المقالة

ثقافة الكذب والسرقة

إعادة نشر في الذكر الـ6 لرحيل الكاتب إدريس المسماري

من أعمال التشكيلي محمد حجي.
مثقف من أعمال التشكيلي محمد حجي.

من كان منكم بلا فضيحة.. فليرجم جاره بفضيحة. الفضيحة: هي الاسم لفضح، بمعنى كشف المساوئ، وهي قريبه في الدلالة من فضح بمعنى كسر وهو الكسر الذي لا يكون الا في شيء أجوف، وانفضحت بمعنى انفتحت أو اتسعت، وهذا ما أورده مختار القاموس للشيخ الطاهر أحد الزاوي، وما يهمنا في هذا المقال هو الفضيحة، التي علمنا.. والله وحده العالم بكل شيء – أن لها أنواعا وألـوانا وروائح، إلخ! منها ما يخلف الصداع في الراس، والقرحة في المعدة وارتفاعا في ضغط الـدم يتطلب المعالجة الفورية – عافانا الله واياكم منها- وهناك نوع آخر من الفضائح يدغدغ المشاعر، ويسلي المكتئب ويرخي المصطول من الضحك، كما يفرح اهل الشماتة من هواة (مصائب قوم عند قوم فوائد) وفائـدة الفضيحة عند البسطاء من القراء إنها تجعلهم يرون مصيبة غيرهم فتهون عندهم مصائبهم المتعددة من إيجار البيت إلى فاتورة الماء والكهرباء، وديون البقال والخضار واللحام -وصندوق النقد الـدولي- فهؤلاء جميعا -ولله الحمد، الذي لا بعمد عل مكروه سواه – لديهم ديونهم المستحقة في رقاب مواطنينا العرب من خليجهم الى محيطهم.

أما بعد فقد علمنا ان للفضائح أنواعا، ولها كذلك أصحاب، وأصحابها صنفان من الناس صنف (يعملها) معتقدا -وله الحق في ذلك – ان الناس في وقتنا هذا لا تقرا وإن قرأوا، اما انهم لا ينتبهون، او لا يفقهون، ولكن مصيبته تقع حينا يصادف ان يقع الموضوع الذي كتبه او الحديث الذي ادلى به بين يدي أحد العاطلين عن العمل -وما اكثرهم- الـذين يقضون نهارهم على مقاعد المقاهي يشتمون هذا، وبين الفنجان والآخر، ينمون عل ذاك وفي اخر نهارهم يقشطون ما تحصلوا عليه من صحف ومجلات وأوراق لب، حينها يجد هذا العاطل الذي ليس له شغل فرصته في مسح الأرض بهذا الكـاتب او ذاك السارق او الكاذب فيـدبج فيه مقالا يكشف فعلته الفاضحة، فيفع الأمر على صاحب العملة (الفضيحة) وقوع الصاعقة، فتصيبه فضيلة برجوازية اسمها الخجل تغسل قميصه وملابسه الداخلية. فلا بجد مناصا من الصمت الذي هو خير سلاح للرد على طعنات الزمان الغادرة!!!

اما الصنف الثاني وهو الشائع، فهو صنف ينطبق عليه المثل الشعبي الذي يقول إن له (وجها أبرد من مؤخرة الصياد)، فهو يضع عينيه في وجه الصفاقة ويقول: أنا أصفق منك، بهلوان، حرفته، الاحتيال والكذب والدجل، يفعلها تحت شمس يوليو ولا يرمش له جفن ولا تلطخ جبينه، حبة عرق، يقول في جلساته الخاصة: (من كان منكم بلا فضيحة.. فليرجمني بالحجارة).

ولكي لا يطالنا القانون، والقوانين كثيرة – قانون العيب، او التشهير، او شرف الزمالة – فـإننا لن نبوح بأساء اصحاب الفضائح ولن نرمز لأسمائهم بالحروف الأولى تاركـين الأمر للبيب الذي بالإشارة يفهم، ولمن استعصى عليه الفهم. أول مرة أن يقوم بمراجعة بسيطة لعدد من مطبوعاتنا العربية وسيصل ان شاء الله الى المبتغى. وإذا وصل الى المبتغى وعرف المشار إليه فليبعث بكل هذه الفوازير عل عنوان مجلة «الناقد» إذا رغبت ان تنشر هذا المقال. وتفسح مجالا عل صفحاها للتسالي.


إدريس المسماري (ثقافة الكذب والسرقة)، مجلة الناقد، العدد: 60، 1 يونيو 1993م.

مقالات ذات علاقة

آخر مقالات الراحل يوسف القويري (مناقشات خيالية..البنية البدائية)

يوسف القويري

صيرورة لحدود الجنوب

رافد علي

علاقة الاتزانية بالوضع المحلي والدولي

علي بوخريص

اترك تعليق