طيوب البراح

خلود الفيروزيّة

موسى محمد الفاخري

فيروز - يا طير يا طاير
فيروز – يا طير يا طاير (الصورة عن الشبكة)

(1)

خرجت خلود بأجمل حلة من بيتها مسرعةً باتجاه الحديقة العامة، وما إن وصلت إليها حتى التقت بعشيقها ومضت تمشي بجانبه وكل منهما ممسك بيد الآخر. ظلّت طوال النزهة تنظر إليه بعينين عاشقتين، وهي ممسكة بيديه وتغني له:

“سألتك حبيبي لوين رايحين.

خلينا خلينا وتسبقنا سنين،

إذا كنّا على طول.. التقينا على طول

ليش منتلفّت خايفين”.

وما إن انتهى اللقاء بينهما حتى عادت إلى بيتها وهي ثملة من الفرح ومشاعر الحب.

أكملت خلود باقي ساعات يومها وهي لا تزال مبتسمة، وينبض قلبها بالبهجة، وكأنّها لا تزال داخل أسوار المنتزه رفقة عشيقها، كان الشعور الذي يعتلي قلبها يصور لها بين لحظةٍ وأخرى أنها لاتزال تسمع صوته وتشعر بيده تحتضن يدها، حتى إنّها لم تستطع النوم تلك الليلة، وأخذت تتخيل ذلك الموعد وذلك العشيق، وتغني بصوت رقيق:

“حبيتك تنسيت النوم يا خوفي تنساني

حابسني برّات النوم وتاركني سهرانة.

أنا حبيتك حبيتك”

وأكملت الأغنية وهي ترددها بصوت هادئ يبث الهدوء في قلب من يسمعه، حتى نامت نوم عميق.  وفي صباح اليوم التالي كانت تعلم بأن عشيقها مسافرًا في رحلة عمل، وإن لقاء الأمس بينهم يعتبر لقاء الوداع حتى إشعار أخر، إلا أنها تحاول جاهدة أن لا تقلق وألا تجعل هذا الأمر يفسد صباحها الجميل.

(2)

منذ فترة طويلة لم تتلقى خلود أي رسالة من عشيقها ولا حتى رد واحد منه على رسائلها اللانهائية؛ التي تبعثها إليه، وإن هذا الأمر بدأ يقلقها كثيرًا، فصارت تفكر به ليل نهار، لإن أشد ما يصيب العاشق هو غياب من يعشقه دون تواصل معه.

كانت كل ليلة تنظر في صورته الصغيرة التي تخبئها تحت سريرها، وتنهال عليها بالقُبل، وتتحدث معه ساعات طويلة على أمل أن يرد عليها بحرف واحد، تنظر إلى وجهه الشاحب في الصورة وتغني له:

“بعدك على بالي يا قمر الحلوين.

يا زهرة تشرين، يا ذهب الغالي.

بعدك على بالي يا حلو يا مغرور.

يا حبق ومنتور، على سطح العالي”.

وما أن تشرق شمس الصباح حتى يزداد التفكير والحب لذلك العشيق، لتكمل نهارها جالسة في غرفتها أمام النافذة، وتتطلع إلى السماء الصافية فيرسم لها شوقها على السحاب ملاحم وجهه، لتغوص في ذكرياتها الجميلة، وتبتسم وهي تتطلع في العُلى وتغني له لعلَّ نسمات الهواء توصل له غنائها:

“سألوني الناس عنّك يا حبيبي،

كتبوا المكاتيب وأخذها الهوا.

بيعزّ عليّ غني يا حبيبي

لأول مرة ما بنكون سوا”.

(3)

علمت خلود من قريب عشيقها أنه سيعود للبلاد قريبًا ليكمل حياته في بلاده قرب أحبابه وأهله، كان يشغل بالها الحب الذي يسكن قلبها، وتتسأل إذ كان مزال يبادلها نفس الشعور بعد هذه السنوات،

وما إن عاد للبلاد والتقت به حتى شعرت بأن هذا الحب يزداد في قلبها، وكذلك هو؛ كان لا يحوّل نظره عنها، وما إن صار الاثنان وحدهما، وتحدّثا عن أحوالهم وعن سفره، وأشتكى لها من غربته ومن بعده عن أهله وكل ما يحبه، وما إن قال لها أنّه أفتقد لغنائها حتى قالت له بصوتها العذب:

“راجعِين يا هوَى راجعِين

يا زهرة المساكين.

راجعِين يا هوَى على نار الهوى راجعِين”

أكملت الأغنية ونظرت إليه والدموع تسيل على وجنتيها، فابتسم ووضع يديه على وجنتيها وقبّل رأسها وقال: أنّ صوتك دفء للشتاء وبرودة للصيف. وأنّه لأجمل من صوت فيروز نفسها.

عادت حياة خلود كسابق عهدها، كما تعود السماء بالمطر لتسقى الأرض بعد فترة جفاف طويلة، تبدلت أحوالها ومزاجها منذ أن عاد عشيقها، وصارت العلاقة بينهم أعمق وأجمل بعد أن تمت خطبتهما. وكلما التقت به عادت تطرب مسامعه بأغاني فيروزيّة كما يحب أن يسمع منها، ففي ذات يوم، كانت تجلس بجانبه على الكرسي في المنتزه العام، وكانت السماء صافية والطيور تحوم حولهما مغردة بأجمل وأعذب الألحان، فوضعت رأسها على كتفه وغنت له:

” أنا لحبيبي وحبيبي إليّ،

يا عصفورة بيضاء لا بقى تسألي.

لا يعتب حدا ولا يزعل حدا،

أنا لحبيبي وحبيبي إليّ”..

مقالات ذات علاقة

طفل صغير

المشرف العام

قرص القمر

المشرف العام

لـولا البحـر مـا عرفـتك

المشرف العام

اترك تعليق