قصة

عن لصٍ لم يسرق الحليب

من أعمال التشكيلية شفاء سالم

يحكى أن لصاً يسكن في قريةٍ كل سكّانها يعرفون أنّه لص، كان يسرق الملابس المعلّقة في باحات المنازل، ألعاب الأطفال، الفواكه والخضراوات من على الأشجار، قطع الحلوى المكشوفة من محلات البقالة، لكنّه كان يضع مكان ما يسرقه دائماً شيئاً ما بدلاُ عنه.

”من يسرق حليب البقرة، ينطحه الثور“.. تقول له أمه دائماً، لذلك كان يسرق ما يرد امتلاكه ويضع بدلاً عنه شيئاً لا يريده، في الغالب هو شيءٌ سرقه من أحدٍ ما وملّ من امتلاكه ليعطيه لأحدٍ آخر.

لكن سبب أن لا أحد يخبر عنه الشرطة، أنه كان يداوم على زيارة المعبد، كان الأول دائماً ينتظر أمام بابه كي يفتحه الراهب، فيقبّل يديه، ويضع درهماً أو اثنين في صندوق الراهب، ويكون أول من يدخل يحمل جرة المياه المباركة ينثرها عبر ساحة الصلاة، وكلّما دخل أحد أهل القرية الى المعبد، وجد اللص يتعبّد متضرّعاً، وبصوت مسموعٍ يرجو الإلهة أن تغفر له.

كان الأمر يرسم انطباعاً لدى سكان القرية أن اللص أعلن توبته اليوم، لكنه كان يعود للسرقة في اليوم الموالي، وفي اليوم الذي يليه يعود الى المعبد، كانت دائرةً مفرغةً تبدأ من جيب اللص وتنتهي في جيب الراهب.

ومرت الأيام واللص لا يزال يسرق، والمعبد لا يزال مفتوحاً، والشرطة لا تزال لا تفعل شيئاُ، والناس لا يزالون لا يكترثون بالأمر برمّته، ولا زالت أم اللص تحذّره من الثور الذي ينطح من يسرق حليب البقرة.

وفي يومٍ ممطرٍ سمع اللص صوت أقدام تقترب من بيته، وأحدٌ ما يدق بابه، ليفتح الباب ويجد أمامه الشرطي، ونائب عميد البلديّة ورجلان آخران وامرأة، لقد اعتقد ان أمره قد انكشف، لأنه لم يزر المعبد منذ أيّام بسبب مرض والدته التي كان يعتني بها، وقبل أن ينطق بكلمة، وجد الشرطي يمد يده ليصافح باحترام…

”أعذرنا على مفاجئتك بهذه الزيارة، لكن الأمر طارئ“.. قال الشرطي وهو يصافح اللص…

”ماذا هنالك، إذا كان الأمر يخص العشرة دنانير التي أخذتها من جيب الرجل الجالس في الحديقة، فلقد وضعت دينارا معدنياً بدلاً عنه، وهو أثقل وزناً“.. قال اللص ويده التي تصافح الشرطي ترتجف…

”الأمر ليس كذلك، نحن هنا لنخبرك أنه قد تم اختيارك عمدةً للقرية، لم نجد شخصاً متعبداً مثلك يستحق مكان العمدة الراحل“.. قال الشرطي وهو يبتسم واضعاً يده الأخرى على كتف اللص مطمئناً إياه.

لم يصدّق اللص الأمر في بادئ الأمر، لقد اعتقد الأمر خدعة أو مزحة ساذجةً من أشخاص لا يعرفهم، لكنّه سرعان ما نسي أنه لص، نعم هو رجلٌ صالحٌ، فلم يسبق أن نطحه الثور، رغم أنّه لم يكن يداوم على سرقة حليب البقرة، ليترك شيئاً بدلا عنه دون علم والدته.

خلال أسابيع وجد اللص نفسه يجلس في مكتب العمدة، بعد مسيرةٍ نحو مجلس البلديّة مليئةٍ بالتصفيق، معلّق خلفه صورة ثور، وأمامه لوحةُ مكتوب فيها “من يسرق حليب البقرة، ينطحه الثور”.

خلال أيام بدأ اللص يمارس عمله دون أن ينسى هوايته الأولى، لقد كان يسرق مكتب العمدة كرسياً، ويضع مكانه كوباً، نافذةً ويضع مكانها صخرة، سكرتيرةً ويضع مكانها زوجته، لقد كانت الأيام الأولى من عمله كعمدة مريحةً كونه لم يكن يفعل شيئاً خلاف عمله قبل تعيينه عمدةً للقرية.

دخل رئيس قسم الشرطة على العمدة يحمل بين يديه مجموعة أوراق ألقاها فوق المكتب مشيراُ له بأنه يجب عليه توقيعها…

”أهو طلبٌ أم أمر؟ ثم ما هذه الأوراق؟“.. سأل العمدة.

”إنها وريقات لترميم بيت العمدة، بناء مدرسة أخرى، وشراء أمطار بدل تلك التي ضاعت ونحن منشغلون بافتتاح مستشفى القرية، عليك فقط وضع امضائك أسفلها، ويمكنك أن تعتبر الأمر طلباً إذا أردت“.. قال رئيس الشرطة وهو يدفع القلم في يد العمدة.

أمسك العمدة بالقلم وهو ينظر الى الأوراق أمامه، بدأ يقلب نظره بينها وبين ابتسامة رئيس الشرطة العريضة، لكنّه شعر أن في الأمر شيئاً ما، لا يوجد في القرية مستشفى، ولا يوجد أيضاً مدرسة، كما لا يمكن شراء المطر، إنهم يسرقون الحليب والبقرة بكاملها، ولا يتركون شيئاً بدلاً عنها.

”أين أخفيتم الثور؟“.. سأل العمدة وهو يلقي بالقلم بعيداً، ليخرج غاضباً غير مكترثٍ بملامح الشرطي الذي تغيرت فيه الابتسامة الى الغضب والاحتقان، متجّها الى المعبد، فلقد اكتشف أنه كان أحمقاً عندما كان يسرق شيئاً ويضع شيئاً آخر بدلاُ عنه، اللصوص في هذه القرية يرتدون ملابس الشرطة والعمدة، ولا يخافون الثور.

وصل اللّص الى المعبد بعد ان نزع عنه رداء العمدة، وصل كي يخبر الكاهن بما كان، وأن ذنوبه صغيرة بالمقارنة وذنوب كبار القرية، لقد كان يسرق حليب البقرة، لكنهم سرقوا البقرة ويبدو أنهم قتلوا الثور أيضاً، فوقف أمام باب المعبد يطرقه بكلتا يديه، حتى انهكه الأمر دون إجابة من أحد، قبل أن يشعر بوجود أحدٍ ما خلفه، أحدٌ يحدق فيه بنوعٍ من اللامبالاة والاشمئزاز، نظرات أحس بها تخترقه.

التفت اللّص ليجد ورائه الراهب ورئيس الشرطة وحارس حظيرة البقر وآخرين لم يجد الوقت للتعرف عليهم، إذ انقض عليه رجال الشرطة يبرحونه ضرباُ ويحملونه الى أمام مبنى البلدية حيث وجدهم قد نصبوا مشنقةً يحيط بها جمعٌ غفيرٌ من الناس وليجد نفسه يقف تحت حبل المشنقة مكبّل اليدين والقدمين.

”هذا اللص ادعى أنه العمدة وسرق مبنى البلديّة، المستشفى، وهو الذي تسبب في هروب الأبقار، إنه لصٌ باع نفسه للشيطان“.. قال رئيس الشرطة وهو يشير بإصبعه ناحية اللص.

”نعم، لقد كنت أنصحه دائماً بأن يتوب، ويزور المعبد“.. قال الكاهن.

”لكنّي لم أسرق البقرة، هم من قتل الثور، واطلقوا على لا شيء اسم مستشفى ومدرسة“.. صاح اللّص بينما يقوم حدهم بوضع حبل المشنقة حول رقبته، ليختفي حماس اللص.

صمت اللص عن الكلام، فالإنسان يتكلم فقط عندما يجد من يسمعه، ويسمع فقط ما يجعله راضياً عن أفعاله، أما الجمع الغفير الذي أمامه، فهم كانوا يريدون سكوته وسكونه عبر رؤيته معلقاً من رقبته، فلقد ارتكب خطأ كونه لم يعلم أنه ليس اللص الوحيد في القرية، لقد كان يسكن في قريةٍ كل من فيها لصوصٌ، سواء بسرقة ما ليس لهم أو بالسكوت عمّن يفعل ذلك، وليس من عادة اللصوص الوشاية ببعضهم البعض.

تقدم الكاهن ليتلوا بعض كلماتٍ من الكتاب المقدّس، ويضع يده فوق رأس الّلص يبارك موته، ويلعن حياته، قبل أن يشير الى رئيس الشرطة أن يأمر رجاله بسحب الكرسي من تحت قدمي اللّص، ليبقى معلّقاً من رقبته، جاحظ العينين، وينصرف جميع من كانوا حوله يبحثون عن لصٍّ آخر يجعلونه العمدة.


* من المجموعة القصصية”عن رجلٍ عض كلباً“

مقالات ذات علاقة

الخبز المغموس بالدم

المشرف العام

الاعتـــــراف

محمد عياد العرفي

المحجوب

عزة المقهور

اترك تعليق