغسل الصحن الخارجي قبل موعد أذان صلاة الجمعة، وبعد مدة تجرأت عليه حتى النسوة، يطلبن منه أن يساعدهن في أمور يعجزن عن القيام بها، ولا يجرأن على طلبها من أزواجهن.

– إملالى ميه من الجامع يا بكوش.

– يا سعد حرك معاي الشكماجة.

– ياسعد.. يا بكوش..

لا ينقذه من عناء يومه إلا جلوس “الشيخ بوبكر” أمام البناء الأصم بعد صلاة العصر، يتربع على كرسي خشبي، بعد أن بخ “سعد” ظله بالماء، يضع أمامه العالة يعد له الشاي.. عندها فقط يسترسل “سعد” في الحديث مع الشيخ بأصابعه ويديه، وحركة رأسه، وضحكته، ينبئه عن حوادث “مقطع الحجر” في نشرة يومية لا تنتهي إلا عند صلاة المغرب، يلجأ بعدها الشيخ الى “مريومة”، ينام “البكوش” في أحد الصحنين، وفي مرات يصاحب “مصباح” الى خارج الشارع، ولا يعودان إلا مع مطلع الفجر..

هبط على مقطع الحجر “سعد البكوش”.

تغيرت مع مطلعه ملامح الشارع، ظهرت زواياه الحقيقية أمام “الشيخ بوبكر”، كان أغلبهم يتحلق حول عالة الشاي، يتوسد أمامها “سعد” بعد أن يفرغ من الصامت مع الشيخ، يترك له أن يقلب الجالسين ينبأهم بما فعلوا، “حمزة” يغش في الشاي يخلطه بالحشيش، ويمزج بين صندوقين عند الميزان خاصة للبنات، وهو يختلس من الصبيان لمسة على مؤخراتهم كلما طلبوا منه شيئا، ومرات يقبلهم على خدودهم.

وهذا “المقطوف السوكني” يقفل على الدار القبلية جارته “مغلية” كلما أنفك عن زوجته حين ذهابها للخدمة ممرضة في المستشفى، ولا يخرج معها إلا قبل الظهر بقليل. و”يوسف” يخفي وراء أكوام الصوف زجاجة خضراء غامقة بها مشروب، يتناول بعضا منه على فترات، يرتعش جسده له ويمتعض، ثم تنتابه كحة شديدة.

وحتى النساء كن محل مخزون الشيخ من همهمات “سعد” وإشاراته الغامضة على البعض الواضحة للشيخ، كل النساء إشارات من إبهام “سعد” إلى خده الأيمن يطبع بها عليه غمازة تصحبها ابتسامة، وبعضهن عجاف مثل أصبعه يمده إلى أعلى قابضا غيره.. وغيرهن سمينات، حتى لينفخ “سعد” أوداجه.. ومنهن ألذ من قبلة يطبعها على رؤوس أصابعه يجمعها، ينظر إليها في شبق، وأخريات مصمصة تصاحبها يده اليمنى تسري من آخر خده الأيسر حتى تنتهي إلى الأيمن، والنساء جميعا كحبات السكر، حتى اللائي ينفث وراءهن “سعد” بصاقا من فمه، وهو يشير إلى كل زوج بإشارة من إشاراته، ورسمة بيده على شعره ينزلها حتى يوصلها إلى خصره، بعضها معزول كتلاقـي أصابعه، وبعضها مسترسل كانبساط كفه والشيخ يتابعه، حتى أنهم أمامه صفا صفا يعاينهن في شبق، فإذا أكمل “سعد” وصفه، ورفع أنفه يستنشق عبيرا غامضا، تنهـد الشيخ وقـد سرت في جسده روائح مختلفة يحسها وكأنه يشمها، متذكرا عودته إلى “مريومة” والقفطان، ولسعات البراغيت.

وكانت نظرات الشيخ تتغير نحو الأزواج عند تناول الشاي، كلما اختزن عن زوجاتهم خبرا.. وقد وصل به الأمر أن رفع عقيرته ينادي زوج “مغلية” مرة..

-يا تيس.. يا بو القرون.

ثم مزج قوله بضحكة عندما رفع “البكوش” عينيه متابعا كلماته في خوف، يستجديه حتى لا يتابع الشيخ تهديده لـ”خليفه” ملوحا بأصبعه إلى الجبـة كأنه يحثه عن ثديي “عواشه” ينزلقان من وراء ردائها على اللحم.

و”مريومة” تفاجأ كلما حدثها الشيخ عن أحوال النساء، وصغارهن، وأزواجهن، بل أنه تجرأ مرات يصف أشياء منهن تخفى عن الرجال، وصلت حتى موطن الكي.. ووحمة الولد، بل إن بعضا منها يتعلق بملابسهن حتى ما بطن منها وما خفـي! ولو لم تكن “مريومة” تعرف الشيخ وجلوسه طول النهار على “ركابة” الجامع وأمام البناء الأصم، وشخيره في قفطانه الليلي، لثار في نفسها شك عن علاقته بالنساء وما مر يوم منذ نزول “سعد البكوش” مقطع الحجر حتى قامت به قائمة.

لم يعد “الشيخ بوبكر” صامتا أو متأففا، يقبع في دكان “حمزة” يلاعـب “الطاهر العايب” الورق في صمت، منتظرا أداء الصلوات حتى صلاة المغرب، بـل بدل جلسته إلى حوار صامت مع “البكوش” على فترات، موقعه المفضل أمام البناء الأصم، يقلب الجميع، يضحك من هذا، ويغمز على تلك، وتدور في رأسه الاحاديث يصورها أحيانا مثل ما أوحى بها له “البكوش”، اكتفى “مصباح” بمشاركة “البكوش”، بعض الوقت واختلاس أخبار لا يعرفها حتى “الشيخ بوبكر”، يعود بها، يفصلها على السكان كأنه يسجل لهم أيامهم ولياليهم، واحتار كثير من السكان كيف يتعاملون مع “سعد البكوش”.. زاده من بيوتهم شاءوا أم أبوا.. مسلكه بينهم كسريان الجدول هادئا بدون ضجة أو خرير.. عيونه تسبقهم تلبي حاجات زوجاتهم، وشفتاه متدليتان على وجهه لا تنبسان..

– آه.. ها.. ها.. وو..

ويداه ناطقتان. وعندما يتوسد “سعد” أمام عالة الشاي عصر مكل يوم، مواجها “الشيخ بوبكر”، متربعا على الكرسي الخشي، كانوا يجتمعون، يقلبـون عيونهم بـين “سعد” و”الشيخ” يستعيدون حوارا أصم، تنفتح له عيونهم، تستقر على واحد منهم، إلى أن ضرب أحدهم “حمزة”.. ولم يكن جسم “حمزة” يستحمل الضرب.

يحكي “حمزة” أنه كان عائدا من صلاة العشاء.. لاحظ أن الجـامع لم يكن به أحد، وأنه تأخر يقضي ما فاته، وعندما استقل العلواية الـي تنفـذ إلى قلب المقطع، جذبته يد في قوة الصخر من كمه، وانهالت على قفاه يد أخرى غليظة حبست الصوت في حنجرته، ووصله صوت خافت يتابع الضربات.

– باش ما عاش تبربش الصغار.

تطمئن “الفرميلة” كما أنبا “المقطوف السوكني” أن “حمزة” لن يعود يفتح دكانه إلا بعد شهر فيزيد “حمزة” عليها بأنه لولا حضور “البكوش” لبقي مكانه إلى الصبـاح، وربما لم يكن ليعود لفتح الدكان بعد ذلك أبدا، ربيا فتح قبرا، ضاحكا في ألم، وما أن سكنت حكاية “حمزة” وتعود الناس على دكان غريمه رغم غلائه.. حتى انتشرت هموم “موسى” ترتفع بين حوش “المقطوف” والبناء الأصم، وحتى داخل البيوت، حكتها “مغلية” لـ”مريومة” علها تبلغ الشيخ..

– طيح سعده والله ماني راحله معاه.

وما إن خرج رأس “الشيخ” من فتحة القفطان الأبيض، حتى زم بين شفتيه كأنه يناجي نفسه.

– تخلي الدار الغربية لشكون.

خرج “موسى” بعد ذلك بعشرة أيام، ودع المقطع، عيناه تقلبان “الشيخ” متربعا على الكرسي، بين أصابعه طاسة الشاهي بالرغوة، تنتقـلان بعد ذلـك إلى “البكوش” عابسا يفارقه، لا تصدر عن يديه كلمة، ولا يهتز له رأس.

نزح “موسى”، وتبعته “مغلية” تجر خطواتها في حسرة، تلتف راسها إلى حوش “المقطوف” آخر مرة قبل أن تنحرف من العلوايـة إلى اليسار… إلى حيث يتفرق السبيل… إلى المجهول.

ويقول “المقطوف السوكني” للشيخ و”مغلية” تغيب:

– ربك هو العاطي.

فبمجرد خروج “موسى” تتبعه “مغلية”، حتى استأنس حوش “المقطوف” بممرضة لها بعل يعمل في الحراسة، يغيب أسبوعا كاملا ويرتاح أسبوعين، ضعيـف البنية، أعمش العينين، ينام الليل كله، ويلعب الورق في المقاهي طيلة النهار، يترك الممرضة حافية القدمين مخضبتين بالحناء، تعمل في النوبات الليلية وتستقر في حوش “المقطوف” من إطلالة الصباح حتى عودة زوجته قبيل الظهر.

وصفها “البكوش” للشيخ بتمريرة من يده على شفتيه، وقبل أطراف أنامله، يتابعها بلمعان عينيه.. ممصمصا في ضمة شفتيه، ناقلا سبابته وحيدة تستقر على خديه.. مؤكدا قول الشيخ.

-دمعة.. آه دمعة!

وتوالت أيام، وحوادث، تتفاعل حتى كأن أحدا ما يصنعها، لتنفجر بعد ذلك حكاية، تستقر أمام الشيخ تجالسه و”البكوش” عند امتداد ظل البناء الأصم.. اختفى بعل الممرضة وهي حامل في الثالث، انتظرته اسبوعا بعد آخر و لم يعد. أرسل الشيخ “البكوش” إلى المقاهي يبحث عنه، يلعب الورق، فعاد ويداه منفرجتان يهز رأسه ذات اليمين وذات اليسار، حتى مصباح أكد أنه سأل عنه في الحراسة فلم يعد بخبر.

ويحكى “مصباح” إنه عندما نطق اسمه في الحراسة، ابتسم بعض زملائه، وتأسف الآخرون، وأقسم بعض منهم على أنه لن يعود.. على أن سكان الشارع فوجئوا بأن النقطة تطلب الممرضة و”المقطوف السوكني”، عبر الشارع، يقودهما شرطي لم يكن قد دخل مثله إلى المقطع من قبل، وعندما اقتربوا من تقاطع الشارع مع الطريق المرصوف، انضم إليهـم شبح ضامر، أعمش العينين، يتلمس طريقه عن بعد من الممرضة، والمقطوف، عليه آثار تعب كأن لم ينم إلا قليلا يتابع خطوات الممرضة المخضبة بالحناء، تـترك أثرا على الطريق المرصوف، إلا أنه ثلاثتهم عادوا قبل صلاة المغرب، “المقطوف السوكني” إلى جواره صاحبه أعمش العينين، الممرضة تتبعهما بحناء قدميها حتى أدخلاها الحوش، ثم انضما إلى حلقة الشيخ، كأن شيئا لم يكن.

وكان ذلك قمة القيامة، وآخر المفاجآت، فلـم يعد مقطع الحجر يعبأ بـأن يوسف” يشرب، إذ انضم إلى مصباح و”البكوش”، يغـادر المقطع ليـلا ويعود بعد منتصف الليل.. وأصبح “خليفة” يحكي عن صدر زوجته، تختال به داخل الـرداء على اللحم، وقالت زوجة “المقطوف” إنها سوف لن تطلقه بعد هذا العمر، وفتح “حمزة” الدكان وارتفعت أثمان بضاعته مثـل غريمه، واختار له صبيا يساعده في البيع مليحا يتوزع الدم في شعاب خديه.. وخرج الأطفال إلى الشارع يلعبون غير عابئين بالشـيخ، وازدادت الضجة حتى خشي الشيخ أن يفيق منها سكان القبور، وتوافـد على المقطع أصحاب وغرباء، يصعدون العلواية مرات، ويجلسون أمام المبنى الأصم يشربون الشاي (بالباي)، يتأملون الشيخ متربعا على الكرسي الخشي، و”سعد” يعاج الشاي، ويحكي، ومصباح يترجم عنه ما ينادي به بيديه وجسمه حتى “موسى” عاد.. ولج المقطع في عجل أول الأمر، اكتفى بأن سلم على “الشيخ”، وحضن “مصباح”، وحدج “البكوش” بنظرة غضبى ثم انصرف، ثم عاد “موسى” مرة بعد أخرى عجلى ثم استقر له مقام أمام عالة الشاي، يبتسم للجميع، يلاحظ من طرف “البكوش” بـذات النظرة الغضبى، ويلقي مسحة من عينيه على بيت “المقطوف” كأنه يلجه في خفاء..

مات “سعد البكوش”.. دون أن يتوقع أحد أنه يموت. أقـام الشيخ التـاليف في الصحن الكبير للجامع، ووظفت المطهرة لطبخ الشاي وخص الصحن “الداخلي” لمعاجن “الكسكسي”. وتحلف “مريومة” بأنها فركت الكسكسي بالقرفة، وأن “عواشه” حببته بالزهر بيديها المخضبتين بالحناء، وأنه كان زي المسك.

– “البكوش” مرابط يا ناس.

ويستطرد “مصباح” دموعه لا يكاد يحبسها.

-يشرب، يشرب.. لكن لا تدير ما يديروا..

حتى “حمزة” أحذه الحماس، خرج صوته كالفحيح.. يحكى أنه لولا “البكوش” لما كان له أن يعود إلى الحياة، يودع “البكوش” مساهما في تاليفه با تيسر، و لم يكن ذلك بالكثير، يقلب النظر في الجميع وهم يتابعون حركة صبية، يهز مؤخرته المستديرة يدور بين الجالسين بـ”صفر” الشاي.

– مرابط وبس.. شن جابه في نفاصات الليل يرفعي للسبيتار!

لكن “البكوش” مات مقتولا.. وسر مقتله لدى سكان المقطع.

صحيح أنهم وجدوا له مكانا مناسبا في ارتفاعة الجبانة التي يتوسدها الولي، وأن تراخيص الدفن صدرت في ساعة، وأن طبيب البلدية لم يكشف على الجثة مكتفيا بأن “المقطوف السوكني” أكد له أن “البكوش” كان مريضا، لم يكشف له عن صدر “البكوش” ولا أراه الندبة الزرقاء على صدره محاطة بقرون الفلفل.. سرق منه توقيعه كأنه مدفوع بشعاع يخرج من جفي “البكوش” المغلقتـين على حدقتيه. وسرعان ما انفض السامر بعد قراءة التاليف.

بعد ثلاثة أيام، انتصب “مصباح” أمام “الشيخ بوبكر”، مثبتا في عينيه، يقول بدون خفوت.

-راهو الراجل مقتول يا شيخ.

وتقول “مريومة” بأن الشيخ تزداد همومه كل صباح، لم يعد يتعلـق بالقفطـان الأبيض، يلبس الجبة على لسعات البراغيت، ولا يقفل الباب وراءه.. يطول به الزمن أمام البناء الأصم، أو فوق “ركابة” الجـامع لا يرى في سحنة السكان حكاية، ولا يستهويه حتى شرب الشاي يصنعه له “الطاهر العايب”.

– وينك يا “بكوش”..

مقتول يا شيخ.. لازم نديروا حاجة!

يرددها العم “مصباح”، تضيع فوق العلواية

– كانه مقتول تطلع غولته!!

فجرها الشيخ، سرت في الشارع كأنها قول “البكوش”

بعد ثلاثة أيام نام الناس في المقطع حتى قبل صلاة العشاء، فقد، خشي “الطاهر العايب” أن يعتلي الصمعة وحيدا، وقفل راجعا إلى بيته قبل أن ينتصف به الطريق إلى الجامع، وسد “المقطوف السوكني” باب الحوش، فـأظلمت السقيفة، وتاه عن بـاب وسط الحوش حتى رده الحائط، ولم يلفت نظره شق الضوء المتسرب من الـدار الغربية، وكان “حمزة” قد أوصد الباب على صبيه بعد المغرب مباشرة وانثنى الى بيته، وضمت “عواشه” الحصير من وسط البيت، أدخلته الدار متوسدة فوق طرف ردائها، تلتصق بـ”خليفه”، مدخلة ركبتيها بين فخذيه، ومد الشيخ جسده علـى جبته محتميا بالعمة، يقرأ شيئا بصوت غير مسموع، يرتد قشعريرة على حسد “مريومة”، وران سكون على المقطع، ينحدر من المرتفع الذي يقبع تحته الولي و”سعد البكوش”، حتى إذا وصل الى عتبة الصحن الكبير تمدد على جنبيه، تشكل في كبوط العسيكري، تحته فانيلـة باهته وفرعة، تتزلق من بينها سوءته.

ويحكي “مصباح” أنه عندما يعود و”يوسف” وقت الفجر ولا يرى من المقطع إلا مساكن قاطنيه، يحس إذا ما جاور الجامع، أن همهمة تصدر عن الصحن الكبير، يلحقها صوت اندلاق الماء من المطهرة، وأصوات غير مفهومة، تتخايل أمام عينيه رأس حاسرة، ورجلان حافيتان ويدان تلوحان في الهواء.. ثم آهة لاستغاثة رجل يموت، وبعد ذلك الخواء.

روما 1998.6.27

مقالات ذات علاقة

مدينة مضطربة

المشرف العام

أنا و أشياءٌ أخرى لا تهتمُ بي

محمد النعاس

عـبـور

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق