حوارات

التشكيلية منيرة اشتيوي:العملية الإبداعية وسيلة الفنان للهروب من المواجهة

الطيوب

(حاورها / مهنّد سليمان)

الفنانة التشكيلية “منيرة اشتيوي”

يقول الرسام الشهير بابلو بيكاسو بأن الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية وبموازاة ذلك يرى فيلسوف الحضارة الإغريقية أرسطو الفن بأنه شكل من أشكال العلاج، إذن نحن نقف إزاء حقيقة لا تحتمل الكثير من الجدل والنقاش وهي أننا بحاجة مطردة ومستمرة لوجود الفنون بوجه كليّ لرفد مكنونات دواخلنا وردم إحتمالات الخطر في حيواتنا حتى لا نكون نهبًا لليأس وفريسة للقبح والإحباط، فإنما الخيارات البديلة لذلك قد تدفع بالمرء إلى نتائج لا تحمد عقباها، وعبر هذا اللقاء نتوقف عند تجربة الفنانة التشكيلية منيرة اشتيوي التي تملك من الحسّ الإبداعي والرهافة الفنية ما جعلها تحظى بمنزلة متميزة في الحركة التشكيلية الليبية لأعوام طويلة ومكانة شاهقة كللتها بالفرشاة والألوان ومثلما يصرخ الشعراء عبر حناجر قصائدهم يُدمي الرسامون المِداد بانبعاثاتهم اللونية، وضيفة حوارنا اليوم متحصلة على الترتيب الأول على مستوى المعاهد الليبية لعاميّ 1987 و1988م وعلى جائزة أفضل معلمة للتربية الفنية لمدة أربعة أعوام متتالية في تسعينيات القرن المنصرم، شاركت في تأليف مادة التربية الفنية لمرحلة التعليم الأساسي وترأس قسم الفنون التشكيلية بالإدارة العامة للنشاط المدرسي، أقامت عدة معارض شخصية وإفتراضية على الشبكة العنبكوتية ونالت الترتيب الثالث أثناء مشاركتها عن بُعد في معرض فني أقيم بأسبانيا عام 2020م، في رصيدها 7 معارض وتستعد في الأيام المقبلة لإقامة معرضها الفني الجديد وأيضًا سيكون لديها مشاركة في معرض جماعي بتونس وعلى خلفية تفشي فيروس كورونا المستجد تقدم دروسًا منهجية على القناة التعليمية، وسنحاول من خلال هذا الحوارالغوص عميقًا في مفردات عالم منيرة اشتيوي الفسيح.

للوجوه حميمية وافرة في لوحاتك الإبداعية إلى أي مدى يساعدك الوجه في الاطلالة كنافذة على الداخل الإنساني ؟
الوجه بوابة كل روح تمر من أمامنا، لهذا تجدني أدقق النظر في الوجوه التي تشدني إليها، ومن هنا ابدأ بالبحث عن الملامح التي تلح عليّ لرسمها.

مدارس الفن التشكيلي الحديث غالبًا ما تُركز على ما يعتمل من أغوار داخل بحر النفس البشرية، هل يُمكن للألوان ترجمة تعقيدات هذه النفس ؟
للألوان قصص متعددة، الألوان علاج نفسي ولكل لون خاصيته، مثلاً اللون الوري لتهدئة النفس المتعبة والأبيض للسلام الروحي والأحمر للإستفزاز، وفي هذا الصدد عملت كثيراً مع الأطفال بغية العلاج النفسي بحكم عملي معهم لدراسة حالاتهم النفسية من خلال الخطوط والألوان.

نلاحظ في لوحة (الموظف الليبي الغيور) محاكاة للوحة الصرخة للنرويجي”إدفارد مونك” ماهو تأثير التشكيليين العالميين على تجربتك ؟
لوحتي (الموظف الليبي الغيور) لا أعتقد بأن لها علاقة بأية لوحة أخرى لأنني وبصدق لم أشاهد اللوحة المذكروة للفنان “إدفارد مونك”، وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال كان للفنان “محمد الزواوي” تأثير كبير مع أنني لست من مدرسة فن الكاريكاتيير وكانت كذلك لوحات الفنان العالمي “سلفادور دالي ” تستهويني.

الألوان ضرورة تُكسب درب الحياة المبرر لرؤية موجودات الطبيعة والتمييز بينها، كيف تستطيعين تطويع الألوان لملمة شتات فكرتك ؟
الألوان تلعب دورًا كبيرًا في حياتي، مثلاً الديكور المليء بالألوان يتعبني كما أنني لا أستطيع أن أكون في مكان دون أن أركز على كل الألوان الموجودة والمحيطة به، لهذا أجد نفسي وأنا أعمل مع الطفل مما يدفع بتركيزي الكبير نحو اللون لكونه يسترعي نظر وانتباه الطفل بخلاف الإنسان الكبير البالغ في السن غالبًا ما ينصب تركيزه عن محتوى العمل أكثر.

ثمة فجوة كبيرة تكاد تفصل ما بين الفنون التشكيلية وبين المتلقي، ما أسباب ذلك برأيك ؟ وما السبيل لتجسير هذه الفجوة ؟
نعم توجد فجوة كبيرة بين الفن والمتلقي ولكن ليس بين الفنان والمتلقي، والسبب في رأيي باختصار ندرة إقامة المعارض الفنية وإن وجدت فهي تقام لنخبة معينة من المتلقين، وبالتالي نحن نحتاج لمعرض دائم ومكان مخصص للفنان التشكيلي تتوفر فيها الأجواء الفنية الملائمة التي من شأنها أن تفتح الآفاق للفنان لكي يبدع وفي المقابل يكون مفتوحًا أمام العوام والزوار ومتذوقي ومحبي الفن.

وسط سيل مرعب من التردي والإنحطاط كيف يُمكن تربية ذائقة فنية سويّة وسليمة لدى النشء ؟
سؤال جميل، وأنا من هذا المنطلق أشجع على إنتشار الصالات والمدارس لتعليم النشء معايير الرسم وتنشئتهم على حسن التذوق عامة ثم التذوق الفن خاصة.

كيف تتبلور الأفكار في أفق لوحتك ؟
بصدق تبدو الإجابة على هذا السؤال صعبة لأنني بصدق مجنونة في اختيار الوقت،كما أني لا أختار وقتًا مؤاتيًا، بل الوقت هو من يختارني.

مالذي يستدرجك للإمساك بالفرشاة ؟
الذي يستدرجني للإمساك بالفرشاة المزاج الرائق والطرب الأصيل

ماهو تقييمك لحركة الفن التشكيلي في ليبيا اليوم ؟
الفن التشكيلي في ليبيا، في تطور ملحوظ جدًا جدًا بالذات مع المواهب النسائية نلاحظ عدد كبير وأجيال جديدة تبهرنا لم نشاهد مثلها من قبل، لكننا في المقابل نفتقر لمن ينهض بهذا الفن ويخرجه من عزلته للعالم.

الطبيعة أهم منهل ومصدر للمبدع لاسيّما للرسام ما هو الحد الفاصل بين تقليد الرسام لما يراه في الطبيعة وبين البحث عن خصوصيته المتفردة ؟
عناصر الطبيعة لاريب بأنها أبرز منهل للمبدع ولكن للفنان خطوطه وأسلوبه الذي يجعل من لوحته الفنية تتفرد بخصوصيتها ومعروفة للجميع قبل ان نبحث عن توقيعه، مثلاً هناك الفنان عبد الرزاق الرياني الذي يعجبني حسه الفني، له خطه الواضح الذي لا يستطيع أيّ فنان آخر تقليده أو مجاراته فيه مهما حاول.

برأيك الفنون التشكيلية موهبة أم علم يُكتسب ؟
في البدء الفن موهبة ومن ثم علم يكتسب بالدراسة والصقل.

غزو التقنيات الحديثة وبرامجها المتطورة أجبر الجميع على التعاطي معها، هل تلجأين لاستخدام التطبيقات الإلكترونية في إعداد لوحاتك ؟
غزو التقنيات والعلم الحديث لأبجديات الرسم جميل جدًا ومطلوب لكنّه حسبما أعتقد قد ضيع الفنان الذي إلتجأ إليه ونزع لنوع من الكسل ولم يعد يستطع الرجوع لأدوات فنه الأصيلة، وبالنسبة لي أنا لم أتعامل مع هذه التقنية حتى الآن.

العملية الإبداعية عموما هي إيجاد صيغة ما لعالم موازي أكثر انحيازا لخيالنا، هل المبدع يمارس نوعا من الهروب بفرشاته أو قلمه أم أنه يرتقي بجماليات الواقع؟
العملية الإبداعية تظل وسيلة الفنان التعبيري للهروب من المواجهة المباشرة إضافة لكونها انها (علم ) خاص يحاكي الوجدان ويُبحر في يمّ خلجات النفس البشرية، والمبدع كما ذكرت آنفا يهرب بقلمه وفرشاته وألوانه وأحيانا لا يكون للألوان عدا لونين الأبيض والأسود وهنا نفهم الدواعي النفسية للمبدع في ذاك الوقت وهو ينجز لوحته.

كيف تنقذك اللوحة من إيقاع يومك المألوف والعادي ؟
أجمل لحظاتي عندما أكون بين أحضان مرسمي وعلى جدار لوحتي وأنا أنجزها رويدا رويدا، حينئذ لا أعي الوقت ولا أحسب وزنا للزمن فقط أعيش بين زمن الفن والطرب وأنثر الخطوط والألوان على اتساع المدى .

هل مثّل الجنون لك طُعم صيَّر منك رسامة ؟
نعم، الجنون موهبة لا يفهمها إلا مجنون، وفي هذا الخصوص يقال الجنون فنون بمعنى جنون العظمة.

هل فنان اليوم يمارس الهروب بفنه أم يحاول الارتقاء به
على الإطلاق، إن الفنان حينما يلوذ بلوحته وألوانه وظلاله فإنما هو يسعى بكل ما أوتي من جمال ووهب من أمل للإرتقاء بواقعه وإن كان لابد من عامل (الهروب) فهو هروب من أخلاقيات الزيف والإدعاء وظواهر القبح والتقيّح السائدة.

متى استبد بمنيرة اشتيوي الخوف فتراجعت عن ترجمة فكرة أو هاجس ما على صدر لوحتها ؟
أبدا لم يحدث، لأنه لا صديق لي حين في ظروف الحيرة والحزن أفضل من اللون والفرشاة كونها القادرة على إزالة غمي وتبديد همومي.

معنى ذلك أن اللوحة تمنحك فسحة وبراح يحتوي كل مشاعر ذاتك ؟

أكيد، وفي أحيان كثيرة تفضحني اللوحة وتفك الأزرار عن أسراري الدفينة

هل يخيفك ذلك ؟
نعم، لكنني أتجلي بذاتي وأتطهر من رواسب محنة الأيام.

كلمة أخيرة :-

أخيرًا أتمنى من القائمين على وزارة الثقافة ضرورة الإهتمام بالفن والفنان التشكيلي كما أنتهز هذه السانحة الطيبة لأوجّه نداء لتوفير مكان خاص لتعليم التذوق الفني للنشء والأطفال، انطلاقًا من مسؤوليتي كفنانة تربوية أناشد المسؤولين وأطالبهم بهذا الطلب الذي أراه حق أصيل لأطفالنا اللذين يشكلون عماد الغد وقوام الوطن.

مقالات ذات علاقة

رسولة المرأة الليبية… تعزف بوحهن

المشرف العام

الكاتب الشاب أنيس البرعصي: أكتب لأني لا أملك نيزكا في ثلاجتي أو دبابة في الجراج.

المشرف العام

حوار مع الدكتورة أولوين بروغان عاشقة الآثار في قرزة

علي مصطفى المصراتي

اترك تعليق