قصة

ربيع آخر..

الطاهر الدويني

من أعمال التشكيلي محمد بن لامين (الصورة: من اختيار الشاعر جمعة عبدالعليم)
من أعمال التشكيلي محمد بن لامين (الصورة: من اختيار الشاعر جمعة عبدالعليم)

عشرون عاما مرت عليه كالحلم وهو في الغربة بعيد عن وطنه، وهاهو في أول صباح عقب عودته، يولج باب المقهى، محملا بذكريات خبيئة منذ أزمان الشباب الأول.

في نفس الركن الهادي الذي اعتاد الجلوس فيه، اختار جلسته راحت عيناه تجوسان المكان، لم يتغير شيء في المقهى، كل الأشياء ظلت كما هي: الكراسي، الطاولات، الواجهات الزجاجية، مكان إعداد القهوة.. البشر وحدهم تغيروا، الوجوه المألوفة له سابقا، حل أناس غيرهم مكانهم، وعم صابر النادل لم يعد موجودا، هل غيبه الموت أو العجز؟

نادى على النادل الشاب فأتاه مسرعا، طلب منه فنجان قهوة على الريق، وفي انتظار قهوته ترك لعينيه العنان لقراءة الصحيفة، على وقع خطى حذاء نسائي رفع رأسه من الصحيفة، تابع الصوت حتى رأى صاحبته تلقي بنفسها على احد الكراسي القريبة منه، تفرس فيها مليا…

– يا الهي أنها هي.

استل نفسه من كرسيه ومضى نحوها، قلبه يسبقه. قال وهو يمد يده إليها:

– أهلا أمل.

صعدته بنظرة متأملة قبل أن يأتيه صوتها:

– من؟ أستاذ عبد الحميد!

ودعت كرسيها، وجلسا معا في ركنهما المعتاد، وكنهر دافق انسابت بينهما الذكريات. سألها بعد حين:

– أمتزوجة أنت؟

– مطلقة، وأنت؟

– أرمل.

حين خرجا من المقهى كان كل منهما يشبك يديه في أيدي صاحبه والربيع يدق على قلبيهما أبوابه.

مقالات ذات علاقة

زائر الليل

المشرف العام

المدينة التي لم تعد تجمعنا

المشرف العام

الغائب

المشرف العام

اترك تعليق