طيوب عربية قراءات

قراءة في كتاب: (إنقاذ المظاهر في مفهوم النظرية الفيزيائية من افلاطون إلى غاليلي) لمؤلفه بيار موريس ماري دوهيم

إيمان الباعوش – المغرب

غلاف الكتاب

الملخص:
يقدم هذا الكتاب وجهة نظر ابستمولوجية مستوحاة -في كثير من عناصرها- من العودة إلى تاريخ علم الفلك، وعليه، فهي وجهة نظر حول تاريخ النظرية الفلكية، تقوم أساسا على تتبع نشأة المشكل الأساسي في علم الفلك، والمتمثل في طبيعة الفرضية في هذا العلم إن وجهة النظر هذه حول تاريخ النظرية الفيزيائية. كما يلح صاحب هذا الكتاب أن يسمي مادرجنا على تسميته بالنظرية الفلكية عندما يتعلق الأمر بالعلم القديم، لاتقل أهمية عن التصورات الإبستمولوجية التي بدأت في التبلور منذ أواخر القرن التاسع عشر، وشكلت مادة من المواد الأساسية للنقاش بين مختلف التيارات الإبستمولوجية طيلة القرن العشرين، وخاصة ذلك النقاش الذي تقابل فيه أنصار التصور الواقعاني للنظرية العلمية مع أنصار التصور الوسيلاني.
تعريف بالكاتب:

الكاتب هو بيار موريس ماري دوهيم، الفرنسفيالديناميكا الحرارية، الهيدروناميكا، ونظرية المرونة كان دوهيم أيضا مؤرخا للعلوم، مشهورا بعمله في العصور الوسطى الأوربية التي ينظر إليها على أنها خلقت مجال تاريخ العلوم في العصور الوسطى. كما فيلسوف العلم، يتم تذكره بشكل أساسي بسبب آرائه حول عدم تجديد المعايير التجريبية، والمعروف اليوم بعمله في الديناميكا الحرارية الكيميائية، وعلى وجه الخصوص (تأثره ب Duhem-Margules) واامعادلات نهجه بشدة بالأعمال المبكرة ليوشيا ويلارد جيبس، والتي شرحها دوهيم وروج لها بشكل فعال بين العلماء الفرنسيين. في ميكانيكا الإستمرارية، يتم تذكره أيضا لمساهمته فيما يسمى الآن بعدم مساواة كلوسيوس ودوهيم.
كان دوهيم مقتنعا بأن جميع الظواهر الفيزيائية، بما في ذلك الميكانيكا والكهرومغناطيسية والكيمياء، يمكن اشتقاقها من مبادئ الديناميكا الحرارية. متأثرة بالخطوط العريضة لعلم الطاقة لماكوورن رانكين.


تعريف بالكاتب:
كتاب إنقاذ المظاهر لمؤلفه بيير دوهيم، كتاب من القطع الصغير يحتوي على مائتين وثلاث صفحات الصادر عن دار الفاصلة للنشر سنة (2020)، من ترجمة الأستاذين: يوسف العماري الذي يشتغل أستاذا للفلسفة وتاريخ الأفكار العلمية بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان. ومحمد أبركان الذي يشتغل أستاذا للفلسفة وتاريخ الأفكار العلمية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وقد قدم لهذه الترجمة الأستاذ عبد المجيد باعكريم الذي يشتغل أستاذا للفلسفة والإبستمولوجيا بالمدرسة العليا للأساتذة بمكناس.

عرض الكتاب:

موقف إنقاذ المظاهر إنبثق من تربة خصبة، وهو (علم الفلك) طبعا نعلم أن علم الفلك موضوعه الأساس هو دراسة حركات وأحجام الكواكب مثله مثل الرياضيات.
فعندما طرح أفلاطون مشكل عدم انتظام الأجرام السماوية، أمام من كانوا يبحثون في هذا الغرض ومن ضمنهم أرسطو، ويتمثل هذا المشكل في الإنخراط علميا لإيجاد حل لعدم انتظام حركة الكواكب. “سلم أفلاطون مبدئيا بأن الأجرام السماوية تتحرك حركة دائرية منتظمة، فوضع أمام الرياضيين المشكل التالي: ماهي الحركات الدائرية المنتظمة وفي الإتجاه نفسه تماما التي يجدر افتراضها كي يمكن إنقاذ المظاهر التي تظهر على الأفلاك”.
وفي قائمة هذه الأسماء تجدر الإشارة إلى أدكسس (توفي حوالي 350ق.م)، في حين توفي أفلاطون (347ق.م). وميلاد أدكسس (408ق.م) أفلاطون ولد سنة 428ق.م) لايذكر اسمه في الفلسفة لأنه تعاطى للعلم أكثر من الفلسفة، بحيث سمع بأن هناك شخص اسمه أفلاطون ومكتوب على باب أكاديميته لايدخلها إلا من كان رياضيا) . لكن ينبغي الإشارة هنا إلى أن أدكسس هذا العالم الذي انخرط في البرنامج الأفلاطوني. ووضع فرضيات لعدم انتظام الكواكب وبالتالي تقول عنه كتب التاريخ أنه هو من يستحق صفة (عالم الفلك) لكن السؤال الذي يظل مطروحا. ماطبيعة هذه الفرضيات؟ هل هي فرضيات رياضية وهندسية بالخصوص؟
بحيث أن أدكسس افترض كرات أو دوائر لها نفس المركز، على خط استواء أقرب كرة أو دائرة إلى الأرض وبالتالي افترض 27 كرة أو دائرة على خمسة كواكب. افترض ثلاث كرات لكل من الشمس والقمر وأربع كرات الخمس التائهة. لم يكن يفترض أن نجد أربع كرات في السماء.
وفي نفس الأكاديمية كان كاليبتوس (عاش في النصف الثاني من ق4 قبل الميلاد) قد تنبأ بمسار الكواكب. هذا هو المشكل الذي استحث جهود أدكسس وكاليب فكان إنقاذ المظاهر الغرض الوحيد الذي لأجله ألفا فرضياتهما: وماعدل كاليب بعض النقاط في توليفة الدوائر المتراكزة التي رتبها أدكسس إلا بسبب عدم توافق فرضيات سلفه مع بعض الظواهر، فأراد أن تنقذ هذه الظواهر أيضا”.


لم يكن غرض العالمين الرياضيين أدكسس وكاليبتوس حسب ماتذكره الدراسات التي تؤرخ لعلم الفلك تقديم تفسير لحركات الكواكب، وإنما كان غرضهما تقديم فرضيات رياضية هندسية من أجل وصف حركات الكواكب.
ونلاحظ أن هذا الوصف يتم بواسطة التمثيل الهندسي (هندسة الدائرة) أو شكل الدائرة، وذلك لغرض أساس يتمثل في التنبأ بمسار الكواكب. وهكذا فلم يهتم كل من أدكسس وكاليبتوس بمسألة ما إذا كانت هذه الدوائر تمثل أجساما موجودة في السماء. بل كانت بالنسبة إليهما مجرد إنشاءات رياضية.
لكن النقاش حول مشكلة أفلاطون لم يتوقف عند موقفي أدكسس ومعاصره كاليبتوس بل استمر مع ارسطو تلميذ أفلاطون الذي أضاف إثنان وعشرون كرة ليصبح عدد المرات والدوائر، هو ستة وخمسين وهذا ما ينفعنا إلى الخروج باستنتاج مفاده أن ارسطو لم يهمل ما كان أدكسس وكاليبتوس قد أنجزه.
وقد اشترط أرسطوأن تكون هذه الدوائرأجساما أي مكونة من مادة بسيطة، وهي الأثير وبالتالي فأرسطو لديه خلفية فلسفية، ولهذا يرجح الرياضيات (أي هناك عالم متفوق القمر وعالم ماتحت القمر) فالعالم هو دائرة كبيرة تضم كواكب أي دائرة بالأثر الذي تخافه على صفحة القمر، وبالتالي فالكون شكله دائري هذا هو المنطق الكوسمولوجيا لأرسطو.


من هنا سيأخذ أرسطو وجهة أخرى للإشتغال على برنامج أفلاطون تتمثل هذه الوجهة في اعتماد الفيزياء والكوسمولوجيا عوض الرياضيات الصرفة لأرسطو (ت: 322ق.م).
“يتعين على النظرية الفيزيائية أن تفحص مايخص ماهية السماء والنجوم، قوتها وكيفيتها، كونها وفسادها”.
لكن النظرفي هيئة العالم ازدهرقبل الميلاد اقتباسا من التصورات البابلية والمصرية وغيرها، فتكونت فرضيات مختلفة وامتحنها المتهمون على ضوء الرصد المنظم، المعبر عنه في جداول لطلوع الكواكب وغروبها وأزمنة الكسوف والخسوف والإقترانات، ومنذ القرن الرابع قبل الميلاد تقدم النظر الفلكي في النضج وأصبح يتبنى الصياغة الرياضية في إثباتاته.
ويعتبر كتاب “المركب الرياضي” الذي أنشأه بطليموس حوالي 170 خلاصة أهم الأفكار التي وصل إليها العلماء آنذاك والكتاب يقدم المعرفة المراكمة، ويضعها في سياقها المعرفي والفكري، حيث يرى أن علم الفلك جزء من التكوين الفكري العام الذي يرشد إلى تأمل النظام الكوني والجمال الإلهي. ويعتبر أن مهمة البحث هي تبين العلاقة بين الأرض باعتبارها في شموليتها والسماء في شموليتها، يستخدم الكتاب آليات حسابية وهندسية لتنظيم نتائج الرصد توضيحا الأفكار وتوخيا الدقة.
يعتبربطلميوس أن عدم الإنتظام الظاهرفي حركات الأجرام، يجد حله في تخيل دوائر مركبة بعضها على بعض إذ لابد أن حركات الأجسام العلوية دائرية، فأخذ بآلية تقنية ابتدعها هيبرخس ومثلها بنموذج هندسي أدمج فيه آلية فلك التدوير، لقد أسند بطليموس إلى كل كوكب من الكواكب المنكسرة فلكا مجاورا لأفلاك الكوكب الذي يتقدمه وللكوكب الذي يليه، إذ يتحرك الكوكب بين السطحين الكوريين المتراكزين مع العالم اللذين يحدان فلكه، وتنتج حركته عن فرضيات كثيرة ومعقدة تم عرضها في كتاب المجسطي. فكيف السبيل إلى تصور توافق بين هذه الفرضيات ومبادئ الفيزياء؟ بعبارة أخرى ماهي الشروط التي يحق للفيزياء، أن تلزم بها فرضيات علم الفلك؟.
سؤال لم يتوقف عنده بطلميوس، وهو رياضي وعالم فلك أكثر منه فيلسوف. لكنه لامسه في مقطع يظهر معناه بالغ القوة والدقةعندما شرح بالمقارنة مع كل ماقيل آنفا. وبالتالي بطليموس كان دائما يقر بفكرة مفادها أنه لايجب المقارنة بين الأمور الإنسانية والأمور الإلهية، بحيث جعل من الرياضيات العلم المعتمد في حل المشاكل التي تطرحها حركات الكواكب السماوية.
وبهذا الصدد يقول في كتاب المجسطي: “لقد عقدنا العزم على جعل هذه العلوم الرياضية موضوعا لتأملاتنا وأعمالنا، ولقد اخترنا وفصلناعلم الحركات السماوية (الفلك). وهو علم موضوعه خالد ومنزه عن التغير، وهو يقبل هذه الدرجة من اليقين والبداهة والنظام، وهذه هي خاصية العلم..”.
ويمكن القول إن بطليموس كان أفلاطونيا في تفكيره، فالفلك البطلمي يحمل في طياته عيوبا عادية، من قبيل الطابع التوفيقي لتقديراته؛ ولكنه يحمل عيبا مهما يتمثل في أن النموذج الهندسي المستعمل لايعبرعن واقع الأفلاك بل هما وسيلتان تقنيتان لرسم الإختلاف في المسافات بين الأجرام، إذ الأصل أن الحركات دائرية لكن الملاحظ غير ذلك وهو مادعي لاحقا بالتناقضات بين نتائج الرصد والأصل العقلي في الفلك البطلمي.
إن الإنتظام موجود لكن على مدى بعيد؛ أما الإدراك العادي اليومي فيقع على مظاهر من عدم الإنتظام، مثل كون الكواكب والشمس التطلع ولاتغرب عند نفس الموقع في الأفق إلى درجة أن دارسا حديثا اتهم بطليموس بالغش قائلا: “طور بطليموس نظريات فلكية معينة واكتشف أنها غير موافقة الملاحظة وعوض أن يطرح النظريات انتحل عمدا ملاحظات من النظريات لكي يتمكن من ادعاء أن الملاحظات تثبت صواب النظريات”.
هذا الأمر الذي أدى إلى بروز مواقف نقدية في هذا الصدد يمكن أن نستحضر موقف (ابن الهيثم) وهو الموقف الذي كان أحسن سبكا وأكثر شيوعا. ففي عرضه الحركات التي قدرها بطليموس للكواكب، يعلق قائلا “وقد بقي أن نبين الطريقة التي ارتكبها بطليموس في الهيئات التي قررها الكواكب، وهي أنه جمع كل ما صح للمتقدمين وله من حركات كل واحد من الكواكب، ثم تطلب هيئة تصح أن توجد في أجسام موجودة تتحرك تلك الحركات”.
بحيث وضح أن العيوب في الفلك البطلمي متعددة، لكن جوهر العيوب يتمثل في الإختلاف بين افتراض انتظام الكواكب وبين اصطناع آليات هندسية فيما يسمى بإنقاذ المظاهر.
وللتوسع في الموضوع ينبغي الرجوع إلى مقالات “أخلاقيات الإعتراض في العلم عند النظار المسلمين شكوك ابن الهيثم على بطليموس نموذجا: “بحيث يقول الكاتب في هذه المقالة” إن القارئ لمقالة الشكوك على بطليموس قد ينتبه بغير صعوبة للبرنامج النقدي الذي وضعه صاحبها لنقد أفكار بطليموس في عامين هما الفلك والمناظر، حيث يتناول بالتقدم ثلاثة كتب لبطلميوس وهي: المجسطي والإقتصاص والمناظر. هذا وإن كان الأول هو الذي نال النصيب الأكبر من نقد ابن الهيثم. بيد أن هذا البرنامج النقدي لايتضمن فقط تقديم ملاحظات نقدية تهم المنهج الذي سار عليه بطليموس والمنهج التي تحصلت له بهذا السير، وإنما يتضمن أيضا ضوابط أخلاقية، قيد بها ابن الهيثم نفسه، وقد يصح عندها شروط يقتضيها أي تفاعل نقدي.
أما فيما يخص كتاب (دورات الأفلاك السماوية) لكوبرنيك يتضمن الكتاب ستة أقسام أو مقالات. الكتاب الأول يتحدث فيه كوبرنيك عن بنية الكون كما تنقل لنا الكتب، التي تتحدث عن هذا الكتاب القسم الأول يتحدث فيه كوبرنيك عن بنية الكون والأسس الفيزيائية التي يقوم عليها الكون أما القسم الثاني من الكتاب فهو مخصص للحديث عن الأمور الرياضية في علم الفلك هذا ونجد القسم الثالث يتحدث عن حركة الشمس الظاهرة. كما تظهر لنا بالحواس، كما خصص القسم الرابع للحديث عن حركات القمر وظاهرة الخسوف، والقسمان الأحيان الخامس والسادس خصصهما كوبرنيك للحديث عن حركات الكواكب في الطول وفي العرض. هذه هي مكونات الكتاب حسب مانجده في الدراسات التي تتحدث عنه.
وفكرة النظام الجديد للكون، أي حركة دوران الأرض حول الشمس نجدها متضمنة في الفصل العاشر من القسم الأول الذي يتحدث عنه كوبرنيك عن بنية الكون.
لكن السؤال الذي يظل مطروحا من صاحب التمهيد الموجود في مقدمة كتاب دورات الأفلاك السماوية، “إن صاحب هذا التمهيد هو أندري أسياندركما كشف عن ذلك كبلروقد كان رجل دين والتمهيد كالتالي: “لا أشك البتة أن الشهرة قد أذاعت جدة الفرضية المتبناة في هذا العمل، أي فرضية كون الأرض متحركة بينما الشمس ساكنة في مركز العالم؛ كما لا أشك البتة أن بعض العلماء قد صدموا بشدة فحكموا عليها حكما سيئا، كوننا قد قمنا بالإخلال بالصنائع الحرة القائمة منذ أمد طويل على أسس متينة…”.
ومن خلال مضمون هذا التمهيد يبدو أن صاحبه كان يريد أن يقرأ قراء هذا الكتاب فكرة مفادها أن حركة الأرض هي مجرد فرضية هندسية غرضها إنقاذ المظاهر، ولكن للتعبير بتاتا عن واقع موجود وهو الواقع الفيزيائي؛ وبهذا فهي لا تختلف عن فرضيات بطليموس إلا في قدرتها على وصف مايحدث في السماء وصفا دقيقا، والسؤال الذي يظل مطروحا؛ هل هذا التمهيد يعكس ماقاله كوبرنيك؟ وما الغرض الأساسي في هذه الفرضية
كما يمكن أن نتحدث في هذا السياق عن الموقف المعاصر لإنقاذ المظاهر وهو موقف بيير دوهيم، بحيث أن هذا الموقف شمل تاريخ العلم مع اليونان حتى بيير دوهيم (فرنسي وابستمولوجي له عدة مؤلفات نذكر منها sauver les apparences, Essai sur la théorie physique de Platon à Galilée.
دون أن ننسى الوضع الذي كانت تمر منه الأفكار العلمية، فمنذ جيوردانو برونو (أحرقته الكنيسة)، أخذت طائفة من الفلاسفة بشدة على أندري أسياندر التمهيد الذي وضعه على صدر كتاب كوبرنيك.
ولم يتم التعامل مع الوصايا المقدمة لغاليلي من لدن بلارمان وأوربان الثامن، منذ يوم إصدارها بأقل صرامة، بحيث قدر فيزيائيو زمننا على نحو أدق مما فعله أسلافهم بحيث أن الحتمية الحقيقية، لعلم الفلك هي الفيزياء، وقد شهدوا على نهايات كثيرة ظلت إلى عهد قريب تعد يقينيات. فالواجب عليهم اليوم الإقرار والتصريح بأن المنطق كان لصالح أسياندر وبلارمان وأوربان الثامن، لا لصالح كبار وغاليلي وأن أولئك قد استوعبوا الحمولة الحقيقية للمنهج التجريبي.
بيد أن تاريخ العلم يعجل بكبار وغاليلي فيضعهما في مقام المصلحين العظام المنهج التجريبي، بينما لايذكر أسماء أسياندر وبلارمان.
لكن السؤال الذي يظل مطروحا لماذا تشبت بيير دوهيم بفكرة إنقاذ المظاهر وهو معاصر؟ لإجابتنا عن هذا السؤال يمكن أن نقول أن بيير دوهيم كان معتكفا في الكنيسة، ولأنه كان رجل دين قبل أي اعتبار آخر. دون أن ننسى الإنتقادات التي وجهت لبيير دوهيم ويمكن الإشارة هنا إلى مقال الوصف والتفكير الدارس بناصر البعزاتي بحيث يمكن اعتباره مقالا نقديا لموقف إنقاذ المظاهر، جاء في هذا المقال مايلي: “تكون تصور إنقاذ المظاهر في سياق الخلاف بين التصورات التي سادت في الأكاديمية واللكيوم حول منهج العلم ووظيفته وعلاقته بالوقائع الطبيعية. ولايوجد إجتماع حول طبيعة رؤية أفلاطون بالضبط بعلاقة البناء النظري بالطبيعة؛ إذ بالرغم من أنه يتبنى الأسلوب في الدراسة التجريبية للظواهر…” وربما كما يقول بعض الدارسين، واع بأن توجد وراء المظاهر علاقات خفية تحددها، يجب أن تكون موضوع البحث حيث أشار إلى أن مهمة النظر هي تجاوز المحسوس للوصول إلى المستور؛ غير أنه بقي عند هذا الإقرار، وكان ذلك في أواخر حياته. ولهذا صيغ مبدأ إنقاذ المظاهر الذي يزعم أن كنه النظرية العلمية هو وصف الظواهر… لأن صاحب المقال يستحضر النقاش الذي دار بصدد فكرة كوبرنيك أن أسياندر حاول أن يجعل من فكرة كوبرنيك مجرد فرضية، رياضية لاتعبر عن شىء يحدث في الواقع الفيزيائي. فإذا كان أسياندر دافع عن موقف إنقاذ المظاهر فيما يخص فكرة كوبرنيك، فإن صاحب الرأي رأى بأن هذا الدفاع كان مجانيا للصواب، لأن أقوالا وردت في كتاب كوبرنيك تكشف على أن هذا الأخير كان يريد لفكرته أن تعبر عن واقع فيزيائي. وبالنسبة لأسياندر فهذه مجرد فرضية، لايجب أن نعتبرها أنها تعكس الخلفية العلمية.
وأخيرا فكتاب إنقاذ المظاهر، يقدم في مجمل فصوله وتفاصيله وجهة نظر ابستمولوجية مستوحاة في كثير من عناصرها من العودة، إلى علم الفلك بدءا من أفلاطون إلى غاليلي، وأيضا تسلط الضوء على إشكال أساسي يتمثل في موقف الكنيسة من العلم والعلماء إن وجهة النظر هذه حول تاريخ النظرية الفيزيائية وبالتالي يمكن أن نعتبر هذا الكتاب، بمثابة وثيقة علمية وصريحة عن تاريخ الفلك والفيزياء عموماً.


الدروس المستفادة من العرض:
من ضمن أهم الدروس المستفادة من هذا العرض، وخصوصا من كتاب إنقاذ المظاهر كيف أنه تم التعرف على بيير دوهيم باعتباره فيلسوفا وعالم رياضيات متضلع في العلوم زيادة على ذلك تاريخ العلوم هو تاريخ تصحيح وتراكم خبرات .

المراجع المعتمدة:
الخوارزمي، أبو جعفر. كتاب الجبر والمقابلة، تقديم علي مصطفى مشرفة ومحمد مرسي أحمد، مصر: دار الكاتب العربي، 1968
الرازي، أبو بكر محمد بن زكريا. المناظرات بين أبي حاتم الرازي وأبي بكر الرازي، ضمن رسائل فلسفية (لأبي بكر الرازي)، بيروت: دارالآفاق الجديدة، 1991
الجرجاني، أبو سهل عيسى بن يحيى المسيحي. كتاب المئة، ضمن مقال غادة الكرمي، “كناش في الطب العربي” (بالإنجليزية)، مجلة تاريخ العلوم العربية، مجلد 2، عدد 2، 1978، ص 270-290
بيير دوهيم، إنقاذ المظاهر في مفهوم النظرية الفيزيائية من افلاطون إلى غاليلي، طنجة: دار الفاصلة للنشر، 2020.

مقالات ذات علاقة

‘مزرعة الفردوس’ رواية ليبية تستذكر الزمن الضائع

المشرف العام

الكينونة الإنسانية وسلطة المجتمع والرموز اللغوية

إبراهيم أبوعواد (الأردن)

دردشة على حافة (سمها .. وخذ بلاداً) للشاعر عبدالباسط أبوبكر محمد

سالم أبوظهير

اترك تعليق