قصة

أقْوَى الأَسْلِحَة

من أعمال التشكيلي المغربي خليل بوبكري (الصورة: عبدالمجيد رشيدي-المغرب)

لا عجب في أن يسميه رُوَّادِه “النجمة المُظْلِمة“، فعلى الرغم من أنه أفخم مقهى فضائي نقَّال في هذا الطرف من المَجَرَّة إلا أنه بعيد عن أي كوكب أو نجم، ليس سوى بُرْج هرمي أسود عملاق معلَّق دائماً وسط فراغ فضائي مُظلم ما بين المجموعة الشمسية القديمة و”المرأة المسلسلة“، أقرب المجرَّات إليها، للقادم إليه من بعيد تبدو بعض النوافذ التي تتخلل جسمه وكأنها مصابيح صغيرة تشع من ثقوب في الفضاء حالك الظلمة، إلا أن أصحابه أحسنوا اختيار موقعه هذا منذ البداية، فهو لا يقع فقط في منتصف أعرق الطرق التجارية التقليدية في هذا المكان من المجرَّة بل وحتى أكثرها ازدحاما، لذا تجده يعج دائماً بِزُوَّار يشكلون خليطاً عجيباً من أجناس وأنواع مختلفة، بشر من كافة مستوطناتهم وكذلك “مُسلسليين“! طيبون وطماعون، عسكريون ولصوص ومحتالون وعلماء، لا عجب إذاً أن يكون مكان أذكى أذكياء المجرة لِعَقْدِ أضخم الصفقات ربحاً، لكنه بالنسبة لي لم يكن سوى مكان مثالي للاسترخاء اليومي بعد عناء عمل يوم أرضي كامل.

ما أن ركنت عربتي في محطته السفلية وولجت مدخله الرئيس الشاهق حتى لفحت وجهي تلك الحرارة المعتادة لذلك الصخب الحميم الذي تشتهر به القاعة الرئيسة الفسيحة، عشرات من الزبائن يتناثرون هنا وهناك، الجالسون حول المناضد السابحة في الهواء يتسلَّون بشراب أو لعبة إلكترونية جماعية أو فردية، المُتَحلِّقون معاً حول المناضد الطائرة الدوَّارة ببطء حلزوني يتصاعد ويتنازل مع آخرين لم يتعرَّفوا عليهم إلا منذ لحظات يقهقهون ويمرحون بصخب قد يبدو شاذاً للبعض الآخر، نُدَّل تستغرب تنقلهم السريع ما بين المناضد رغم تناثرها في الأبعاد الثلاثة، زبائن يتجمعون و يتفرقون بسرعة خاطفة حول فرد منهم أو منضدة، إلا أن القليل منهم فَضِّل أن يظل متكئاً بصمت يتابع منظر القاعة وزبائنها ببلاهة من إحدى الشُّرْفات العديدة المعلقة على ارتفاع شاهق، مطلقاً العنان لأنفه في أن يسحب ما يشاء من  رائحة شراب “البركة” الذي ملأت سحابته الكثيفة سقف القاعة، أما الأصوات فَحَدِّث ولا حرج، إمتزجت أصوات الآدميون بأصوات المخلوقات “المُسلسلية” بالأصوات الإيقاعية التي يُعِدُّها البعض ما تبقى مما كان يسمى “موسيقى” في الماضي الأرضي السحيق!

لكنني لم أتوقع أن أراه هو بالذات في ذلك المساء، لمحته بصعوبة جالس وسط الصالة تماماً قرب إحدى المناضد الدوَّارة، ثملاً كعادته يمارس لعب القمار الجديد مع بعض السذج من “المُسلسليين”، إنه “الفريق أول مَجَرَّة متقاعد تأبط شراً”، رفيق أبي في كل الحروب التي خاضاها معاً، لا عجب على أي حال أن أجده في هذا المقهى الفخم، فهو بعد أن تقاعد قرر أن يَصْرِف كامل ثروته للاحتفاء بانتصاراته ـ كما يقول – على طريقته الخاصة حتى آخر لحظات عمره، وكثيراً ما كان يقول لأبي إنه سيعوض كل تلك السنين التي حرمته الحياة العسكرية من الاستمتاع بها.

إقتربت منه، وما أن رآني حتى فرح بلقائي ودعاني بحرارة للجلوس معه ثم أشار إلى رفاقه بأن يتركوه لوحده، ما أن انسحبوا حتى جلست قبالته وغرقنا في مجاملات تقليدية، سرعان ما أثارت انتباهي تلك القلادة الفخمة اللامعة التي كان يعلِّقُها دون غيرها على الجزء العلوي الأيسر من صدره، إستغربت كيف يعلق وساماً عسكرياً على زي مدني في مكان صاخب أقل ما يقال عنه إنه بعيد عن الانضباط العسكري الذي اشتهر به شخصياً، ترددت في سؤاله، لكنه أحس باهتمامي به، فالتفت إليه ولمس حافته بين سبابته وإبهامه الأيمن، نظر إليه مَلِيَّاً وقلَّبه عدة مرات ثم التفت لي وقال باسماً:

هل أعجبك؟ إن له قصة لا أظن ضابطاً في أي مكان وزمان لا يفخر بتردادها تكراراً لحد الملل ولو كان في قمة تواضعه

فركت رأسي بحذر وأنا أمعن النظر ملياً فيه، لكن قبل حتى أن أخبره برغبتي من عدمها في سماع القصة حمل كأسه من فوق المنضدة وأفرغه في جوفه، ثم أعاده على المنضدة ليندلق الكلام من فمه بعد ذلك كنهر جارف: 

لم يقتنعوا بأننا الأقوى والأقدر على استعمار واستثمار ثروات كوكبهم المائي بشكل أفضل، فاكتسحناه كاملاُ بالقوة، وفي غضون بعض سنوات أرضية لم يتبق منه إلا معقل وحيد كان آخر جيوب المقاومة، إلا أنه على العكس مما كنا نتوقع كان الأكثر قوة من بين كل أشكال المقاومة التي حاربناها، في الواقع فشلت جميع أسلحة فيالق جيوشنا حتى في هز أركانه، ليس غريباً ذلك على أي حال، إذ أنهم أجهدوا عقولهم و سواعدهم من أجل تعزيز أركانه بصفته آخر معاقلهم ورمز مقاومتهم التاريخية المستمرة، كان مستوطنة صغيرة أُنْشِئَت في فجوة في قاع البحر الشرقي العظيم، في موقع منزوي يُعَدُّ نقطة تقاطع جبلين عظيمين لا ينتأ منهما أعلى سطح الماء إلا بعض قممهما، كان يغلف كامل المستوطنة قبة عظيمة ظل كامل جسمها تحت سطح الماء بعدة أمتار أرضية، كانت مصنوعة من معدن شفاف هو أقوى معادن كوكبهم الذي أثبت قدرته على مقاومة الحرارة والبرودة طوال ملايين السنين، لقد أفلحت علومهم المحلية في أن تُمَكِّنُهُم أخيراً من تكتيل جلاميد هذا المعدن ليغطي كامل مستوطنتهم الصغيرة، لكنهم لم يكتفوا بذلك، إذ حفروا سلسلة خنادق دائرية عميقة معقدة أحاطت بمستوطنتهم هذه، ثم كان ذلك الغلاف غير المرئي من الطاقة الصافية الذي منع أي تجسس سمعي أو بصري أو حتى عقلي عليهم، وكأن كل هذا لا يكفي نمت فوق هذه المستوطنة أعشاب بحرية عملاقة جعلت من المتعذر رؤية أي شيء فيها بالعين المُجَرَّدة

هنا توقف الفريق المتقاعد فجأة عن الحديث وكأنه استيقظ من سبات عميق، وفي اللحظة التي ظننت أنه سيكمل قصته أسرع يقبض بيده اليسرى على كأسه الفارغ ويضغط بسبابته اليمنى زراً على المنضدة أمامه ليمتلئ الكأس بالشراب حتى حافته، كنت أظنه سيبتلعه كسابقيه لكنه توقف عن الحركة واستغرق في التفكير وكأنه يسترجع أحداثاً من أبعد أركان ذاكرته، بعد دقائق أكمل حديثه وعينيه معلَّقتين في الكأس قائلاً:

لكننا لم نيأس، كنا لا نتوقف عن محاولة اقتحام هذا الموقع الحصين، وطوال 200 سنة أرضية لم تنجح كل الخطط التي وضعها أركان حرب البحر والجو، كما أن كل شجاعة قادة وأفراد فيالق قواتنا الخاصة فشلت في اقتحام هذا الموقع، فظلت أشلاء أجسادهم ومركباتهم مدفونة جزئياً أو كلياً مبعثرة عشوائية حول القبة طوال الـ200 سنة الماضية، تشهد بخجل على ضعف قدرتنا العسكرية تجاهها، لكنها تشهد أيضاً على عظمة تصميمنا المعنوي المستمر لاقتحامها، فظل أفراد المستوطنة البالغ عددهم نحو 9000 يعيشون بكامل حريتهم في منازلهم مع زوجاتهم وأبناؤهم، يولِّدون طاقة حياتهم بداخل تحصينهم هذا دون حتى الحاجة للخروج

في هذه اللحظة خفَّض العم المخمور رأسه حتى لامست شفتيه كأسه، رشف رشفة منه دون أن تترك قاعدته المنضدة أو تتركه يده اليسرى، أحس ببرودة الشراب فجفل عنه ثم ارتسمت على وجهه علامات تقزز، إلا أنه يبدو وكأن ذاكرته نشطت قليلاً من جرَّاء هذه الرشفة إذ سرعان ما رفع رأسه عالياً ونفخ صدره وتأهب للحديث حتى ظننت أنه سيخطب إحدى تلك الخطب القديمة التي كان يُخَدِّر بها رؤساء الدويلات الأرضية القديمة شعوبها المغلوبين:

ومع ذلك كنت الوحيد من بين كامل ضباط جيشنا الغازي لهذا الكوكب الذي نجح في تركيع تلك المستوطنة، لم تنجح قواتي في اقتحام هذه البوابة فقط بل دخلتها من بوابتها الرئيسة دون أن نضطر إلى إهدار حزمة أشعة واحدة!

لم أفاجأ لكلامه المغرق في الأنانية هذا، فأنا أعرف عمي “تأبط شراً” جيداً، لكن لأنني أردت أن أتأكد من أن ما يقوله هو نتيجة للشراب لا الزمن سألته بأدب جم:

أليس في كلامك شيء من المبالغة يا عمي؟

حسناً خُذ هذه أيضاً: لم نستعمل أسلحتنا إلا في اشتباك قصير ضعيف مع حرس البوابة بعد ولوجنا المباغت لها، وحتى ذلك الاشتباك القصير لم يُسْفِر إلا عن بعض قتلى من حماة المستوطنة، فبرأيك كيف نجحت في ذلك؟

هنا لم أتمالك نفسي، أحسست بضرورة تنبيهه إلى أن يعود إلى صوابه فقلت له مبتسماً:

أيعقل هذا؟ هل أفرطت في الشراب يا عمي أم هي دعابة؟

هيا، حاول أن تفكر قليلاً، سأساعدك، لم يُخْدَش أيٌ من رجالي ولو خدش بسيط، وبعد دقائق من اقتحامنا لتلك المستوطنة وجدنا قادتها مكبلين تحت قدمي، هل تصدق أن هؤلاء الأحفاد الذين ورثوا المقاومة جسداً وعقلاً صاروا بعد بعض دقائق مكبلين أمامي؟ أعترف لك أنه نظراً لشجاعتهم لم يتم تنفيذ أمر الموت فيهم واكتفينا بسجنهم في المستوطنة الجدباء المجاورة، لكن أيمكن أن تستوعب كيف تمكنت سرية واحدة من أن تنجز كل هذه الإنجازات؟

حسناً قلت في نفسي، لم لا؟ إن التاريخ العسكري البشري متخم باللا منطق، فلم لا يكون هذا السلاح المزعوم أحدها؟ لذلك أطرقت بجدية أفكر في الأمر لعلي أجد إجابة، وبعد لحظات قلت له:

الحق أن كل هذا غير معقول، إلا إذا كنتم قد حصلتم على سلاح سري جديد مكَّنكم مثلاً من كسر هذه الجدران؟ أم هي مجموعة أسلحة؟

بل استعملت سلاحاً واحداً فقط، وهو أقدم الأسلحة، سلاح قديم قِدَم التاريخ البشري الملطخ بالدماء!

أتقصد أنك استعملت مسدسات وبنادق طلقات؟ هل تسخر مني؟ منذ قليل قلت لي قبة من أقوى المعادن وغلاف طاقة إلى غير ذلك، ثم تقول لي الآن إنك استعملت سلاح قديم؟

إنني جاد تماماً في كل ما قلت، فقط فكر قليلاً، حسناً سأساعدك أكثر، لقد دخلت ورجالي بوابة المستوطنة بعد أن فُتِحت من الداخل وبشكل عادي تماماً، هيا، حتى الطفل يمكنه أن يُسمي الخطة الآن!!

لم أتمالك نفسي هنا من أن أتمم بيني وبين نفسي قائلاً: (طفل؟ هذا إذا ولد شيخاً في المائة وكان في دهاؤك!)، أَحَسَّ بعجزي عن الإجابة، فنظر لي ملياً ثم قال باسماً وهو يهز كلتا يديه أمامه بعد أن لمس إبهام كل منها طرف سبابتها ووسطاها المضمومين:

يا بني لقد استعملت سلاحاً لا يُكَلِّف إلا قيمة مالية حقيرة، سلاح بالرغم من دناءته إلا أنه نجح دوماً في قتل أعظم القادة وأشجعهم على مر التاريخ البشري الدموي، ألم تعرفه بعد؟

في الواقع أعجبتني الحكاية فعلاً فصرت أُقَلِّب فكري بجدية محاولاً أن أجد إجابة، لكن لأنني أردت أن أنقل له حيرتي تجاه المتناقضات التي يطرحها أمامي قلت له:

أفهم ما تقصد، لكن أن تقول لي سلاح قديم وفي مواجهة هذه القلعة المحصنة، فهذا ما لا أستطيع الربط بينه، أتقصد سلاح قديم في تاريخ أهل ذلك الكوكب؟

وهل هناك حضارة تفوق حضارتنا في وسائل القتل والإبادة والتلويث؟ حينما أقول لك قديم فإنني أعني قديمنا نحن البشر، فلماذا تريد نزع هذا الشرف منا؟ الحق أنني محبط قليلاً يا بني، فمع كل التقدير الذي حصلت عليه من قادتي إلا أنهم رفضوا تنفيذ مقترح صغير لي، فقد أردت إنشاء نصب تاريخي يخلد هذا السلاح القديم، الذي سيكون كذلك وسيلة تُبين لباقي الأمم أن حتى أسلحتنا القديمة فعالة جداً في حسم أي صراع لصالحنا، هيا ألم تعرف سلاحي بعد؟ أهكذا تستسلم سريعاً؟ أنت لست أرضي أصيل، أين ذلك الإبداع في القتل والإبادة والتلويث الذي تميَّز به أجدادنا وجداتنا طوال التاريخ؟

لكنني عجزت فعلاً عن الإجابة بالرغم من محاولتي في ذلك، ولأنه شعر بأنه قد يفقد هذا المساء جليساً نادراً من أولئك الذين يستطيع أن يتلذذ أمامهم بالظهور كبطل أسطوري أسرع يقول:

حسناً سأبسط لك المسألة بشكل أكبر، فبالرغم من أن خطتي تبدو للوهلة الأولى معقدة للغاية إلا أنها إضافة إلى عتاقتها هي في غاية البساطة، أساسها هو نجاحي في فتح بوابة المستوطنة سراً بالطريقة الاعتيادية التي تفتح بها بلا أي قوة، بل أنها فتحت بهدوء وبطء شديدين

إلى هنا شعرت بعجزي التام في أن أصل إلى أي إجابة، في ذات الوقت تملكتني رغبة شديدة في أن أثري خبرتي المتواضعة بالتعرف على هذا الحل العبقري ـ إذا كان بالفعل حلاً عبقرياً لا إرهاصات عجوز ثَمِل ـ لذا قلت له متلهفاً:

حسناً يا عمي، أعترف لك أنني فشلت، وإنك تجدني الآن شغوف لحد الموت في أن أعرف هذا السلاح الفَتَّاك الذي استخدمته

هنا قهقه منتشياً بصوت عال لمدة طويلة بينما كانت يده اليسرى ترفع كأسه عالياً، وبعد أن أرهقته موجة القهقهة الطويلة التي أطلقها لحد اللهاث أخذ شهيقاً عميقاً ثم قال لي:

إسمع يا بني، صحيح هو سلاح فتَّاك لكن أتعلم أنه جاءني طواعية؟! الحق أعترف لك: لم أطلبه، لم أبحث عنه، وإنما جاءني لوحده ووجدت نفسي فجأة بإمكاني استغلاله مقابل ثمن زهيد مُثير للحقارة! ألم تعرفه بعد؟ حسناً سأريحك الآن

أفرغ في جوفه ما بقي من شراب كأسه في جرعة واحدة ثم وضعه على المنضدة وانضمت يده اليمنى إلى اليسرى في الإمساك بقاعدته، أخذ شهيقاً عميقاً، وبينما كانت عينيه تُحَدِّقان بعيداً عن المكان قال:

في يوم كنت فيه قلقاً جالساً لوحدي في مكتبي دخل عليَّ مدير مكتبي يقول لي إن أحد سكان المستوطنة قادماً سراً منها يود مقابلتي على عجل، لم تستغرق جلستي معه أكثر من 20 دقيقة أرضية، تصوَّر؟ 20 دقيقة أنهت حرب استمرت 200 سنة أرضية! لقد وجدت نفسي فجأة أمام أعتى الأسلحة التي استخدمتها البشرية بنجاح تام في كل صراعاتها، لكنني لم أكن أتصور أنه سينجح حتى في ذلك الكوكب النائي …

ألم تعرفه بعد يا حضرة المُقَدِّم؟ … ما بك؟ … إنه … إنه سلاح الخيانة يا بني!!

15/08/1999


فازت بالترتيب الأول في مسابقة “المقاومة في أدب الخيال العلمي” التي نظمتها “الجمعية المصرية لأدب الخيال العلمي” في الفترة من منتصف شهر يناير إلى منتصف شهر يونيو سنة 2019

مقالات ذات علاقة

نادر

حسين نصيب المالكي

طفولة

جمعة الفاخري

قصص قصيرة

خالد السحاتي

اترك تعليق