دراسات

المفكرة التاريخية: تأملات حول الولاء والهوية فكرا ومنهجا (5)

من أعمال التشكيلية شفاء سالم

أزمة الهوية في ليبيا

اشكاليات كثيرة تعترض سؤال من نحن؟  في تداخل وارتباك في الهوية، هناك قلق أثبات الهوية، هناك اشكالية تفسخ وتأكل الهوية نتيجة الصراع هويات فرعية وهويات اصلية وفرض هوية القادم او الفرعي عن الاصيل. علي سبيل المثال لا الحصر في انسلاخ الباكستان عن الهند -انسلاخ ايران الاسلامية عن الفارسية.

• تعرض الشعب الليبي في اثبات هويته لعده هزات اولها :  الوافدون علي هذا الوطن  سواء كانوا غزاه او مسالمين  حاولوا  تفتيت الهوية بقصد او بدون قصد بفرض  نفسه علي المكون الموجود  فمعظمهم   حاولوا التعايش والتزاوج .واخرها المستعمر الايطالي الذي حاول   سلب الهوية بفرض نمطه في الحياة والعمران  واللغة فأصيبوا بصدمة عميقة زلزلت كيانهم ومزّقت الوطن لفترة طويلة ،ثانيا الانتداب البريطاني ،ثالثا الانقلاب العسكري  الذي فرض نموذجا لفكر مضطرب  بين المناداة بالقومية العربية تارة وبين مناصرة حركات التمرد في البلدان الافريقية وبين ارساء نظرية جديدة تنادي بحكم عسكري دكتاتوري استمر  فترة طويلة  .

• يعد هذا التحول من الدولة الدكتاتورية إلى دولة الديمقراطية أصعب هزة، فقد جاءت ثورة 17 فبراير كنقطة تحول تاريخي فرضت هذا السؤال من نحن؟

فقد سعي كل الليبيون بشكل فعلي حقيقي لتكوين رؤية عامة لتحديد هوية واضحة المعالم؟، هل نحن ننتمي إلى: امة الاســـلام؟ أم الامة العربية؟ أم الامة الليبية بمكوناتها المتعددة؟

• ما بعد الثورة بات موضوع الهوية واحداً من الموضوعات الأساسية التي تتصدر النقاشات الفكرية في  مؤسسات المجتمع المدني للمكونات العرقية، فالهوية في رأي باحثين ومفكرين تلك المكونات  آلية دفاعية متينة تحمي أنفسهم ومكونهم  الثقافي ، وخشية من هيمنة الثقافة الواحدة .فموضوع الهوية تأكيداً أو نفياً أخذ في التزايد مع تزايد التحديات التي ظروف المعيشة  وظروف  الفوضى السياسية .لم يعد سؤال الهوية تأكيداً مطلقاً لها في مواجهة العدو الخارجي أو هيمنة مكون عن الاخر  ، بل غدا بعد ثورات الربيع العربي  سؤالاً تشكيكياً للهوية نفسها هل عرب هل امازيغ هل اصليين او وافدين   ووضع  المكونات الاخرى في موضع الاتهام .

لم يكن السؤال في هذه الظروف يحتمل سوى إجابة واحدة هي: التأكيد على الهوية العربية ولا سيما في مضامينها القومية والدينية جملة وتفصيلاً.

• فالهوية الليبية هي هوية مركبه من عدة عناصر ومكونات مترابطة برابط النسب والجيرة والانتماء للوطن والاهم انتماؤها الى امة العروبة والاسلام هذا لا ينفي انتمائنا كأمة وطنية. فلا تناقض بين ان تكون الانسان (ليبي وعربي ومسلم) مع انتماءه لمذهب ديني (سني أو مالكي أو اباضي أو سلفي) في نفس الوقت! . فعناصر الهوية القومية هي (الارض الثقافة المتجذرة في التاريخ الاختيارية والغير اختيارية -الاعتزاز الحضاري -الدين الرموز.

• لمن الأولوية والأسبقية في مكونات هويتنا ودوائر انتمائنا؟

 لكن هناك أولويات اننا امة وطنية بالمفهوم الوطني والسياسي الحديث. فانتماؤنا اولا الى الوطن الذي يشكل الدولة الليبية اطارها السياسي وحدودها الجغرافية. دولة وطنية جامعة وانتمائنا للامة الليبية كأمة وطنية لا يعني انقطاع صلتنا بالقومية العربية والاسلامية والافريقية.

فالهوية لم تكن في السابق مسألة جدلية ففي العهود الاولي تصدرت المواطنة كمفهوم شامل فلم يمس أي من العهود التاريخية التي مرت علي ليبيا بالهوية بل ركزوا في جني الضرائب ولم يفرضوا بالقوة اللغة. وتعتبر فترة الاسرة القرمانلية هي اول محاولة لتحديد شكل الدولة الليبية علي غرار ما فعله محمد علي بمصر.  ففي العهد الايطالي خاضع معركته الضارية من اجل اثبات حقهم في المواطنة علي ارضهم الذي اكدها الدستور الايطالي الذي صدر لتنظيم الاحوال بليبيا عام 1919م في مادتين مهمتين هما الدين واللغة.

• فالليبيون امة وطنية من دون كافة البشر، وليبيا هي ارض كل الليبيين سواء أعربا كانوا ام امازيغ ام تبو أو طوارق فهي ارض هؤلاء فقط، ليبيا دولة لها سيادتها باعتراف الأمم الوطنية المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية عندما نالت استقلالها عام 1953م.

• ليبيا في زمن لا دولة قد تؤثر بعض الايديولوجيات السياسية والعرقية والدينية في مجريات الامور وفي صنع القرار. قد تؤثر في استقرار البلاد بترجيح الكفة لأصحاب أيديولوجيا عن الأخرى. كما حدث في الانتخابات السابقة في سيطرة الجهوية القبلية على الانتماء الوطني وقد يسيطر الاتجاه العرقي، او الاتجاه الديني.

الا ان الاعلان الدستوري جاء معترفا بمكونات المجتمع الليبي وهو سند تاريخي، فأول درس تعلمناه أن هذا الوطن تكون وفق معايير تاريخية متنوعة داخل وعاء الثقافة المتراكبة والمتفاعلة والمتطورة عبر الزمن. وبالرغم من هذا الاعتراف الرسمي المعلن في الاعلان الدستوري الايجابي في العموم الا أنه حمل في طياته بعض السلبيات الذي عمل البعض علي استغلالها مثلا مطالبة التبو في اضافة مادة في الدستور جعل كوتا لهم في كل المجالس البلدية وان كانت نسبتهم في المنطقة لا تتجاوز 80 الف، ومطالبة الامازيغ عدم كتابة عبارة ليبيا جزءا من الوطن العربي، ومن السلبيات ايضا وهي فرض المحاصصة المقيتة واشراكهم في العملية السياسية وفق الاقاليم الثلاث فشكلت عبأ عن الدولة.

وهنا لابد من ايجاد نقطة مهمة يجتمع عليها الكل للعلاقة التقابلية بين هذه المكونات لخلق التوزان.

14 أكتوبر 2022

مقالات ذات علاقة

المفكرة التاريخية: تأملات حول الولاء والهوية فكرا ومنهجا (4)

مفيدة محمد جبران

ليبيا واسعة – 11 (غشيم)

عبدالرحمن جماعة

مفردات سريانية في العاميّة الليبية (5/ 8)

عبدالمنعم المحجوب

اترك تعليق