المقالة

ملاحظات حول ندواتنا الثقافية

من الأمور التي تبعث على البهجة، تزايد وانتشار الأنشطة الثقافية والفنية في مختلف أنحاء بلادنا في السنوات الأخيرة، سواءً تلك التي تنظمها المؤسسات الرسمية، على قلتها وضعفها بما لا يتناسب مع مؤسسة رسمية، أو تلك التي تقوم بها بعض منظمات المجتمع المدني، إضافة إلى المبادرات الفردية من أدباء وكتاب ومثقفين ونشطاء في مختلف مجالات الثقافة والفن والإبداع الذين ينظمون ندوات وحوارات وأمسيات شعرية وحفلات توقيع كتب… إلخ عبر مختلف الفضاءات الثقافية.

هذه الأنشطة لها دور حيوي في تنمية الوعي بالقضايا التي تهم الناس وتحفزهم على الإقبال على القراءة ومتابعة الأعمال الثقافية الفنية والأدبية والاهتمام بالشأن الفكري والثقافي، الأمر الذي يساهم في الارتقاء بالذائقة الجمالية للمتلقي، وتعزيز ثقافة التنوع والتعدد من خلال تعويد الجمهور على الاستماع إلى الحوارات الثقافية التي تتعدد فيها وجهات النظر، ومتابعة الجدل الخصب بين أصحاب الرؤى المختلفة.

غياب الجمهور والإعلام

ولكن هناك ملاحظات سلبية تتكرر في العديد من ندواتنا يرددها البعض، ولاحظتها أنا من خلال حضوري ومشاركتي في الندوات والمهرجانات والمؤتمرات الثقافية عبر انخراطي منذ سنوات طويلة في الحركة الثقافية في بلادنا، أحاول أن أنقل لكم بعضها وأناقشها هنا، بما يتيحه هذا الحيز المحدود، في مقدمتها الملاحظة التي يرددها الكثيرون والمتمثلة في اقتصار حضور الندوات على ذات الوجوه وغياب الجمهور عنها، وهذا صحيح.

فمازال الجمهور لليبي غائبا عن هذه الندوات والمهرجانات والمؤتمرات الثقافية، وربما يعود هذا، في جانب منه، إلى غياب الدعاية اللازمة لهذه النشاطات.

وغياب وسائل الإعلام، وخاصة القنوات التلفزية، عن متابعة وتغطية هذه الندوات، حيث يلاحظ أن هذه القنوات تكاد تنحصر اهتماماتها في الشأن السياسي، وربما بعض مواضيع الطبخ والترفيه إلخ، وتبقى المواضيع الثقافية غائبة تقريبا بشكل كامل عن برامج هذه القنوات.

والغريب في الأمر هو غياب الكثير من الأدباء والكتاب والمثقفين عن المشاركة في الندوات الأدبية والثقافية، وقد يكون أحد الأسباب في هذا هو أن الكاتب والأديب والفنان هو مواطن لديه أسرة ويصارع مثل بقية المواطنين من أجل أن يوفر لأسرته الحياة الكريمة في ظل أوضاع اقتصادية متردية وغلاء معيشة.

خاصة وأن هذه الجهات التي تنظم الندوات لا تقدم مكافآت ماليه مقابل المشاركة في إلقاء المحاضرات أو تقديم البحوث في الندوات بما في ذلك النشاطات التي تنظمها المؤسسات الحكومية فهي أيضا لا تدفع مكافآت مالية، دون أن ننسى أن بعض المثقفين تعود في سنوات سابقة على التعاون مع الدولة التي هيمنت على القطاع الثقافي لعقود طويلة من الزمن بما في ذلك الأنشطة الثقافية.

هذه الهيمنة التي تجعل هذا النوع من المثقفين يتطلعون باستمرار إلى قيام الدولة بدورها كما في السنوات السابقة: تطبع لهم كتبهم، وتمنحهم مكافآت عنها، أو تستضيفهم في مهرجاناتها وندواتها التي عادة ما يكون لبعضها مردود مادي، أو توفر لهم التذاكر والإقامة.

وقد يترتب على مشاركتهم فيها الحصول في فترة لاحقة على إيفاد إلى مهرجان أو ندوة أو معرض للكتاب في الخارج، هذا النوع من المثقفين الذي تعود على هذا النوع من “رعاية” الدولة للثقافة، يعزف عن المشاركة في نشاطات المجتمع المدني الثقافية، لأنها في نظره نشاطات بلا مردود مادي، ولا تؤدي المشاركة فيها إلى أي فائدة شخصية.

أنا لم أقرأ الكتاب ولكن…

في مقابل هذا النوع الذي يغيب عن الندوات الثقافية، هناك فئة أخرى تحضر أغلب الأنشطة و الندوات التي يمكنها الوصول إليها، بغض النظر عن إن كانت مواضيع تلك الندوات أو المحاضرات ذات أهمية خاصة بهم، أو كانت بعيدة عن اهتمامهم، تراهم يحضرون الندوة أو المحاضرة ليس لسماع ما يقوله المحاضر بل لوجود فرصة لهم لكي يدلوا بدلوهم في أي شيء يخطر ببالهم، وهم على استعداد دائم للخوض في كافة القضايا بلغة العالم الذي يفقه في كل شيء، وعندما أشاهد أمثال هؤلاء أتذكر على الفور المؤتمرات الشعبية الأساسية، التي استمرت لعقود من الزمن في بلادنا، وكانت الإذاعات المسموعة والقنوات التلفزية تنقلها على الهواء مباشرة لساعات طويلة.

وكان الليبيون إما مشاركين فيها بالحضور، أو بالمتابعة عبر التلفزيون أو الراديو، وكانت تلك المؤتمرات عبارة عن ندوات ثقافية، وحوارات طويلة حول مختلف القضايا، من الاقتصاد إلى السياسة الدولية إلى مواضيع تتعلق بالمرافق والبنية التحتية وقضايا الخدمات والبلديات والتعليم والصحة والمواصلات والزراعة والبيئة والإسكان والصناعة والحرب والسلام والقمامة إلخ والمرجح في تقديري أن هؤلاء الذين نراهم اليوم في ندواتنا الثقافية يتكلمون في كل شيء بلغة اليقين والجزم هم ضحايا لثقافة المؤتمرات الشعبية التي ترسخت في لاوعيهم وجعلتهم ينتهجون هذه السلوكيات دون أن يعوا ذلك، بما في ذلك تبني خطاب فكري أحادي يتوهم صاحبه أنه امتلك الحقيقة دون بقية البشر في الكرة الأرضية.

ولذلك كثيرا ما رأيت هذا المثقف أو ذاك الأكاديمي وهو يقول في ندوة ثقافية تناقش كتابا ما: أنا لم أقرأ الكتاب ولكن… ثم ينطلق ليتحدث عن البيئة أو الزراعة أو الإسكان أو الصناعة أو الطب البديل أو القمامة إلخ.

وكثيرا ما رأيت هذا المثقف أو ذاك الأكاديمي يخرج ليعلق على محاضرة ما، بعد أن رفع يده طالبا التعليق من مدير الجلسة، فإذا به عندما يمسك الميكرفون، يترك ما جاء في المحاضرة، ويقدم للجمهور محاضرة أخرى طويلة حول البيئة أو الإسكان أو الصناعة الطب البديل أو القمامة إلخ.

إدارة الندوات

هناك فئة أخرى نراها تتزاحم في النشاطات الثقافية وهي فئة تتسم بضعف مواهبها وتواضع قدراتها الثقافية، ولكنها تعتمد على العلاقات العامة، وعلى المجاملات الشخصية، مدفوعة بالرغبة الذاتية في الظهور الإعلامي والترويج والتسويق لنفسها، وعادة ما تتسم مساهمات هؤلاء بالتناول السطحي للقضايا ولغة إنشائية لا تقول شيئا.

وتراهم يطلقون الآراء جزافا، دون أسانيد أو براهين أو حجج أو شواهد تؤكد صحة تلك الآراء، معتمدين فيما يبدو على أن لا أحد يتضايق من التهليل والمديح الذي يطفح به خطابهم، حتى لو كان كاذبا مزيفا، إضافة إلى ضعف القدرة على التمييز عند القائمين على الأنشطة الثقافية بين المساهمات الجادة المسؤولة والمساهمة السطحية والنصوص الهشة.

أيضا تقع كثير من الندوات في تكرار المواضيع والعناوين، فما أكثر الندوات التي كان من بين عناوينها: واقع وآفاق، أو بين الواقع والطموح، أو بين الواقع والمأمول، أو بين الماضي والحاضر، أو ثقافتنا إلى أين، أو مجتمعنا إلى أين، أو أمتنا العربية إلى أين، إلخ.

وأحيانا تجد الباحث الذي جئت لتستمع إلى بحثه أو محاضرته يبدأ مساهمته بالقول: هذه ورقة كتبتها على عجل نظرا إلى إلخ، رغم أن القائمين على الندوة وجهوا له الدعوة للمشاركة فيها منذ عدة أشهر إلا أنه تعود على أن يكتب على عجل!!!

ومن عيوب الندوات والأنشطة الثقافية عدم احترام الوقت، حيث لا تبدأ أغلب الأنشطة الثقافية في مواعيدها التي أعلنت عنها.

وعادة لا يلتزم المشاركون في الندوة بالوقت المحدد لهم الذي أبلغوا به من قبل مدير الندوة، كذلك الأمر بالنسبة للمعقبين، فكل من يمسك الميكرفون يرفض التخلي عنه، تماما مثل الجالسين على كراسي السلطة الذين ننتقدهم في ندواتنا بأنهم يرفضون التخلي عن كراسيهم فيما نرفض نحن التخلي عن الميكرفون إذا أمسكناه!!

من المسؤول

هذه بعض العينات من السلبيات التي ظلت تصاحب الأنشطة الثقافية في بلادنا، وهي سلبيات موجودة تقريبا في الكثير من الأنشطة الثقافية التي تقام في مختلف أنحاء البلاد العربية. المسؤول عن هذه السلبيات في تقديري هم القائمون على إدارة الأنشطة الثقافية في بلادنا، فبعضهم لا يمتلك القدرة والكفاءة اللازمة لإدارة وتنظيم مثل هذه الأنشطة، والبعض الآخر يرضخون للمجاملات أو للعلاقات الشخصية.

ولا يدرك هؤلاء وأولئك أن التهاون في تطبيق المعايير والضوابط اللازمة لمثل هذه الأنشطة يساهم في إفقاد هذه الأنشطة قيمتها وأهميتها، بل لا أجدني مبالغا إذا قلت إنه يساهم في تخريب المشهد الثقافي بمثل تلك الأنشطة الضعيفة التي نرى أصحابها يروجون للوهم وهم ينشرون صورهم في تلك الندوات والمحاضرات التي يحضرها الجمهور دون أن يستفيد شيئا من تلك المشاركات السطحية التي تعزز الصورة السلبية النمطية لدى الجمهور عن حال ندواتنا الثقافية فيبتعدون عنها.\

ثم نجد أنفسنا بعد ذلك نتساءل عن غياب الجمهور عن ندواتنا وأنشطتنا الثقافية التي لم نحرص على الارتقاء بها والرفع من قدرات القائمين عليها والابتعاد عن المجاملات الشخصية المفسدة والمخربة للثقافة.

ما هو الحل؟

الحل في تقديري يكمن في أيدي القائمين على النشاطات الثقافية بشكل عام، بعضهم يحتاج إلى دورات تأهيل في إدارة الأنشطة الثقافية للرفع من قدراتهم في هذا المجال، والبعض الآخر الذي يمتلك الكفاءة لكنه يتهاون في تطبيق الضوابط اللازمة لإدارة هذه الأنشطة، إما رضوخا للمجاملة والعلاقة الشخصية، أو نتيجة اللامبالاة بأهمية تلك الضوابط يحتاج إلى تذكيره بأن التهاون في هذه الأنشطة قد يفسدها تماما.

فمن المهم مراعاة الضوابط المتعارف عليها لتكون المحاضرات والمؤتمرات والندوات ثقافية بالفعل، تحترم جمهورها ومتتبعيها، وتجتذبهم إليها لما تقدمه لهم من فائدة ومتعة حقيقية، هي متعة الفكر والثقافة والفن والإبداع الحقيقي الذي يثري الوجدان ويرتقي بالعقول، ويساهم في النهوض بالوطن.

مقالات ذات علاقة

الطلاب يستعيدون دورهم المفقود

عمر الكدي

يحدث في ليبيا فقط وحصري

خالد الجربوعي

عام «الولايا» (قصة مدينة)

عزة المقهور

اترك تعليق