طيوب عربية

رواية (الليل في نعمائه) للأديب العراقي زيد الشهيد

رواية (الليل في نعمائه) للكاتب العراقي زيد الشهيد
رواية (الليل في نعمائه) للكاتب العراقي زيد الشهيد

في ليل الأديب المشرق زيد الشهيد، تكون روايته قد ألقت أنفاسها على الورق، وخرجت عارية أمام وجه الشمس، متسربلة بالحزن، متشحة بالحياء، شهية ساخنة بكل صنوف الاغراء والجمال، خارجة عن سياق المألوف وهي تشق طريقها مبتعدة عن محيط الكلاسيك في كتابة الرواية.

ربما لا يروق النص لخبراء الرواية الذين يحسنون القياس بمساطرهم النقدية التقليدية، وينظرون الى مكامن الابداع بعدساتهم التي تبحث عن المقدمات والعقد والحلول، وتتصيد الأشواك في حديقة مكتظة بالورود، وتطارد نقاط الضعف في البناء الروائي لزجها في صالات التشريح، وتعيب على الكاتب تمرده على أصول الكتابة المتعارف عليها.

(الليل في نعمائه) رواية تعلن عن تمردها وعصيانها عند أبواب المألوف، انها تناولت الحدث بطريقة غير مألوفة دون خوف، وأعلنت رفضها مع بدء الخطوة الأولى لانطلاقها، وألغت الاستهلال عندما يجرها الى الترهل:( رآها تقطع الدرب، مخلفة الزقاق الذي أطلقوا عليه قبل خمسة عشر عاما (زقاق بيت العمة) وظل مقرونا بالاسم، لا أحد من المدينة يتنكر له فيستنكر له فيستبدله. ص7) هكذا بدأت الرواية في خطوتها الأولى، رشيقة كأفعى الصحراء وهي ترفع الغطاء عنها.

اللغة الشعرية التي كتبت فيها الرواية تجسد قدرة الكاتب في تقديم نص روائي يتزاوج فيه الأسلوب السردي الغنائي مع الأسلوب السردي السينمائي بطريقة مدهشة: (قال انها فتاة مموهة بألوان الطيف، فهي الألق، وقال هي غيمة بيضاء .. الخ ص7) وينتقل الى الاسلوب السينمائي (رآها تتعثر في مشيتها كما لو كانت تمرض أو تعاني من نزلة تهز كيانها فتجعلها بلا اتزان. ص7) وقد تعمدتُ في اختيار الأسلوبيْن من صفحة واحدة.

في الرواية صور شعرية متلاحقة، وكل صورة تخرج من رحم لوحة أخرى لتشكل في النهاية عزفا متواصلا خارجا من أرحام متعددة تتمتع جميعها بالعافية.

في رواية (الليل في نعمائه)، يرتد الزمن بفعل التواتر تارة والترتيب أخرى، ويتداخل الحدث بالحدث، يكبو وينهض وفق لعبة الزمن الممتد بين وقوع الحدث وزمن كتابته، واعتماد اسلوب الاسترجاع والاستباق الزمني، والمهارة في طريقة تداول الحدث، وتلوين المشهد، وممارسة فن الحذف، وصياغة المشغل الزمني لمعرفة الموجودات الحسية المتغيرة فيه.

اعتمد الروائي الشهيد على عنصر الوصف بطريقة مدهشة حتى بدت أبطاله تتحرك أمامنا، انها شخصيات من لحم ودم خرجت لنا واضحة المعالم ونحن نتأمل تحركاتها، نتألم لخيباتها وهزائمها ، نفرح لانتصاراتها، نصغي الى ندائها الداخلي، كشفتْ لنا بوضوح الابعاد الخفية للمكان والشخصيات التي تتحرك فيه، كان يرسم بريشته الدقيقة وبمهارة عالية أحداث روايته من خلال السرد التقليدي تارة، واستخدام البلاغيات في التصوير أخرى، الأمر الذي أدخل لغة الرواية الى فضاء الشعر: (أبعدت قراصة شعرها ووضعتها على قاعدة المرآة ثم نثرت الشعر على كتفيْها.. الخ ص18) بهذا الوصف قدم لنا الكاتب لوحة ناطقة متحركة للشخصية التي اعتمدها كمحرك لدفع الأحداث وفق معمارية رصينة: (كانت احدى الغرف واسعة بحيث رسمت المرأة.. الخ ص 25) هذا الوصف المكاني وصل الينا عبر صورة فوتوغرافية متحركة خلقتها اللغة القادرة على تلوين المشهد بعيدا عن الوصف بالحوار التقليدي الذي يستعين به الروائي للتخلص من حالات الركود ولخلق خطافات التشويق، لقد أدى الوصف دوره الفعال في بناء الرواية وتماسك عناصرها، وخلق عاملا مضافا على طريق شحن النص بروافد الامتاع والدهشة والجمال.

بناء الحدث في الرواية اعتمد على دور البطل الواحد (حمامة) رغم وجود الكثير من الابطال الفاعلين والهامشيين، ورغم ان أبطالا يتأرجحون بين الظهور والاختفاء في بوصلة سير الاحداث: (حزين، الرسام، المختار، الأستاذ شاكر، عبد الجبار، العم أمين، العمة مريم.. الخ) الى أن الدفع الحقيقي لمجمل الاحداث والوصول بها الى مراكز التنبيه كان بفعل (حمامة) وقد نجح الروائي الشهيد في رفع الاحداث باستخدامه خلفيات للعرض تكون مفاصل أو (كومبارس) من أجل الاهتمام بحبكة الرواية، أو اتقانه للعبة النشوء والارتقاء ، كما حصل في مشهد: (كان جمع من فتيات مراهقات يلبسن البنطلونات الجينز والقمصان المشجرة. ص 9) (تغدق على أطفال الزقاق ما تأتي به من حلوى تبتاعها عند التسوق ص 12) (كان حضر كقريب للعريس وصديق للجمع الذي تولى مهمة اعداد مراسيم الحفل ص 62).

أحداث الرواية تعتمد الابعاد الواقعية للمكان (السماوة / البصرة) ولا أريد هنا أن أدفع بمفهوم المكان الى جذوره الفلسفية ، فأكون عن قصد قد أسأتُ الى الفضاء الروائي العام، ودفعتُ بالنص الى غير مساره الطبيعي، فالمكان الروائي هنا المكان الذي يحمل بعده الجغرافي وقد رسمه الروائي عبر تقنيات واضحة، ومن أصعب الأمور تفسير الواضح: (ما الذي أتى بها الى السماوة ؟ ص19) (إنَّ البصرةَ لمدينة جميلة مبهرة .. الخ ص 20 ) (فقد رمى بها قطار السريع القادم من البصرة في منتصف الليلة الفائتة في السماوة ص 27) (هناك تلقفنا الطريق واختفى بنا شط العرب، خلفنا وراءنا الجسر العابر الى التنّومة واتجهنا صوب السياب الذي ينتظرنا ص 81)..

بين أروقة الرواية تجد الكاتب حاملا مصابيحه لينثرها على مساحة النص ، مصابيح ملونة عليها بصمة (زيد الشهيد) يريد منها أن يبعث لنا رسالة : انه شاعر قبل كل شيء.. (الشعراء يجرحون برفيف رمش ص 11) (انه يقول قصيدة، هكذا هم الشعراء، بلابل تغرد، وهكذا هي البلابل دواوين شعر صوتية ص 60) (الشعراء لا يستمتعون بالحياة الا حين يطرقون أبواب الجنون ص16).

مقالات ذات علاقة

جائزة منف تفتح أبوابها

المشرف العام

الكُتابُ بين الضميرِ والعصا والجزرة

المشرف العام

من هذه البراءة تشكّلت مواهبنا في الكتابة

حسين عبروس (الجزائر)

اترك تعليق