النقد

أحياناً أكتفي بالمرور سريعاً*

قراءة لديوان ” عمر آخر“* للشاعر جمعة عبدالعليم

ديوان (عمر آخر) للشاعر جمعة عبدالعليم
ديوان (عمر آخر) للشاعر جمعة عبدالعليم

(إلى سالم العوكلي.. الشاعر الذي ما قرأت له يوماً إلاّ وعاودني الحنين إلى الكتابة) ص3. هكذا يشرع لنا الشاعر جمعة عبدالعليم فضاء ديوانه الأول (عمر آخر) الصادر عن منشورات المؤتمر.. هذه المجلة التي صارت علامة في رصد مشهدنا الثقافي بالإبداع الليبي، شعراً وقصة ورواية ودراسات متنوعة…

إذا يشرع جمعة فضاء ديوانه، يفرش لنا المدخل بسجادة مغرية، فالذي يعرف الشاعر سالم العوكلي يدرك ماذا يعني جمعة عبدالعليم، فكأنه يعتذر مُسبقاً إذا كان شعره ليس كما الشاعر العوكلي، أو كأنه يحيلنا إلى لعبة التناص التي قد توجد في نصوصه، وفي فضاء التكهن ندخل إلى النص الأول في الديوان، ثمن فيروز ص5، والشاعر خلال ديوانه برع في اختيار عناوين النصوص، حيث صارت مفاتيح للدخول، وها هي فيروز سيدة النجوم ترحل بالشاعر إلى عوالم قصية ويرحل بنا هو إلى عالمه، حيث هو مع صوت فيروز.. (يتفجر الليل حزناً قاسياً وأنا بلا صديق) ص6. لكن هذا المقطع يحيل إلى الفضاء الأول إلى الشاعر سالم العوكلي، حيث هو الصديق الذي يبوح له الشاعر بهذه الرحلة الطويلة/ القصيرة وهو يبدأ حكايته لصديقه على مهل، يحدثه عن حياته، وعن صوت فيروز إذ يفجر ينابيع الحزن…

(سلم لي عليه… بوس لي عينيه) ص6

(ألا أستحق صوت فيروز؟!

يكسر وطأة الليالي الموحشة

يعيد لي زمني الهارب

أصدقائي الذين رحلوا

تمردي الذي

لم يكن له حدود) ص7

اللغة السهلة، القريبة ولكنها حارة وضاجة، مكتنزة بالألم، وسيختم الشاعر توطئة الحديث/ البوح لصديقه…

(أعطيك قصيدة

بدلاً عن (احنا والقمر جيران)

أعطيك ديواناً مقابل

(أنا عندي حنين)

أعطيك عمري

وأعود كما أنا) ص8

الشاعر جمعة عبدالعليم وخلال أكثر من قصيدة، برع في إخفاء تفجر النص حتى اللحظة الأخيرة، حيث يرسم نهاية النص، ويصل بالصورة إلى لمسة الفرشاة الأخيرة، يصعقنا بالجملة الخاتمة وبالصورة التي تفيض بالدلالة…

أعطيك عمري

وأعود كما أنا

وكأن الشاعر بصورته هذه يفتح النص التالي (مجرد إحساس) ص8، ويجب أن لا نغفل أن الشاعر هو في حكاية بوح لصديق حميم، يسرد عليه تفاصيل الحكاية بدقة/ لذا سيدخل إلى فضاء آخر حين يقبض على نفسه وهو محتفٍ بتفاصيل أنثى.. حيث مجرد إحساس.

(العطر….

حيث يجد فيك شذاه

ويتشرف الشعر البريء

أن يحتفل بهذا المهرجان

الذي يرافق حضورك) ص12

ببساطة شديدة يواصل البوح، ويصعّد من حالة السرد، ويدخل إلى (كثيرٌ ممن أعرف) ص13، وهذا النص يقلب معادلة نصوص أخرى، إذ يكون المقطع الأول منه هو الذي يفيض بالدلالة، ويحمل عبء النص كاملاً، بل يكاد أن يكون هذا المقطع أن يكون نصاً متفرداً…

(نلتقي غداً…..،

هل أضمن

أن يتركني الحزن

وأنت تعودين غداً؟

هل أضمن أن تعودي

تماماً كما يفعل

أفضل الأصدقاء؟) ص14

وتبدأ فصول الحكاية في التفتح، والمطر يتدفق، وتبدأ (وأنتِ بعيدة) ص19…

(كيف لي

أن أتصور العالم

خالياً منكِ وكيف لي

أن أقول القصيدة

وأنت بعيدة) ص22

إذاً هو لم يعد يبوح لصديقه، هو صار يحكي، يرسم تفاصيل هذه التي تغيب القصيدة حين تغيب، ولذا تجيء (القصيدة)، ص23…

(ما أجمل

أن تكون القصيدة

لعيون حسناء

لروعة حسناء

تعرف كيف

تنصب الفخاخ

للقصائد الهاربة) ص28

وفي (مصالحة) ص29، يواصل توضيح العلاقة بين طرفي معادلة هي والقصيدة…

(تحتاج القصيدة

لمن يستحقها

لمن ينصب لها

شركاً من الرقة

حينها فقط

تنتفض من رمادها

وتولد من جديد) ص32

لكن السرد المتوالي، والنصوص التي تناور، تجعل من (مناكفة) ص33.. وكأنها بيان ثوري عن صفات إنسان/ قديس، إنسان يتجمل، لينصب الفخاخ لأنثى تناور، الفخ ليس إلاّ هذه الكينونة الشفّافة، ولكنها كينونة تعيش بيننا ولا تدّعي أكثر من ذلك…

(لست نبياً

ولم يمدني الراهن

بمعجزاته…

كأن تكون مثلاً

مرفوعاً…..

بمالك الوفير

مرموقاً…

بمركزك المميز

محفوفاً…

بهيبة القبيلة) ص34- 35

وسيظل ينوّع على بشريته التي تقترب من القداسة وينفي عنها النبوءة، هو فقط يعوّل على جسده، وعلى قصيدة النثر، على (السيجارة) وفنجان القهوة…

(على حكاية صغيرة

ليزهر القول

قول في مساحة الفعل

وكلمة تقوى….) ص37

وفي (كل المواسم) ص39، تجيء الحكاية، تصبح المعشوقة، كائنة نراها، لأنه يتحدث إليها، ويجيد الشاعر في تقسيم النص إلى أزمنة وإلى فضاءات، حيث يبدأ بالصباح ثم المساء ثم اليوم ثم…

(كل لحظة…

تجرين المشاعر إلى باحة العشق

الكلمات…

إلى معبد الشعر

الخطى..

إلى دوامة الحيرة!) ص41

والحيرة تكبر، ومساحة البوح تزيد، والشاعر في (حاجات) 43 يريد أن يتكلم كما الأطفال نقياً وبريئاً، وأن…

(أغني للبنت المثيرة

التي طلعت

فجأةً في آخر العمر

أحبك…) ص44

وهو يحتاج إلى كثير من الأشياء التي تعيد له العمر الذي يضيع، امرأة ومقهى وأصدقاء، إنه خائف من هذا الآتي، من هذه الكلمة الصغيرة التي وضعها في أول النص (أحبك)، لذا هو يحس بالحزن…

(أحتاج من

ينتشلني من حزني

أنا حزين جداً

هذه الليلة

بحجم هذا الوطن)

وهو مشدود، هو مقيد بهذا الوطن، وبهذه الأسرة، وبهذا العمر وهو ينحدر من قمته، ولكن (في البيت) ص49، ثمة بنت يراها، يرسم تفاصيلها، ويواصل البوح…

(لماذا حين اراك أرجع عشرين عاماً؟!

يخذلني المنطق

تتخلّى عني

تجارب السنين) ص51

وتجيء (وجهان للوعة واحدة) ص55،

(الغياب عنك

تجربة مثيرة

تتبع شذا عطرك

في مسالك الذاكرة

تخيل عينيك من بعيد…

استرجاع اللحظات المدهشة.. لحظات الحزن العميق

كصوت فيروز) ص56

إذاً صار الحب الحقيقي فتجيء (لكِ) ص59

(لك كلك

للجسد الطاغي على الوصف

للروح المتمردة

للحنان المنساب

المتدفق….

للروعة المترقرقة

في صحارى العمر

أقف حائراً

أرتل صمتي) ص59

لكن مازالت المناورة تفيض، مازال الخوف من الاعتراف بالمشاعر، والسرد يتواصل، والبوح تعلو حدته فتجيء تحول) ص63، ولذا نعذر الشاعر وهو يفيض في القول، يحاول التبرير، فهذا النص حين يصل إلى المقطع الأخير، يحيلنا إلى هذا القلق المخيف، ذلك لأن تجربة الحب مخيفة، والاعتراف بوجود هذا الكنز في القلب يحتاج الكثير من الشجاعة…

(أمس انتظرتكِ

انتظرت

فكان غيابك

خليطاً من الأسى

واللهفة والانتظار

مزيداً من الأسئلة لماذا كلما رأيتك تتسرب

سنوات العمر مني

وأولد من جديد ؟؟) ص66

وحين تجيء تفسير ص67، نجد المزيد من الخوف والحيرة والقلق والتوجس، والرعب، إنه رعب حقيقي يبرع الشاعر في رصد خطواته…

(ثمة بنتٌ رائعة

تجلس على مرمى نفس

تبث عطرها الأخّاذ) ص68

وعاشقٌ يتأهب للحظة البوح لنفسه أنه يحب، لكن ثمة محاذير كثيرة، لذا المغامرة محسوبة…

(ما الذي يبقيك

أيها المتهالك) ص69

هذا الحوار الداخلي يصل إلى ذروته في نهاية النص ليفتح بوابة الحكاية، الحكاية التي تفضي إلى عاشق، العاشق الذي يقف على الأعتاب، والأعتاب التي تنتظر خطوةً شجاعة…

(لا شيء… لتبقى ساكناً

في مواجهة العاصفة

ثلجاً في بوتقة النار متردداً والتيار يسحبك

إلى آخر المدى) ص70

وما زالت نصوص الديوان تمطر، وما زلت ارتعش، أرتجف بهجةً، وصعقة الشعر تذهلني، لذا سنعود لأن (عمر آخر) ديوان شعر حقيقي.

يتبع…


* أحيانا أكتفي بالمرور سريعا – من نص احيانا ص11.

* ديوان (عمر آخر)، جمعة عبد العليم، منشورات مجلة المؤتمر 2006.

* الملف الثقافي، صحيفة الجماهيرية، العدد 5128.

(*) جمعة عبد العليم، شاعر ليبي، مواليد 1960. موظف بجامعة درنة. صدر له: “عصيان الكلام وأشياء أخرى” (2006) عن مجلس تنمية الإبداع.. “عمر آخر” (2006) عن مجلة المؤتمر.. “نشوة القول” (2008) عن مجلس تنمية الإبداع.. “سطوة كاذبة” (2019) عن دار البيان.. “مد يدك” (2019).. عن دار البيان.. “خفافًا في أعين الريح” (2022) عن دار الفضيل.. “التفاتة متأخرة” (2022) عن دار الفضيل.. “وحيدا على حافة الاحتمال” (2022) عن دار البيان”.

مقالات ذات علاقة

رحلة الزاهي: من صقيع دبلن.. إلى نار فزان (1-2)

عبدالسلام الفقهي

من شواطئ الغُــربة لمتاهــات التشـظِّي

المشرف العام

الشاعر جلال عثمان يحتفل بالموت

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق