المقالة

الحكومةُ الليبيةُ تحاربُ عالمية (غدامس) 2-2

البيت الغدامسي (الصورة: الشبكة)

(6)

غياب الإعلام

تفتقر مدينة غدامس لأية وسيلة إعلامية فاعلة وقادرة على نقل هذه النداءات إلى مقر الحكومة. فكل ما يتوفر بالمدينة هو “الصفحة الرسمية للمجلس البلدي” وصفحة “صدى غدامس” على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، في غياب كامل لإذاعة مسموعة محلية أو غيرها من المؤسسات الإعلامية التي تنقل صوت المدينة العريقة إلى خارجها، أو تسجل أحداثها وبرامجها المختلفة وتشرح الصعوبات والتحديات التي تواجه مؤسسات الحكومة أو المواطنين أنفسهم، كما تحفظ تاريخها وتوثق فاعلياتها وأبرز زوارها من الشخصيات والأعلام والدبلوماسيين والعلماء والبحاث الجامعيين والأدباء والشعراء والكتاب والفنانين والرياضيين من دول العالم كافة منذ عقود قديمة وحتى الوقت الحالي. فلماذا لا تسعى الحكومة لتكوين مؤسسة إعلامية أو إنشاء مجمع إعلامي بمدينة غدامس يبرز مقومات المدينة التاريخية وينقل رسائل أمنية وسياحية خارج المدينة ويسهم في المشهد الإعلامي الوطني بشكل كامل؟

(7)

غدامس مدينة الأمن والآمان

تتجول النساء ليلاً بكل أمن وطمأنينة وأمان في شوارع المدينة، وطوال زيارتي القصيرة لم أشاهد أي مظهر من المظاهر المسلحة بشوارع المدينة، فلا وجود لأي سلاح أو مليشيات، الأمر الذي جعل مبعوثة الأمم المتحدة لليبيا السيدة/ ستيفاني وليمز تنبهر بتجول ممرضات وأفراد الطاقم الطبي الأجنبي العامل بمستشفى المدينة بشوارعها ليلاً بكل أريحية واطمئنان، فتسأل مرافقها رئيس المجلس البلدي السيد قاسم المانع: هل ما أراه بعيوني الآن حقيقة؟ أكاد أجزم أنني لستُ في ليبيا!

إن استثمار شهادة مثل هذه الشخصية الدولية يكسب المدينة تحديداً وليبيا على وجه العموم الكثير من السمعة الطيبة والقبول لدى الآخرين سواء على الصعيد الرسمي الحكومي أو الفردي الشخصي فلماذا لا نستفيد من مثل هذه الشهادة وتسويقها للرأي العام الاقليمي والدولي؟

(8)

عالمية السياحة واستثمارها

كل صنوف السياحة تتوفر في جوهرة الصحراء غدامس. فالسياحة العلمية تجد بيئة غزيرة بالهندسة المعمارية الغدامسية ذات الطراز المميز والألون الأصيلة والنقوش والتصميمات التي تجذر الهوية الغدامسية بكل تفاصيلها، وشبكات الري التي تطوق المدينة بطول 16 كيلو متر تسقي الزرع والشجر وتمر بالمساجد السبعة داخل المدينة، وساحة الوصول والمغادرة ومواقع تبادل البريد بين القوافل التجارية، وكل هذه مواضيع جديرة بالبحث العلمي ورصد تفاصيلها والغوص في تحليلها وعلائقها المتقاطعة مع الحضارات القديمة الأخرى بالحوض المغاربي الافريقي والاقليم المتوسطي العالمي.

كما أن مظاهر العمارة الإسلامية سواء من حيث التصميمات الهندسية أو التصماميم الفنية التشكيلية الجميلة بالمدينة ترجع إلى ما قبل سنة 44 هجرية تاريخ بناء الجامع العتيق، وهي فترة زمنية ازدهرت فيها رحلات القوافل التجارية بين تجار وأسواق المدينة وجناحها العربي المغاربي وعمقها الافريقي، وهذه الرحلات تسجل الكثير من الأحداث التاريخية بالمنطقة والأعلام والشخصيات والتي بحاجة إلى تنقيب ودراسات بحثية حول تفاصيلها ومعلوماتها المهمة على الصعيد الوطني العام والمكاني الخاص.

ولن تكون الرياضة غائبة عن معالم مدينة غدامس، فمنطقة (بحر الرمال) تسجل الكثير من مشاهدات عروض فنون قيادة السيارات وسط كثبان الرمال العميقة، وفوق قممها الشاهقة، وبمحاذاة سفوحها بكل حرفية وإتقان ومهارة وبراعة تحظى بإعجاب جمهور المتفرجين والمتابعين، وهي رياضة تلقى اهتماماً بالغاً من الأوروبيين العاشقين لرمال الصحراء والاستجمام تحت شمسها وحرارتها الملتهبة أحياناً والشغوفين بمداعبة رمال الصحراء النقية!

كل هذه المجالات تعد سوقاً رائجاً للسياحة ومظاهر جذب سياحي يقدم خدمات معيشية لأهل المدينة بالدرجة الأولى ويمنح الهوية الليبية سمعة وانتشاراً واسعاً في أرجاء العالم … فلماذا تعرقل الحكومة هذا الفضاء وتحد من أدواره المتعددة سواء الاقتصادية التسويقية التجارية أو الثقافية المعرفية السياحية؟

حياة المرأة في غدامس (الصورة: عن الشبكة)

(9)

الزيارة الأولى لمدينة غدامس

قمتُ الأسبوع الماضي ضمن أعضاء اللجنة التحضيرية للمنتدى الأول للتنمية المكانية والصحراية الذي سيعقد بمدينة غدامس خلال الفترة القريبة القادمة (29-31 أكتوبر 2021م) بزيارة لهذه المدينة العريقة، وقد أغوتني بعبق تاريخها وعراقة حضارتها وسحر هندستها المعمارية وجمالية ألوانها الزاهية فصرتُ مغرماً ولهاً بها كذاك الشاعر المصري الذي فتن بجمال مدينة سوسة بالجبل الأخضر فأنشد فيها قصيدة طويلة يقول فيها:

أَرَأَيْتَ سُوسَةَ وَالأَصِيلُ يَلُفُها      فِي حُلَّةٍ نُسِجَتْ مِنَ الأَضْوَاءِ

أَمَا أَنَا فَقَدْ أُخِذْتُ بِسِحْرِهَـــــا      حِينَ وَقَفْتُ هُنَاكَ ذَاتَ مَسَاءِ

وهذا فعلاً ما حدث معي أثناء زيارتي القصيرة خلال الأسبوع الماضي لمدينة غدامس التي أدارت محركات عقلي للتأمل والتدبر في حضارة عاشت فينا منذ 4000 سنة مضت، ووهبتنا إرثاً وتاريخاً وفناً ومعماراً لم تسعى الحكومة لاستثماره وتسويقه من أجل تأصيل هويتنا الضاربة جذورها في التاريخ ودورنا الإنساني في مسيرة الحياة. فهل تستفيق الحكومة من سباتها العميق وتمنح مدينة غدامس جوهرة الصحراء ولؤلؤة المتوسط ما تستحقه من عناية وتخطيط وتنمية شاملة لجميع مرافقها؟ أم ستظل الحكومة تحرم مدينة غدامس من أبسط حقوقها في التنمية .. والحياة؟

(10)

عودة للبداية

بعد هذه الرحلة مع عبق مدينة غدامس وتاريخها والتحديات التي تواجهها والفرص الاستثمارية الضائعة أعود وأطرح نفس الأسئلة الاستهلالية للمقال:

لماذا الحكومة الليبية تحارب عالمية مدينة (غدامس) السياحية والتراثية والتاريخية؟

لماذا التجاهل والإهمال للقيمة التاريخية والسياحية والحضارية لمدينة غدامس العريقة؟

لماذا وضع العراقيل أمام مشاريع التنمية التي تتهاطل على المدينة من الشركات والمؤسسات العالمية للاستثمار بالمدينة لبعث فرص لتشغيل شبابها وتنشيط الحركة التجارية والاقتصادية والسياحية بها؟

فهل نتوقع إجابة من الحكومة عليها؟ أم أننا سنظل نبحث عن الحكومة في التحديات التي تواجهنا … فلا نجدها؟

مقالات ذات علاقة

عندما يتحول الموت الى هدف الانسان في الحياة

أحمد إبراهيم الفقيه

السـطو.. ثـقافة أم نهـج؟!

عائشة بازامة

جلسة على ضفاف نهر التايمز

أحمد إبراهيم الفقيه

اترك تعليق