قراءات

رواية “زرايب العبيد” للكاتبة “نجوى بن شتوان”

الزهراء البُقار

غلاف رواية (زرايب العبيد) للكاتبة “نجوى بن شتوان”

هل امتزجت الألوان تعبيرًا عن لون الحياة؟، قوافل من (العبيد) مكبّلون بمصائر مجهولة، يعبرون الصحراء مرغمون تحت سياط حرّها، حاصدون أشواكها بأقدامهم الحافية، وقبل الوصول إلى جنة الشمال يقطع أنفاسهم جحيم الظمأ!


الواصلون يعرضون في أسواق العبيد كاتمين بكاءهم الحذر، حيث الأطفال، والنساء، والرجال السود، ينتظرون مصيرهم تحت وطأة الذهب والمال، إمّا كخدم أو كخليلات في قصور أسيادهم البيض، فالحياة إمّا أبيض أو أسود!

في رواية “زرايب العبيد” تكشف الكاتبة “نجوى بن شتوان” المستور تحت جرد (رداء) الرّجولة والنّخوة في فترة نهاية الاحتلال العثماني لليبيا، ففي روايتها “زرايب العبيد” تقلّب التّاريخ بحثًا عن أسرار مخبأة في زمن القاع المظلم، فتظهر تلك الزرايب واضحة للقلوب المرهفة على شاطئ مدينة بنغازي، تبدأ الكاتبة المشهد الأول بالحديث عن رجلٍ مسنٍّ يحمل شهادة إثبات نسب، ويبحث عن (عتيقة) ابنة خاله (محمد) من العبدة (تعويضة)، بعد زمنٍ عصفت فيه رياح التّغيير نازعة كل ما حولها إلا من ركام الألم والأسى الذي أقيم في أعماق الأم، وورثته الابنة من بعدها.


قدّمت الكاتبة الحاضر على الماضي في روايتها، ففي الجزء الأول من الرواية تحكي (عتيقة) عن وجع الذكريات، كلما آلمتها عصا الذّكرى عن حياة الزرايب من نافذة الحرّيّة، تسير (عتيقة) الطفلة ويديها في يد عمّتها (صبرية) مربّيتها قبل أن تكشف حقيقة هذه العمّة، تقول بنظرة محدودة عن الحياة: “لم يعِ عقلي سوى أنّ الأحرار هم ذوو البشرة البيضاء، أناس ليسوا مثلنا في كل شيء، لا يشبهوننا حتى وهم يشبهوننا، إنني لا أحقد على تميّزهم عنّا في اللون والمأكل والملبس والمسكن والرزق وكل حظوظ الحياة، بل إنّ إعجابي بنظافة ثيابهم ودورهم وصدقاتهم التي يمنحوننا إياها يجعلني أفرغ نفسي للإعجاب والامتثال بهم واتّباع سننهم في العيش. لست أدري لم هم السادة ونحن الخدم، لم هم الأرفع درجة ونحن الأدنى بدرجات؟”


نقلت الكاتبة المشاهد كما هي بوصف دقيق فلا تحتاج إلى المبالغة حتى تهيج عاطفة القارئ، أكواخ من (الزينقو) مؤثّثة من بقايا البيض الأحرار، وداخلها ذباب، وقمل، وحياة تطلب من الصغير قبل الكبير غربلة رمال البحر، وجرّ المياه لمسافات طويلة؛ لطلب الرزق والعيش على هامشها، أمّا الماضي فتحكيه الكاتبة عن حياة العبدة (تعويضة) في بيت السيد (إمحمد بن شتوان)، حيث نشأت علاقة محرّمة بين العبدة، وابن العائلة الأكبر، وأبو البنات ” محمد بن شتوان”، وعلى الرغم من صدق القلوب، والحبّ السّامي، الذي نشأ بينهما إلّا أنّ (تعويضة) دفعت ضريبة كبيرة؛ نتيجة هذه العلاقة في مجتمع ينص على عادات وتقاليد ظالمة، ويحكمه سيّد العائلة ويقاضيه.


يظهر الوجه الآخر لمعنى الإنسانية في الكثير من الأحداث المبكية التي عاشتها (تعويضة)، تلخّصها الكاتبة في حياة العبد حين يتطاول على سيده، فتعرّف القارئ بالقساة قلوبهم، في حمام النساء تتخلص النسوة الأحرار من أي نسل أسود يسبب عارًا للعائلة، في عملية إجهاض جماعية لخليلات أزواجهن وأبنائهن؛ حتى تستلم القطط الأرواح الصغيرة كوجبة دسمة، وتخفي بقايا الدماء!


وفي مشهد وحشيّ آخر يسببه (الحاج إمحمد بن شتوان)، تسجن (تعويضة) وابنها في الحمّام، وتعلّق حتى يموت الطفل جوعًا؛ لأنّ (القطط أكلت اللحم) في غفلة منها قبل أن تعلّقها في سقيفة المنزل، و بسبب طيش قلبها، تخبّأ (تعويضة) في بيت العاهرات ذلًّا، وتعرض في سوق العبيد وتباع مكرًا، وفي ملاذ الزرايب الآمنة يأتي الطاعون، وتقرر السلطات حرق الزرايب، وقبل أن تنقذ (صبرية العمّة) أو (تعويضة الأم) فيما بعد وثيقة نسب ابنتها، تلتهم النار جسدها، وتعيش (عتيقة) في الرّماد.
الكثير من الأغاني الشعبية، استعادت الكاتبة فيها مصدرها للعبيد، فربطت بين كلّ أغنية بموقف ما، بتطابق لا يميّز بين الحقيقة، وخيال الكاتبة فيه،” قلما فكر أحد أن عين العبد تدمع و تحمر رغبةً في البكاء كأي إنسان و ليس كردة فعل على اختبار نقاء الزنوجة. الدمعة هي ما لا يمكن فصله، لكن أحداً لا يكترث بها من عبد.
دمعك غير زايد..ما يقضي فوايد..لا حاجة يدير
اصبر عالشدايد..هكي الله رايد..ما تعلم بغيب.
دمعك ما يفيدك..مش بيدي وبيدك..نرضو بالنصيب
اللي موش بيدك..اصبر لو تكيدك..فرج ربي قريب.
قريباً من بازار العبيد، و أمام أحد الحوانيت اقتعدت الأرض عجوز سوداء تغربل الشعير، غطى وجهها الغبار كاملاً، عدا بعض الدروب الصغيرة فيه.
غنت تلك الأغنية.”


بين الحرية والاستعباد أشارت الكاتبة في الرواية إلى الكثير من العادات المسكوت عنها، والتي تحتاج إلى التعمّق فيها، والغوص، فالواقع مؤسف، ومدهش، يجعل الإنسان ينتقل بين الفقر، والتخلف، والظلم، والعار.
أحداث الرواية لا يفصلنا عنها وقت طويل، رغم تحرّر الإنسان الأسود بعد دخول الاحتلال الإيطالي لليبيا، فهل تبدّل الحال كليًّا؟ وهل امتزجت الألوان تعبيرًا عن لون الحياة؟!

مقالات ذات علاقة

صُراخُ الطابقِ السُفْـليِ .. بعضُ تاريخِنَا المؤلِم

يونس شعبان الفنادي

غربة الشاعر

ناصر سالم المقرحي

محي الدين محجوب… المُجدِّد

المشرف العام

اترك تعليق