تشكيل

رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة

رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري
رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري

لطالما كان حلول شهر رمضان بأجوائه وعاداته وطقوسه الاجتماعية، محفزاً لرسامي الكاريكاتير لأن يقتنصوا من بين تلك العادات والطقوس بعض السلبيات، التي تنجم عن انحرافاً في السلوك والممارسات اليومية، إما لأنها نتيجة لتفشي الجهل وانحدار مستوى التربية والثقافة في المجتمعِ، وإما لأنها نتيجة تطور المعيشة، وما يتبعها من تغيرات في جوهر الممارسة للعادات الاجتماعية وفي صياغة العلاقات الإنسانية المتداخلة.

فمنذ عقد السبعينيات من القرن المنصرم رصد لنا الفنان الكبير الراحل محمد الزواوي في كتابه (الوجه الآخر)* ستُّ مظاهر سلبية كانت تصاحب حلول شهر رمضان المبارك من كل عام، بعينه الثاقبة التي تقبض على اللحظة الهاربة، ليضعها في داخل إطار رسوماته اللاذعة، ويقدمها لنا في قالب ساخر، تهكمي، فنحتضنها بعقولنا، عن طيبِ خاطر، ونبتسم بعاطفة منها ابتسامة ماكرة، ربما لأننا كنا في يوم ما قد ارتكبنا فعلة مشينة مشابهة، أو ربما لأننا مازلنا واقعين في ممارسة خاطئة، لم نفلح بعد في تجاوزها، برغم معرفتنا، بما سوف تجره علينا من مصائب لاحقة.

الظاهرة الأولى التي دونها الفنان الراحل محمد الزواوي بفرشاته كانت ظاهرة (التبذير والإسراف)، في شراء الحاجيات التي تفوق استهلاكنا اليومي، والشراهة في الأكل لدى بعضنا، والمبالغة في تشكيل الأطباق على سفرة الإفطار، الأمر الذي يؤدي إلى عواقب وخيمة، على المستويين، الجسدي والمادي للإنسان. كما إن رسوماته إبان عقدي الستينيات والسبعينيات قد عكست بدقة وبذكاء (الحالة النفسية) لدى المواطن الليبي، مصورة تطور وضعه الاقتصادي، الذي بدأ يشهدُ بحبوحة منذ منتصف السبعينيات بفضل ارتفاع دخله الشهري مع ارتفاع سعر النفط في السوق العالمية. وأيضاً قلقه الداخلي، الذي يبرز في رغبته أن يرى أمامه مائدة الإفطار تتشكل بكل أصناف المشروبات والأكل، في الوقت الذي لن يكون في مقدوره تناول العُشرِ، مدمناً على شرب السجائر بعد تناوله حبة أو حبتين من التمرِ. يتلبسه الخوف والشعور بالجوع والفقر، فتخالجه في نفسه رغبة نحو الشراء والتمتع برؤية الأكلِ.

رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري
رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري

الظاهرة الثانية (تربية الماشية) لاستهلاكها عند حلول شهر رمضان، وهذه الظاهرة الغريبة لم يعد لها وجود الآن، إلا أن الفنان محمد الزواوي كان قد رصدها ورسمها في مشهد يظهر فيه بيتاً غارق في الفوضى والخراب، تتناثر في أركانه دجاجات، تبحث عما تأكله من طعام. بينما يظهر صاحبه في وسطها مستلقياً، يتكئ على مخدتين وفي يده سيجارة، إلى جانبه ضيفه الذي يجلس على كرسي، يحتسي فنجالاً من القهوة، وفوق رأسه تقف إحدى الدجاجات. أما زوجة صاحب البيت فإنها تجلس على الأرض معاكسة لوضع زوجها والضيف، ملتحفة بردائها التقليدي، تّعَدُ لهما الشاهي، ملتفتة نحوهما لتسمع بعض الكلمات. بينما يقف أحد الطفلين إلى جوارها والآخر يلاحق إحدى الدجاجات. يقول صاحب البيت لضيفه كما في التعليق أسفل اللوحة: “سنتنا، كل صيام نشروا عشر شياه بلغاري… ونسربوهن… هذا أيام البِرّاكة… لكن توا قلنا ما يصحش في شقتنا الجديدة نربوا شياه… أحسن نشروا ثلاثين دجاجة… وكل يوم دجيّجة.”   

رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري
رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري
رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري
رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري

أما الظاهرة الثالثة، فهي (القيادة بسرعة جنونية) وهي تعكس حالة قلق وهلع تصيب الإنسان الليبي، الذي يتأخر في العودة إلى منزله قبل أذان صلاة المغرب والإفطار. وتؤدي أحياناً إلى حوادث كارثية، وفقدٍ في الأرواح والأموال. تجلى تهكم الرسام محمد الزواوي من هذه الظاهرة في تصويره لسيارة تحلق في الهواء، بينما شرطي المرور يطلق العنان لصفرته لكي يوقفها، لكن السائق يطل برأسه من النافذة، ليخبره متأسفاً أن مدفع الإفطار قد سبقه وأن أذان المغرب قد حان. وفي لوحة أخرى صور الزواوي، سائقاً يقفز مسرعاً من سيارته المحطمة، وهو ينظر في ساعته، بعد أن اصطدم بعمود إنارة في الشارع العام، ويخاطب شرطي المرور الذي يصفر لإيقافه: “صفر… من لاهي بيك، المغرب قُرب وبعد الفطور نتفاهموا.” هذان الرسمان الساخران يبرزان بوضوح اضطراباً نفسياً، يعبر إما عن، سطوة لعرفٍ اجتماعي ليبي، كان يفرض على كل فرد من أفراد الأسرة الواحدة أن يكون متحلقاً عند ساعة الإفطار حول المائدة، وإما عن حالة من الإدمان لدى البعض على شرب السجائر، أو عن توثر في التفكير يظن صاحبه أن تأخره خارج المنزل سيترتب عليه قلق الأسرة وتأخرها في تناول الإفطار.

رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري
رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري

نأتي إلى الظاهرة الرابعة، التي تتعلق بـ(الطوابير الطويلة والازدحام والمشاجرة والخصام) أمام أبواب المخابز والأفران ومحال بيع الألبان ومشتقاتها طيلة شهر رمضان، نتيجة للفراغ والفوضى والمزاج المتعكر لدى البعض خلال ساعات النهار. ولذا أراد الزواوي أن يرصد هذه الظاهرة في لوحات عدة، أظهر في إحداها مشهداً لعربة (كاراتون) متوقفة، وعلى ظهرها امرأتين بردائهما التقليدي، إحداهما واقفة والأخرى جالسة، وفي مقدمة العربة يجلس رجل، تظهر خلفه لافتة كتب عليها (المصنع المتنقل لخبزة التنور ولبن الشكاوى. وذلك بمناسبة شهر رمضان الكريم) وتحتها أعواد من الحطب لإشعال النار. يحيط بالعربة حشدٍ من الناس، يمسكون في أيديهم قفف من السعف لحمل الخبز، وجالونات بلاستيكية وأباريق معدنية للبن والحليب. وتظهر المرأة الجالسة تعمل بجد وكد لإعداد الحليب الذي لايزال في الشكاوى، وأما الأخرى فهي تمسك بيديها جذعُ شجرة لتحرك الجمر الذي في داخل التنور، استعداداً لرمي العجين. ويتدافع الحشد من حول العربة، كلٌّ يحاول إيصال جالونه أو أبريقه أولاً. بينما يلتفت الرجل الذي يجلس في مقدمة العربة موجهاً عصاه إلى صدر أحدهم، صارخاً في وجهه قائلاً كما في التعليق أسفل اللوحة: “وسعوا غادي… اللي يشبحكم يقول عليكم عايشين في مجاعة، مغلى عليكم الدعاك.

رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري
رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري

أما الظاهرة الخامسة – في اعتقادي-  تخص الليبيين وحدهم عن سائر شعوب المنطقة، وتتمثل في (تفضيل شراء الخبز الساخن وأن يكون من المخبز عن شرائه بارداً من دكاكين)، وتعد هذه مفارقة ومادة ساخرة لرسومات الزواوي الذي صور في إحداها باب مخبزٍ يتدافع الناس أمامه، ويحاول كل واحد منهم الدخول أولاً. بينما يظهر في يمين اللوحة ثلاثة أطفال يضحكون فرحين ويحملون على أكتافهم رجلاً بثياب ممزقة وعين متورمة، يبدو أنه والدهم، يرفع يديه إلى الأعلى، ممسكاً في اليمنى رغيفين من الخبزِ الساخن يتصاعد منهما البخار، أما اليد اليسرى فإنه يرسم بأصبعيه السبابة والوسطى علامة النصر. لكن المفارقة تكمن في وجود ثلاثة رجال على يسار اللوحة، يبيعون الخبز الذي تمتلئ به القفف الكبيرة التي أمامهم، وينظر أحدهم باستغراب إلى الرجل وأطفاله، لأنه لم يهتم بوجودهم ولم يشترِ منهم الخبز الذي يتكدس أمامهم، مفضلاً المزاحمة لكي يضفر برغيفي خبز ساخن. وفي لوحة أخرى رسم الزواوي رجل ملقى على الأرض، وهو يشرع بالدخول من باب بيته، يحمل في يده اليمنى رغيفي خبزٍ ساخنٍ يتصاعد منهما البخار، بينما زوجته وأطفالهما يستقبلونه والدهشة والصدمة ترتسم على وجوههم، لأن لديهم قفة محشوة بالخبز موضوعة فوق الخزانة في الجهة المقابلة. يقول الرجل في التعليق أسفل اللوحة: “ما تسمّاش على بوكم يخش دعكة الكوشة… ويروح بيده فاضية.”        

رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري
رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري

وتبقى الظاهرة السادسة، التي تزداد استفحالاً في أنهر شهر رمضان فهي (التنمر والشجار والعراك) الذي يقوم به بعض الأشخاص الخارجون عن القانون. لقد رسم الزواوي عدة لوحات حول هذه الظاهرة، يظهر في إحداها خمسة رجال ببنية جسدية قوية وضخمة، يقفون في شارع عام، يبدو أنهم يستعدون للمشاجرة، بينما يمسك أحدهم برجل نحيف من قميصه مخاطباً إياه، كما في التعليق أسفل اللوحة: “سامحني نسألك يا أخ… وأنت جاي من الشارع… ما شبحتش دعكة… على خاطر لنا زمان ما خشيتش دعكة.“، وفي لوحة أخرى يظهر فيها ثلاثة رجال شداد، أحدهم يثني كُمّ قميصه كما لو أنه يستعد لمنازلة، وينظر الآخر عبر المنظار إلى الأفق ويقول: “مفيش دعكة… مافيش زحمة… ياخسارة… الواحد موش عارف وين يضيع وقته.”         

رمضان بين الأمس واليوم

لا أعتقد أن ثمة اثنين في ليبيا اليوم يختلفان حول مسألة أن رسومات الفنان الكبير الراحل محمد الزواوي تعد بحقٍ وثائق تأريخية وثقافية، ولا أبالغ إن قلتُ أنها وثائق أنثروبولوجية وسيكولوجية، تمكن من يطلع عليها من دراسة سلوكيات وعادات وتقاليد وأنماط التفكير التي مارسها عبر حقبة ليست بقصيرة الشعب الليبي، أي منذ حوالى منتصف خمسينيات وحتى نهاية تسعينيات القرن المنصرم. فمن خلال استطلاعنا للظواهر السلبية التي رصدها – على الأقل – في كتابه (الوجه الآخر)، تمكنا من أن نُكَوّنْ صورة في مخيلتنا عن كيفية تعامل الإنسان الليبي مع ظروف شهر رمضان، وعن معتقداته ومستواه التربوي والثقافي والاجتماعي الذي ظهر في ممارساته اليومية (السلبية) التي من ثًّم انعكست في مرآة ضميره، الذي يمثل الرسام الكاريكاتيري أحد أركانه.

رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري
رمضان في رسومات محمد الزواوي الساخرة، من اختيار الناقد الفني أحمد الغماري

إلا أن السلبيات التي صاحبت رمضان الأمس ليست كالسلبيات التي تصاحب رمضان اليومِ، وأن سلوكيات وعادات عقد الستينيات والسبعينيات تختلف كثيراً عن سلوكيات وعادات الإنسان الليبي الذي يعيش ظروف العشرية الأولى والثانية من الألفية الثالثة. فلم تعد ظاهرة (التبذير والإسراف) في شهر رمضان كما كانت عليه فترة السبعينيات والثمانينيات على سبيل المثال، بحكم أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية نتيجة لارتفاع قيمة الدولار مقابل الدينار الليبي. بالرغم من أن أدنى مستوى دخل شهري لرب الأسرة الليبية لا يقل اليوم عن 450 ديناراً شهرياً، في مقابل 75 ديناراً شهرياً تقريباً في منتصف عقد السبعينيات. ولم تعد ظاهرة (الطوابير الطويلة) أمام المخابز موجودة اليوم، لأن المسافة التي تفصل بين المخبز والآخر، لا تتعدى اليوم في بعض المدن الليبية مسافة كلم مربع تقريباً. ثم إن إضافة المواد المحسنة إلى عجائن الخبز، زادت  من سرعة تخمرها ونضوجها داخل الفرن، ناهيك عن توفر الأفران الحديثة التي تستوعب أعداداً كبيرة من أرغفة الخبز، الأمر الذي جعل توفر الخبز الساخن متاحٍ على مدار الساعة، كما أن الأمر ذاته ينطبق على منتجات الألبان ومشتقاتها. أما ظاهرة (التنمر والشجار والعراك) التي يمارسها سيئو السمعة والتربية والأخلاق والخارجون عن القانون، فإنها لم تعد تأخذ شكلها الكلاسيكي كما كانت تصور قديماً في المسلسلات والأفلام. بل إنها اليوم وبعد انتشار السلاح ووسائل التواصل الاجتماعي قد أخذت أشكالاً مختلفة، لكن وجب القول هنا أن التطور الاجتماعي قد ضبط بعض السلوكيات المنحرفة في المجتمع بحكم ترشيد وسائل الإعلام والخوف من الوقوع في فضائح صفحات وسائل التواصل الاجتماعي. إلا أن وجود المنحرفين في المجتمع سيظل دائماً قائماً، واليوم نجد أن المنحرفون قد اندسوا بين صفوف بعض الكتائب الأمنية، وأخرين يقومون بأعمال غير ظاهرة للملأ كالإتجار بالمخدرات والمواد السامة.

يبقى أن نقول أن المظاهر السلبية التي كانت منتشرة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم والتي رصدتها فرشاة الفنان محمد الزواوي، مثل (الطيش والسرعة المجنونة بالمركبات الآلية ) أثناء فترة الإفطار قد اختفت اليوم، لأن ظهور وسائل الاتصال الحديث مثل الهاتف الخلوي وغيرها من الأمور، قد أمنت تواصلاً مستمراً بين أفراد الأسرة الواحدة. كما أن ظاهرة مثل ظاهرة (تربية الماشية) في المنازل قد اختفت اليوم، لأن محال القصابة باتت منتشرة في كل مكان، كما أن التحديث الذي طرأ على المطبخ الليبي فرض على الأسرة أن تستغنى عن استهلاك اللحوم كما في السابق. لكن يظل ثمة سؤال يجول في خاطري مفاده: لو أن الفنان الكبير الراحل محمد الزواوي مايزال حياً بيننا اليوم ماذا كان عساه أن يرصد من مظاهر سلبيات في شهر رمضان ليرسمها في لوحاته التهكمية اللاذعة؟!


هوامش

*كتاب [الوجه الآخر، اجتماعيات. سياسيات 1966 – 1972]، هو الكتاب الأول الذي أصدره الفنان محمد الزواوي، سنة 1973 تقريباً.

مقالات ذات علاقة

الفنان التشكيلي الليبي علي المنتصر البحث عن الطمأنينة في اشد المناطق عتمة

عدنان بشير معيتيق

الفنان الليبي أسامة النعاس: التخطيطات العابرة لليد الواثقة

عدنان بشير معيتيق

الرسم التوثيقي

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق