قراءات

ابلاد وعاصمتها اطرابلس

مدينة طرابلس
مدينة طرابلس (الصورة عن الشبكة).

سأقارب النص الروائي الحائز على جائزة البوكر العربية – خبز على طاولة الخال ميلاد – متكئاً على اعتقادي بان النص الأدبي لا يخرج عن كونه وليد شرعي للظرف المكاني الزماني الذي جاء فيه. وما يكتنف هذا المكان الزماني من صروف حياتية ستترك بلا ريب بصماتها على صياغة ومحتوى النص الأدبي. سواء كان نثرا أو نظما. بل ستتولى صياغته بمفردات اجتماعية ثقافيه نفسية. هي في مجملها نتاج طبيعي للبيئة الاجتماعية الثقافية النفسية للركح المكاني التي تتحرك من فوقه شخوص النص الروائي.

فرواية – خبز على طاولة الخال ميلاد – كانت تنّظر او نَظَرت إلى كل ما خطته وجاء ككم ومجموع من الأحداث ترّسمه ورسمته شخوص الرواية على الخريطة الاجتماعية الثقافية النفسية. التي تتنقل داخل إطارها. نظرت الى كل هذا من خلال الضرف المكاني الزماني الذي كان مسرح للأحداث والشخوص الرواية. وما يكتنف هذا المكان من ضرف استثنائي خطه او خطته في حالتنا هذه احداث انتفاضة 2011 م. فالأحداث سوى كانت سلبا او ايجابا التي شكلت بمفرداتها مسيرة انتفاضة 2011 م. بليبيا. كانت هي الممر الذي عبرته الصور والتراكيب اللغوية والشخوص والاماكن الخ. قبل ان يتجسد كل هذا الشيء في محتوى ادبى ضمّه متن رواية خبز على طاولة الخال ميلاد. حتى وان لم تأتى الرواية على ذكر الانتفاضة تلميحا او تصريحا.

ومن هنا. فشخصية ميلاد المحورية وتوابعها بداخل الرواية. شكلتها وبلورتها طريقة (ميلاد) في مٌشاغلته واشتباكه مع كل ما يكتنف فضائه الاجتماعي من صروف حياتية استثنائية. حاولت الرواية ان تقول. بأن نهج ميلاد في تفاعله مع الحياة. قد أظهره على هذا النحو. لأن البيئة الاجتماعية الثقافية النفسية التي شكلته. لا تستطيع باستنادها على المرجعيات الاجتماعية الثقافية النفسية السائدة في جغرافيته. ان تنتج غير هذه السمات التي شكلت شخصية الخال ميلاد. وبما أن الفضاء الروائي الذي اختارته الرواية كمسرح لأحداثها كان محصور بمدينة طرابلس وضاحيتها اللصيقة. فالشخصية المحورية بالرواية. كانت وبحكم الواقع ليست غير تشريح للشخصية الطرابلسية وسيماتها. وبمختصر القول بان (ميلاد) هو مرادف للطرابلسي وليس مرادفا لمسمى الليبي. لأنني أعرف بعض الفضاءات الاجتماعية تعرضت لما تعرضت له طرابلس، وكانت لا تملك كتله بشرية هائلة تُعد بالمليين كطرابلس ولا ذات المقدرات الأخرى الداعمة. بل لا تتخطى كتلتها البشرية القليل من الألوف. قد كانت في مواقفها من الأحداث مختلفة على النقيض من طرابلس.

وعلى قاعدة الشيء بالشيء يذكر. لقد قرأت لأحد الكتاب أو المترجمين. يتحدث عن كِتاب لكاتبة أو باحثه أمريكية. تتناول فيه مُقاربة لما أسماه (التربولينى) أي الطرابلسي أي الشخصية الطرابلسية في وجهيها المذكر والمؤنث. فهو لم يخرج فيما قاله.  عن الخطوطه العريضة عما طرحته سلفا. بل زادة الباحثة على ذلك بأن كلمة الوطن لا وجود لها في القاموس الطرابلسي الثقافي. وكأن الكِتاب يحاول القول لا يجب اتمان الطرابلسي على شيء لا يضمّه قاموسه الثقافي. فهل واقع الحال يؤكد ذلك؟

امّا عن المفردات التي غطت الفضاء اللغوي للرواية. والتي كان يرى فيها البعض. بأنها قد جاءت صادمة وخادشه للحياء. وكأن هؤلاء يحاولون القول وبوجه من الوجوه بأن هذه الصياغات غير مقبولة. فكل ما جاء محملا في تلابيب المفردات. ومهما كان وقعه صادم للبعض. فهو جاء ممتل طبيعي لمخرجات البيئة الاجتماعية الثقافية النفسية. التي يعالجها او يتناولها مضمون الرواية.

كانت الرواية في مضمونها تجتهد وتحفر للوصول ضمنيا. الى تحوير المثل الشعبي الليبي (عيلة اُو خالها ميلاد) أو تطويره بصيغة أوسع على نحو (ابلاد وعاصمتها اطرابلس). او هكذا بدأ لي. هذا المثل العتيد التي اتكأة على تفكيكه الرواية. للوصول بهذا المنتج الأدبي الى هذا المستوى الإبداعي. الذي اهلها لاختطاف البوكر من بين أيادي روايات اخر.       

مقالات ذات علاقة

سراب الليل، العلكة، التي تتأبّي علي الفهم

حواء القمودي

صراخ الطابق السفلي… تفتح باب الماضي على مصراعيه

ليلى المغربي

قراءة فى قصة الهاوية للكاتب: الصديق بودوارة

المشرف العام

اترك تعليق