قراءات

أهل الله…محاولة فهم معرفية لليبيا والليبيين

مهنّد سليمان

غلاف كتاب (أهل الله)

تزخر المكتبة الليبية بمجموعة متنوعة من عناوين الكتب التي تتناول جوانب تاريخية واجتماعية وسياسية في ليبيا أغلبها مترجم عن اللغات الإنجليزية والإيطالية والفرنسية، وتتعدد هذه العناوين من (حكاية مدينة..طرابلس لدى الرحالة العرب والأجانب) من تأليف الأديب الراحل “خليفة التليسي”، و(مغامرات في طرابلس) للطبيب الإنكليزي “إي إتش غريفن”، و( ترياق للثعابين) للطبيب الإيطالي “ألبرتز دينتي دي بيرا -اينو)، و(حصون على الرمال) لـ”برونيسواف كريستين فيجايسكي”، رواية (الشاطئ الرابع) للكاتبة “فرجينيا بايلي”، وما نحوها مما يضيق المجال عن حصرها جميعا، والملاحظ أن كل هذه الكتب تصب في خانة ليبيا وأحوالها فقد كان هنالك ما يشبه الحُمى من قبل عدد من المترجمين الليبيين وغيرهم لاقتفاء كل الكتب التي تناولت ليبيا بشكل ما وترجمتها إلى اللغة العربية، وتنامت هذه الظاهرة بصورة مطردة منذ منتصف ستينيات القرن المنصرم، ويُعزى ذلك لمحاولة من قبل الليبي المعاصر لترميم قصوره المعرفي لكي يعرف ذاتيته وفق أبعادها التاريخية والنفسية والثقافية والحضارية من خلال انطباعات بعض أولئك الأجانب اللذين سنحت لهم الفرصة أن يستقروا لبعض الزمن على الأرض الليبية وتشتبك رؤاهم مع معطياتها، وربما نستنتج من هذه المحاولة أزمة ثقة يكابدها الليبي مع الليبي بوجه من الوجوه هذه الأزمة تدفع قابليته للاطلاع على ما نشره غير الليبيون عن ليبيا لتبدو الصورة البانورامية أكثر دقة وموضوعية أحيانا، وفي عام 2021 أصدرت دار الفرجاني للنشر والتوزيع بطرابلس الترجمة العربية الأولى لرواية الشاطئ الرابع وهو عمل سردي متخم بالتفاصيل حيث يتقاطع ما بين زمنين يأخذ فيهما المخيال الإبداعي حيزا وفيرا.

محاولة فهم للجذور
تلتها في عام 2022 صدور ترجمة جديدة للكاتب “فرج الترهوني” تحت عنوان (أهل الله) وهي تضم مذكرات سيدة أمريكية تدعى “أغنس نيوتون كيث”، وهي زوجة السيد “هاري” الذي ابتعث كخبير لمنظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) وامتدت فترة إقامتهما على الأراضي الليبية نحو تسع سنوات من عام 1955 وحتى عام 1964م لتؤرخ السيدة أغنس أثناء سنوات مكوثها وزوجها جملة من الانطباعات والمشاهدات حول ليبيا فهي تستهل أولى حلقات تدوينها الذي يكاد يرتقي لجنس الرواية بتوطئة سيكولوجية تشخّص عبرها شخصية الليبي فتقول أن الليبيون لأنهم ولدوا في أرض قاحلة جرداء يجدون أنفسهم محكومني بثنائية البحر والصحراء بهطل المطر أو بحدوث الجفاف بانطلاق زوابع الرمال أو بفيضانات السيول بمواسم حساد الحبوب أو القحط وتعرض ماشيتهم للمجاعة، وتحفر السيدة أغنس في التاريخ بعيدا حين تستنج الجذور الرئيسة للحزازات أو العداوة التي تحكم آواصر العلاقة بين الليبيين في الشرق والغرب بأنها تعود للعدائية الحضارية بين الإغريق اللذين استوطنوا إقليم برقة، وبين الرومان اللذين استوطنوا إقليم طرابلس ما يعني أن الأجيال اللاحقة قد توارثوا لوثة الصراع المناطقي الطرابلسي البرقاوي فضربت أطنابه في طبائع -الليبي- وتركيبته، السيدة أغنس التي ما أن هبطت طائرتها مطار إدريس الأول عام 1955م كما كان يسمى أوان ذاك العصر حتى تلقفتها رياح القِبلي ورياح شديدة السخونة وفوضى يعج بها المطار بيد أن السيدة أغنس شيّدت جسور دافئة وحميمة مع الليبيين وأحبّت هذا البلد كثيرا وتؤكد على حبها هذا بالقول : كيف حدث ووقعت في حالة حب جارفة مع بلاد الله، هذا الموقع الجغرافي الذي يصعب العيش فيه لكن …الله أكبر.

اقرأ حوار مع المترجم فرج الترهوني

“أغنس نيوتن كيث”

نحن والآخر
على المقلب الآخر تُكشف نظرة الليبي وكيف يرى بلاده فعندما وجّه السيّد هاري يسأل أحد مستقبليه في المطار كيف تبدو البلاد بالفعل ؟ أجابه صحراء ! وهذه نظرة تلخص نظرة الليبي لليبيا والتي مايزال الليبي حتى اليوم مرهونا بحيثياتها، تشابكت علاقات السيدة أغنس مع الليبيين طوال فترة إقامتها وتجولها في ليبيا من الشرق إلى الغرب ومنها إلى الجنوب بدءًا من دفء تواصلها مع عامل بيتها في جورجمبويلي (ضاحية قرقارش اليوم) “محمد” ابن الخامسة عشر من العمر الذي توغلت من خلاله إلى تفاصيل أزقة سوق الجمعة وبيوتات عائلاتها التقليدية، وبذا استطاعت أغنس أن تؤسس لتواصل إنساني معرفي وحقيقي مع أهل الله أو أبناء الله مثلما إرتأت تسمية عنوان مذكراتها انطلاقا من فهمها أن الليبيين يُسلِّمون بمشيئة المقادير وتصاريفها وأن إيمانهم بالله ومشيئته مطلق لا مِراء فيه.

لقد تعاطت السيدة أغنس مع الليبيين بمنطق فريد ينأى عن فوقية أدعياء الحضارة تجاه مواطني دول العالم الثالث والمجتمعات النامية فمثلا كانت لا ترى أن ظهور ثروات طبيعية كالنفط والغاز مفتاحا سحريا سينقل نقلة حضارية فليبيا حسب رؤية أغنس لن تنهض بالزيوت الأحفورية بل بالليبيين أنفسهم وهذا مصدر ثروة ليبيا الجوهري، ففي رحلة قامت بها أغنس لأقليم فزان وتحديدا بسبها تعرّفت على معلمة ألمانية تعطي دروسا لمحو أمية بضعة فتيات في سبها لا يخرجن للمدرسة إلا ليلا وفي جنح الظلام خشية أن يراهنّ أحد فإن حدث وسطع ضوء القمر في إحدى الليالي يُحرمن تلكم الفتيات من ارتياد الفصل الدراسي !! .

صورة التقطت عام 1965م لشارع الاستقلال أحد الشوارع الرئيسة لمدينة طرابلس (الصورة عن الشبكة)

القوة الكامنة
وفي حديث أغنس المثير مع المُعلِّمة الألمانية وتدعى “ماريان” تبيّن هذه المعلّمة نبلا أخلاقيا ومعرفة بواقع الأشياء ربما قل نظيره إذ في سياق حديثهما تقول ماريان بأنها لم تأتي لهذا البلد من منطلق أن تدفعه تجاه عملية تغيير تستنسخ بموجبها التجربة الغربية في التطور الحضاري بقدر ما تحاول ماريان أن تكشف لليبيين مكامن قوتهم وتوجههم لحسن إدارة مواردهم الذاتية كاملة فماريان ترى بأن ليبيا والليبيين يملكون مقومات النهوض والاستقلال وليسوا بحاجة لاستنساخ تجارب الآخرين في التقدم، إن كتاب أهل الله جدير يقدم للقارئ وجبة معرفية مهمة ودسمة عن الذات الليبية ليحتل بحق أهم الإصدارات المتوفرة في مكتباتنا.

مقالات ذات علاقة

بورتريهات

أحمد الفيتوري

قراءة تحليلية نقدية لقصيدة (لاممكنات) للشاعر “جمعة الفاخري”

المشرف العام

إطلالة على ديوان «عمر آخر»

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق