المقالة

الحقيقةُ البلاغيةُ والخِلافُ اللفظي

الدكتور عبدالحميد الهرامة صحبة الكاتب يونس الفنادي
الدكتور عبدالحميد الهرامة صحبة الكاتب يونس الفنادي

هذا عنوان المحاضرة التي تشرفتُ بحضورها صباح اليوم الخميس الموافق 14 أكتوبر 2021م بمقر مجمع اللغة العربية بمدينة طرابلس تلبيةً للدعوة الكريمة من فضيلة الأستاذ المحاضر الدكتور العلامة/ عبدالحميد عبدالله الهرامة. ومنذ الإعلان عن هذه المحاضرة شدَّني عنوانها الذي حسبته يشمل الجانبين اللغوي التخصصي والثقافي المعرفي، ظناً مني، أنَّ المقصود به إمَّا أن يكون الإشارة إلى (الاختلاف اللفظي) أو الخلاف (الدلالي) الخاص بأوجه (المعنى) للمفردة اللغوية وتعدد تأويلاته وتفسيراته المتباينة.

ولكن رغم غوصه في تفاصيل لغوية تخصصية وإحالات متعددة فقد أمتعنا المحاضر بعرضه الشيق المدعومِ بأسئلةٍ فنيةٍ عميقةٍ استهلها باستفهامه الأول (ماذا نريد من الألفاظ؟) ثم عبر عناوينه الفرعية التي قسّم بها المحاضرة أبحر بنا إلى  ابتكاره مصطلحاً لغوياً جديداً يختص بتصنيف مفردة الحقيقة بين (الحقيقة البلاغية) و(الحقيقة الخبرية) مشيراً إلى أن (الحقيقة البلاغية) لم تحظى بما ناله المجاز في كتب البلاغة وإصداراتها من عناية واهتمام. وقد أوضح أن الإشكالية عند المفسرين تكمن في عدم القبول بالمجاز وإنكاره حين التعرض إلى وروده ضمن آيات الذكر الحكيم أثناء التفسير القرآني.

وقد استدل المحاضر بما تناوله اللغويون والشرّاح وركز على ما أورده (البطليوسي) و(ابن عبد البر الأندلسي) على وجه الخصوص، وضرب أمثلة عن تفسير مفردة الإستواء الواردة في الآية الكريمة (على العرش استوى) فأوضح بأن الحقيقة البلاغية ظاهرة بيّنة وهي الإستواء، أما كيفيته وشكل هذا الاستواء فهو حقيقة مجهولة غير معروفة مع إيماننا المطلق بها. ثم طرح سؤاله البالغ الأهمية (هل المجاز بدعة؟) وتناول تحفظ بعض المفسرين على وجود المجاز في القرآن الكريم وإنكاره من أمثال داوود الظاهري وابن عبدالبر الأندلسي وغيرهما، مذكراً بمحاضرة للشيخ المغربي سعيد الكملي حول عقيدة الفريقين المتخالفين حول هذا المذهب اللغوي.

محاضرة الدكتور عبدالحميد الهرامة (الحقيقةُ البلاغيةُ والخِلافُ اللفظي) كانت رحلة مع اللغة العربية، والنص البلاغي القرآني، وفلسفة التأمل والتدبر البعيد والقريب في اللفظ بين الحقيقة والمجاز. وكنتُ أود أن أطرح تساؤلات عديدة حول هذا الموضوع للأستاذ المحاضر الفاضل لعل أبرزها: هل تستقيم اللغةُ دون المجاز، الذي هو ركن بلاغي راسخ في عناصر تكوينها؟ ومن ثم هل تستطيع اللغة كأداة تواصل أن توطن رسالتها دون بلاغة ومحسناتها البديعية كافةً؟

أعتقدُ أن إنكار المجاز سواء عند تفسير النص القرآني أو تحليل العمل الأدبي والبلاغي عامةً هو دك إسفين في جدار اللغة العربية المتين بغية تصديعه أو هدم هيكله الإنشائي وبنيانه المتماسك، لأنه طالما أن المعنى اللغوي لا يستقيم ما لم تستقم اللغة، فإن استقامة اللغة -هنا- ليست من ناحية استجابتها الكاملة للضوابط النحوية والاشتراطات الصرفية فحسب، بل حتى بزخرفتها وبلاغتها وجمالياتها الفنية التي تمكنها من أداء دورها بفاعلية كاملة. مع التأكيد بأن اللغة كانت هي الإعجاز الرباني الذي تحدى به المولى سبحانه وتعالى معارضي الديانة الإسلامية من الكفار وغيرهم منذ انبلاج أنوار الوحي الإلهي بالكلمة المبتدأ (إقرأ).

طالع: مجمع اللغة العربية ينظم محاضرة عن الحقيقة البلاغية والخلاف اللفظي

أما السؤال الآخر الذي راودني طوال المحاضرة فهو: هل يقتصر فريق إنكار المجاز على المفسرين من ذوي التوجه الإسلامي تحديداً، أم أن اللغويين هم الذين يثيرون هذه الإشكالية الفنية الدقيقة لمحاولة إحداث تصادم بين اللغة العربية مع العقيدة الإسلامية؟ ففي تصوري المتواضع أن إنكار الإسلاميين قد (وأقول قد) نجد له ما يبرره من الناحية العقائدية الفكرية المتزمتة والمنغلقة أحياناً، ولكن اللغويين، إن فعلوا ذلك، فهو يعد انتكاسة حقيقية تبرز الفكر والتأويل القاصر لعناصر ودور وأهمية اللغة العربية وارتباطها الوطيد بالإسلام، ولا أزعم أنه بريء من غايات مريبة غير الظاهرة.

وحين أحلتُ هذه الانشغالات الفكرية للدكتور المحاضر عبر رسالة الكترونية، وافني بقوله (شكراً لكم على هذا النفس النقدي الذي يدل على عمق في الفكر، وجمال في الأسلوب، وفهم دقيق للعناصر التي تناولتها المحاضرة. أما عن سؤالكم الكريم فأقول: لم تكن للغويين حاجة في إنكار المجاز الذي لا تخلو منه لغة أو لهجة. ولكن كان وراءه هاجس لم أطل الوقوف عنده، إنه هاجس الخوف من أن يدخل المجاز القرآن وهو في نظرهم المقابل الفكري للحقيقة التي لا يقابلها إلا الكذب أو الباطل وكلاهما غير وارد في القرآن والسنة. ولكن التمييز بين الحقيقة البلاغية والحقيقة الحكمية أو الخبرية هو الذي يدفع هذا الهاجس ويعيد اللغة الى سياقها المنطقي باحتوائها للمجاز واحتفائها به.)

إن ما طرحه المحاضر في حديثه عن (الحقيقةُ البلاغيةُ والخِلافُ اللفظي) يعتبر من القضايا الشائكة المتداخلة بين علوم اللغة والفلسفة والتفسير والتاريخ وغيرها، ومن الواضح أنه نقّب في أمهات الكتب بحثاً عن بعض اليقين في هذا الموضوع، ولكنه لم ينل إلا النزر اليسير، وبالتالي كان مُجِداً ومُثابراً في التفرد بطرح هذا الموضوع وقد أصاب به جانباً من التوفيق لعل أبرزه مناداته بالاعتدال في الجدال حول هذه الإشكالية الفكرية، وابتكاره مصطلح (الحقيقة البلاغية) والذي نأمل أن يتوسع في تأطيره وتبيانه حتى تعم تباشير خيره على اللغويين وغيرهم من عشاق لغة الضاد كافةً.

مقالات ذات علاقة

غياب محمد حسن يوم الفراغ السياسي العظيم !

جمعة عبدالعليم

التشيّع بين حرية المعتقد والتجريم

ميلاد عمر المزوغي

(أسامينا) .. كتابة على وجوهنا ..وحكاية لهويتنا

زكريا العنقودي

اترك تعليق