تاريخ

الإبادة الجماعية في ليبيا (2 ــ 2)

د. أحمد يوسف أحمد | مصر

كتاب الإبادة الجماعية في ليبيا، للدكتور علي عبد اللطيف حميده، بترجمة الدكتور محمد زاهي بشير المغيربي.
كتاب الإبادة الجماعية في ليبيا، للدكتور علي عبد اللطيف حميده، بترجمة الدكتور محمد زاهي بشير المغيربي.

عرضت في المقالة الماضية للقاء الذى استضافه مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام حول كتاب الدكتور على عبداللطيف حميدة عن الإبادة الجماعية في ليبيا وقيمة هذا الكتاب الذى سبقت الإشارة إلى فوزه بجائزة الجمعية الأمريكية العلمية للدراسات المغاربية العام الماضي، فضلًا عن العديد من كلمات التقدير التي حظى بها من كوكبة من الأساتذة الجامعيين المرموقين، وتكفى كلمات نعوم تشومسكي الذى وصف الكتاب بقوله لا تسلط هذه الدراسة الدامغة المؤسسة على عمل بحثى لافت ومكين الضوء على سياسات الإبادة الجماعية للدولة الفاشية الإيطالية التي طال طمسها فحسب، بل تدفع أيضًا إلى إعادة تفكير جدية في كيفية تأطير تاريخ الاستعمار، والواقع أن هذه الكلمات تلفت إلى القيمة المزدوجة لهذا العمل منهجيًا وسياسيًّا، فهو من ناحية يمثل إضافة حقيقية لمنهجية البحث التاريخي، ومن ناحية ثانية يفتح آفاقًا واسعة لإعادة كتابة التاريخ الاستعماري لا في بلداننا العربية والإفريقية فحسب وإنما في كل القارات التي وقعت ضحية للاستعمار، أو على أقل الفروض لاستكمال ذلك التاريخ وإلقاء الضوء على ما أُخفى أو حُرف عمدًا منه.

طالع: لقاء خاص مع البروفيسور علي عبداللطيف أحميدة

وتتمثل الإضافة المنهجية للكتاب في إلقاء الضوء على الأدوات التي لا غنى عنها لاستكمال البحث من خلال الوثائق، وقد أظهرت تجربة الباحث كما أظهرت تجارب أخرى من قبل أن الوثائق قد لا تسعف الباحث بالضرورة في الوصول للحقيقة التاريخية. صحيح أن العثور على وثيقة أصلية يمكن أن يقدم إجابات حاسمة على علامات استفهام أساسية لبحث تاريخيٍ ما، غير أنه ما العمل لو أن هذه الوثائق قد أُخفيت عمدًا أو شُوهت، وقد خبرنا هذا مثلًا مع جرائم إسرائيل بحق الأسرى المصريين في الحروب المختلفة معها، والتي كتب عنها معاصروها من العسكريين الإسرائيليين، غير أن قياداتهم حجبت ما كتبوه حرصًا على سمعة الجيش الإسرائيلي، وقد حدث هذا بالفعل مع مؤلف الكتاب الذى حاول بداية أن يأتي البيوت من أبوابها وهي في حالتنا الأرشيف الوطني بالخارجية الإيطالية، لكن المسؤولين عنه منعوه من مواصلة بحثه بزعم كاذب وهو أن المسؤولين الليبيين يمنعون العلماء الإيطاليين من إجراء البحوث في ليبيا، ناهيك بفقد الملفات الأساسية وإخفاء الأدلة أو تدميرها، وهو سلوك استعماري بامتياز لا يقتصر على الحالة الإيطالية، وحتى عندما أمكن للباحث الحصول على أوراق وملفات مهمة فإنها لم تتضمن كل الحقائق ناهيك بطبيعتها التبريرية، وانطلاقًا من هذا الصد بدأ رحلته الشاقة عبر الأرشيفين الإنجليزي والأمريكي أولًا ثم الأرشيفين المصري والتونسي وأخيرًا الأرشيف الليبي، وفى كل خطوة كان يخطوها كان يضيف معلومات وحقائق جديدة لكنها لم تكن كافية لاكتمال بحثه، وقد تأثرت في هذا السياق بما ذكره عن مكتبة معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة التي وصف كتبها ومجلاتها بأنها نادرة، وأنه وجد فيها ثلاثة كتب غير معروفة باللغة العربية عن ليبيا الاستعمارية مع أقسام عن المعتقلات كُتِبت في أوائل أربعينيات القرن العشرين.

الدكتور علي عبداللطيف احميدة (الصورة: عن أصوات مغاربية)
الدكتور علي عبداللطيف احميدة (الصورة: عن أصوات مغاربية)

وبعد كل هذا الجهد المضنى لم يكن أمامه سوى أن يلجأ للميدان، حيث أجرى 30 مقابلة مع ناجين من معسكرات الاعتقال الخمسة الأكثر عنفًا، واكتشف وجود 220 مقابلة مع ناجين من المعتقلات، وفحص السجلات التاريخية المكتوبة والشفهية، وتعمق في الإحاطة بالفولكلور والشعر والثقافة الليبية، واكتشف وجود محفوظات قيمة يحتفظ بها بعض العائلات أو الكتاب ذات صلة بالإبادة الجامعية، وكذلك مبادرات محلية لجمع التاريخ الشفهي للحقبة الاستعمارية، وتمكن من مقابلة بعض أفراد الأسر التي تملك رسائل قيمة وصورًا وقصائد وتسجيلات لمواد من سجناء المعتقلات وأجرى مقابلات معهم، كما وجد قصائد ورسومات عن المعتقلات لبعض الناجين في بنغازي، وقد كان لكل معتقل شعراء وشاعرات قاموا بتسجيل ونقل خبرات المعتقلين، وبعض القصائد التي نظمها هؤلاء ذاع وانتشر حتى أصبح بإمكان أجيال من الليبيين ترديدها من الذاكرة، وللقارئ الكريم أن يتصور حجم المعاناة التي تكبدها الباحث كي يفعل ما فعل، خاصة بالنظر إلى أجواء الشك التي تحيط عادة بالباحث الميداني وبالذات إذا كان الموضوع ينطوي على حساسية فائقة كموضوع بحثه، وقد تأكد من كم الاستقصاء الذى أُجرى عنه قبل إجراء المقابلات، غير أن الثقة في شخصه أخذت في الازدياد بالتدريج بحيث أصبحت المقابلات الميدانية متعة حقيقية، وقد تأثرت بالمقابلات الجماعية التي أجراها، وأقصد تلك التي كانت تتم مع الوالد أو الوالدة بحضور أفراد الأسرة الممتدة الذين كانوا يستمعون بعناية، وكثيرًا ما يُذَكرون والدهم أو والدتهم ببعض التفاصيل التي يعرفونها أو يريدون سماعها مرة أخرى.

طالع: كتاب د.علي عبد اللطيف ضمن قائمة أهم كتب التاريخ عالميا في 2020

وتنطوي الخبرة البحثية للدكتور على عبداللطيف حميدة على دروس بالغة القيمة لا تنسحب على البحث التاريخي فحسب وإنما على العديد من فروع العلوم الاجتماعية ومنها علم السياسة، وقد كان أستاذنا الجليل حامد ربيع ـ رحمه الله ـ يقول لنا إن الباحث الاجتماعي كالحرفي الذى يحمل معه صندوق أدواته أينما ذهب، وعندما يواجه مشكلة مستعصية يأخذ في تجريب هذه الأدوات واحدة تلو الأخرى حتى يحل لغزه البحثي، وهو ما فعله صاحبنا فلجأ إلى الوثائق أولًا، وعندما تبين قصورها سواء لإخفاء جزء منها أو تشويهها مضى يبحث ميدانيًا مستعينًا بالمقابلات مع الناجين والتراث الثقافي الذى خلفه ضحايا الإبادة الجماعية وغير ذلك على نحو ما رأينا، وهى دروس ملهمة لكل باحث تدفعنا إلى مراجعة ما كُتِب عن التاريخ الاستعماري، واستخدام المنهجية ذاتها في دراسة ما خفى من هذا التاريخ قبل أن تضيع الفرصة تمامًا باختفاء أبطال الأحداث، بل في دراسة بعض الأحداث القريبة كأحداث  9 و10 يونيو 1967 في مصر والانتفاضات الفلسطينية المختلفة وانتفاضات الربيع العربي وغيرها، فتهنئة حارة للباحث القدير الذى شوقنا للمزيد من الإنجازات على هذا الدرب الشاق.


صحيفة الأهرام | الخميس 24 من شعبان 1444 هــ 16 مارس 2023 السنة 147 العدد 49773.

مقالات ذات علاقة

أسطورة الهَوسآ .. (الاسطورة) يتناقلها الرواة

المشرف العام

جامع احمد باشا القره ملى

حسين بن مادي

حكاية الجمل في ليبيا

المشرف العام

اترك تعليق