المقالة

من غرائب جنوب ليبيا (كاف الجنون) (1)

الدكتور عبدالعزيز الصويعي

من غرائب جنوب ليبيا (كاف الجنون) (الصورة: الدكتور عبدالعزيز الصويعي)
من غرائب جنوب ليبيا (كاف الجنون) (الصورة: الدكتور عبدالعزيز الصويعي)

التوارق هم: الأصالة، الشهامة، الكرم، الصدق، سموّ الأخلاق وعلوّ الهمة..

ذات ليلة صائفة كنا في ضيافة الأفندي “محمّد القطّاوي” (رحمه الله) مدير مشروع “تهالة”، وهو مشروع زراعي واعد يبعد عن “كاف الجنون” حوالي 1500 متر، على الطريق المؤدية من “العوينات” إلى “غات”.

كنتُ توّاقاً لمعرفة أسرار هذا “الكاف” الذي تسكنه “الجنون”.. سمعتُ عنه قصةً من صديق والدي “الشيخ محمّد عويدات” رحمهما الله، وبقيتْ قصتُه راسخةً في ذاكرتي منذ ذاك الزمن إلى آن أوان التحقق منها من أفواه سكّان المكان وجيران “الجنون”.

مررنا بقلعة “العوينات” التاريخية، ومن هنا بدأت الأسرار: شجرةٌ ضخمةٌ فريدة من نوعها، مشوّكة الأغصان، عمرها يُقدّر بمئات السنين، نُسجت حولها حكاياتٌ غريبة، يُقال أنها نبتت لوحدها في مكان كان يتوضأ فيه أحدُ الصالحين (أعتقد أن إسمه “بالحسن”). فهي تؤذي من يؤذيها أو يشكك في بركتها، وفي المقابل فهي تجود بثمر يشبه الخروب فيه علاج لعدة أمراض، إحتفظتُ ببعض منه ولكنني لم أجربه.

عشيتها، قادتنا الطريق إلى “كاف الجنون”.. ومن بعيد هالني منظرُه، فهو ينتصب منفرداً بعيداً عن جبال “أكاكوس” ولا يشبهها، بل يبدو وكأنه أطلالُ مدينة إسلامية مهجورة منحوتة في الصخر، أو ربما كنتُ متأثراً بما تحمله حافظتي من أفكار حوله فتخيلتُه هكذا.. وبما أن الوقتَ لا يزال نهاراً، وسكان “الكاف” لا ينشطون إلاّ بعد غروب الشمس، إقتربتُ منه وتتبعتُ المسارب السهلة على الهضبة المؤدية إليه إلى أن توقفتُ عند جدار صخري هش لا يتيح التسلق بأي حال.. وبالمناسبة، كان يرافقنا إعلاميٌّ من “غات” رفض الاقتراب من “الكاف”، فالسكان هنا يهابونه، فبقي يراقبني عن بعد.

من غرائب جنوب ليبيا (كاف الجنون) (الصورة: الدكتور عبدالعزيز الصويعي)
من غرائب جنوب ليبيا (كاف الجنون) (الصورة: الدكتور عبدالعزيز الصويعي)

في الليل، دخلنا إلى مطعم المشروع وتناولنا وجبة عشاء دسمة من لحم الخروف الطازج، ثم هيأ لنا المرحوم “محمّد القطاوي” جلسةً خارجيةً على أرائك أنيقة بعد أن قام معاونوه برش المكان بالمبيد الحشري للتخلص من هجمات “الناموس” المؤذي.. كان حديث السهرة متنوعاً، أما أنا فكنتُ في كل مرة أعرّج على “كاف الجنون” ولا أنتبه لحديث غيره ولا أشارك فيه.. ولكن يبدو أن “الأفندي محمّد” غير مهتم بما أريد سماعه، فهو أصيل مدينة “قَطَّة” بمنطقة “الشاطئ” ويعتبر ضيفاً على أهل “وادي الأجال”، وصرّح لي أنه لا يصدق كلَّ ما يقال حول “كاف الجنون”، وذكر أنه حلّق بطائرة مروحية فوق “الكاف” فوجده عبارة عن فوهة بركان قديم ألقى بحممه ومقذوفاته ليشكل هذا الجبل الغريب.. رويتُ له قصةَ “الشيخ محمّد عويدات” صديق والدي، ومفادها أن أحدّهم مرَّ بـ”الكاف” ليلاً فوجد أناساً يحتفلون بمناسبة عرس، يغنون ويرقصون، فرحبوا به وقدموا له أصنافاً من الطعام، وعلى عادة التوارق قام الضيف بمنح فِرق المغنين والراقصين أموالاً فيما يُعرف بـ(الرمو)، وفي نهاية السهرة طرحوا له فراشاً وغطاءً ووسادة وثيرة، ونام نوماً عميقاً هادئاً ومريحاً، وفي الصباح استيقظ ليجد نفسه ملقى على الصخر بلا فراش ولا غطاء ودراهمه التي تبرع بها موضوعةً بعناية عند رأسه.. فضحك “الأفندي محمّد” طويلاً قبل أن يعتدل في جلسته، ثم قال لي: “نعم، إنها  من القصص المتواترة هنا.. وإذا أردت المزيد من القصص التي عشتها شخصياً فسأرويها لك رغم عدم قناعتي بصدقها”.. وانبرى “الأفندي محمّد” يروي القصة تلوى الأخرى (في الحلقة القادمة نكتشف أسرار تلك القصص).

مقالات ذات علاقة

من اليمين إلى الشمال في كل اتجاه

المشرف العام

السياسة فن الممكن

تهاني دربي

من خفيف الكلام .. الزمن والزمان

يوسف الشريف

اترك تعليق