قصة

سائرٌ وسط الهشيم

محمد دربي

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

1

السماء مازالت تظلل الهضاب بجملٍ مبتورة من الغيم والدخان، أما القمر العنيد فلا ينسى يجاهر بحسنه فوق مدينة تعيد تشكيل كيانها بعد لهيب التهويم قبل الدمار، سر الصمت ينفث زفرة َشهقة الذعر، أشباحٌ تجتاح أزقة المدينة.. أشباحُ المنايا والدوي الهائج وأحذية التخريب، رصاصٌ يُقبل على القتل، رصاصة تخطف جسداً نقياً، تغتصب ابتسامة صبي يلاطف الدنيا قرب مزهرية الياسمين الأبيض، بحسنها اختفت المزهرية، اختفت الابتسامة.. اختفت دنيا الصبي والقاتل واحد.. جَفنُ السحائب يلامس عطر الياسمين، يمسح جبين الصبي، ريح تميل في فستانها الممزق بين الرصاصة وبين الغيم، ونجم أفل مثخن بالجراح.. يدنو الليل وكلما دنى الليل المرهق تفيق السحائب كي تنشر الغمائم قرب الشرفات.. الشرفات مغشية تنده وجه الصباح.. من عتبات السماء ترفل السحائب تنقش فوق الحطام وفوق الرماد بستاناً مزهرياً، بغتةً، هكذا على عجلٍ هكذا بستانٌ يمزقه قصف جوي مرعب ينثال بعصبية بصحبة هوج الرياح وصياح الغزاة وسط جثث تحبو في عيون الناس سيوف الأحذية الثقيلة تذبح الطقات.. على أشلاء مقتول رياح تنشجُ بالمرارة وزمرة من البشر يلاحقها القتلة فوق التلال..

2

 القصف يحجب الحياة والضياء ويترك للشظايا تتطاير فوق حجارة أنقاضٍ من فوضى الرماد واسرار صخب الحريق.. قصفٌ وليلٌ، وفي البيوت عيون اطفال شاردة يغزوها الخوف.. خوفٌ وليلٌ.. مدينة حبيسة بالوجع، تختال بالفزع.. تحت ضوء القمر يظهر حطام المدينة القديمة، معالمها تكاد أنْ تندثر، مشوهة بالأرق المرّ، الآف البيارق تحترق، حبّات الزيتون تتناثر.. وطنٌ سليبّ ورصاصٌ دامٍ.. لمعت نجمةٌ خادعة فوق الرمان والليمون تنهدت فتلاشت وعلى وهنٍ يتعالى صوت القصف من القصف، لا شيء غير قصف جنوني وقلبٌ طعين.. وطفلة تتشوق للشمس.

3

 الناس تنصت للقصف وتنصت لرسائل القمر وترى الغزاة يمرحون فوق التراب المهشم، الماء ينزف في قرار الوادي ينهش كل قلبٍ.. المدينة بالخراب تمور، تحترق ليحيا الجنرال.. الجنرال قادمٌ كمخلوقٍ خرافي يطلّ من كهفه المهجور معفراً بصخب الموت.. الجنرال يمشي مزهواً وسط المدينة ماراً بالجثث الملقاة في العراء يحظى بلقاء القلة، الجنرال يصافح الموتى، الجنرال أفلح وابتهج، جنرالٌ فرحٌ، يزهو في خطوه، ملتبساً يقابل الفرح بهذيان الحرب وعرس المجازر، مستأنساً بحطام من المقابريتفحص عدد القتلى في مراميها الطاعنات، مزهواً أمام المدينة الذبيحة، يعلن لجنوده الغزاة وقد اتسخت الاجواء بغبار القصف : ” ايها الشجعان الأشاوس الأبطال ها قد انتصرتم على الإرهاب والإرهابين وحررتم المدينة من شرورهم” ثم راح يصفق بيديه كالمعتوه وراح الجنود يهتفون ” بالروح بالدم نفديك يا قائدنا”، ارتسمت في اساريره الشعور بالنصر والفخر والفتوحات القتيلة..

4

من بعيد قهقهت هضاب المدينة صاخبة في سخرية واختفى القمر خلف السحائب والذئاب تعيث في المضارب.. جفّ الوادي الخصيب، وأَسْرَتْ شجرة محترقة لشجرة أخرى تغالب اللهب: “إنّها ايام غير مألوفة، لا وجدان ولا ضمير” ذاقت الساعات والبكاء حجرٌ منقوع.

ذَهُلت البيوت من الفزع، خرجت صبية ترتجف من الهلع تبحث عن بقية أسرتها، اقتربت من الجنرال والغزاة، تحول عنها الجنرال والغزاة، خوف وفزع، فزع وخوف، وإذا بعصفور السليوة يرفرف بجناحيه فوق رأس الصبية وهمس في أُذنها: ” قد مال بهذه المدينة الدرب وأبعدها عن الأمان”، طارٌ كبراق السحر همس وراح.. مضت الصبية في طريقها إلى حيث لا تدري عساها أن تعود لشذى أمها المعطربالياسمين والورد وماء الزهر.. عساها تراها ولا تراها تحت رماد القتلى.

5

في اليوم التالي ومن جهات الدنيا الواسعة، ظهر الجنرال على شاشة قناة فضائية مزهواً بالنصر وصناعة الحرب والحكايات البطولية في حضرة إبتسامِ مذيعة حسناء سابلة العينين تنقل الخبر وكأنها قطةٌ خرافية محنطة في متحف قديم، من قناة يباع التخريب فيها لجوجاً في إحدى المرافئ المغسولة بالدم.

مقالات ذات علاقة

سيد المدينة

عوض الشاعري

قصتان قصيرتان

غالية الذرعاني

قاضي الغرام

فتحي محمد مسعود

اترك تعليق