قصة

مرارة

الجدارية، من أعمال التشكيلية الليبية مريم الصيد

وقفتُ انصت لحديث ابن عمي وعيني على وجهه الناضح بالغضب والحقد:

-ابنكم فقأ عين ابني بالحجارة، لن يطفئ غليلي سوى منحي دار الضيافة وهي في الأصل وفي خريطة جدي من حقي أنا.

شعرت ان الدنيا اسودت في وجهي، كيف امنحه دار الضيافة مكان صلاتي والأقرب الى قلبي؟؟!!!

” ابن عمي ليس مقرباً بالنسبة لي سوى بالدم، لم يعرف الاستقرار في حياته، تنقل وصال وجال في الأوطان، لم اتعرف عليه إلا عندما حلّ ضيفاً عندي تلك الليلة المشؤومة، اطلعني على خريطة مجهولة أراها لأول مرة، ادّعى ان جدنا من رسمها، طالبني بنصف بيتي بناءً على ما جاء فيها، بل بأكثر من نصفه، رفضت بقوة، شهد الجيران معي، لكنه لم يبرح منزلي، حتى الشرطة لم تستطع طرده، اقنعهم انه المالك الأصلي وصدقوه، اضطررت بعد مكوثه مدة طويلة متطفلاً علي ان اتفق معه، تنازلت، وأقمنا جداراً يفصلنا .

لن انسى رجفتي عندما رأيته مكشرا عن أنيابه ذات صباح، ماذا دهاه؟ لم تمضِ سوى فترة وجيزة على اتفاقنا !!! الم امنحه ما يريد؟

-اريد ان اضم دار المؤونة الى بيتي، في خريطة جدنا هي من نصيبي .

اجتمع جيراني عدة مرات، أخبروني عن وقوفهم إلى جانبي ومساندتهم لي، استعان هو باثنان من أقربائه -غلاظ شداد – زاروه اكثر من مرة في بيتي ليثبتوا حقه، عندما رأيتهم عصبة تنازلت عن دار المؤونة وانا اشعر انني في ورطة كبيرة…..”

افقت من شرودي وطعم مرارة الظلم في حلقي .

قلت محتداً:

-الم يفعلها ابنكم قبل ابني ؟ ونزولاً عند رغبة اقاربك تنازلنا عن حقنا وسامحنا.

– هذا شأنكم، اما نحن فلا نفرط في حقنا ابداً

طمأنني ابنائي عند عودتي، هوّنوا مصابي كعادتهم في كل مرة :

-لا تبتئس يا ابي، الجيران معنا، كلهم شهود على ملكيتك للبيت، ووعدونا بالمؤازرة.

تجولت بالبستان الملحق ببيتي، وقفت اتأمل في حزن اشجار الزيتون التي زرعها أبي، جفت اوراقها، يبس عودها وأغصانها، تشققت الارض التي تحتضنها، كيف لم انتبه انني اهملتها منذ اُبتليت به؟

لمحت ابن عمي في احد أركان البستان وضحكة ماكرة تعلو محياه :

-الم تفكر في الأمر بعد؟ سلمني دار الضيافة لترتاح ونحل هذه المشكلة، والا ..

تلاقت اعيننا للحظة، هالني الحقد المنسكب من عينيه ونبرة التهديد العابقة في صوته، فوجئت بحجر يُرمى عليه من احد الزوايا، لمحت طفلاً من احفادي يهرب بعيداً بعد ان فعل ما فعله، أصابه الحجر إصابة بسيطة في رأسه، صرخ على اثرها منادياً اقربائه مستنجداً بهم، إنها المواجهة بيننا لا محالة .

وقفوا صفاً واحداً والشرر يتطاير من اعينهم، في مقابلهم انا وابنائي واحفاد لم يتخطوا بعد مرحلة الطفولة. تساوت القوى في الجولة الأولى رغم شراستهم وقلة عددنا.

سألت ابنائي والأمل يدغدغني:

-الم يأت ِ الجيران؟

-لم يتوقفوا عن الدعاء لنا، ينتظرون فقط الأذن من آبائهم.

وقع ابني الأكبر، سالت الدماء غزيرة من رأسه في بداية الجولة الثانية، سألت بقية ابنائي والأمل يداعبني:

-اين الجيران؟

– قلوبهم معنا ولم يتوقفوا عن الدعاء لكنهم مازالوا ينتظرون الأذن من آبائهم.

في الجولة الثالثة اشتدت المعركة، اوقعنا منهم عدداً لا بأس به،

سقط ابني الأوسط بعد اصابته في احدى قدميه

سألت ابني الاصغر ونبضي يتسارع :

– اين الجيران؟

– الحماس يملأهم ولا يتوقفون عن الدعاء، لكنهم مازالوا ينتظرون موافقة آبائهم

في الجولة الرابعة اشتد القتال اضعافاً، استمتنا في المقاومة ولم يتبق معي سوى ابني الأصغر واحفادي الصغار البواسل

أُصيب ابني، وأُصيب معه ثلاثة من احفادي، اصطبغت ثيابهم وحبيبات التراب تحتهم باللون الأحمر، أستبد بي الأسى، ركضت نحوهم وقلبي يكاد يتوقف .

 قال ابني والألم يعتصر وجهه الشاحب:

– أنا واثق من دعمهم وحزنهم الكبير من اجلنا .

 صرخت بأعلى صوتي:

– أين هم ؟

– آبائهم مازالوا يتشاورون يا أبي.

مقالات ذات علاقة

المربوعة

محمد الأصفر

الكلب الراكض على حافة الطريق

أحمد يوسف عقيلة

صَــــــــــــــــــــوْتٌ …!!

جمعة الفاخري

اترك تعليق