تقارير

المصراتي الذي آمن بالوطن باكرا

الطيوب : تقرير / مهنّد سليمان

الأديب الراحل “علي مصطفى المصراتي”

علي مصطفى المصراتي اسم أعرف من أن يُعرّف وأشهر من أن يُكتب عنه أو يُعرّف بإنتاجه العلمي والمعرفي، ذاع صيته وبلغ نجمه الآفاق مذ عاد إلى موطنه بعد رحلة سنوات طويلة قضاها وأسرته في ديار المهجر والمنفى صادحا (لبيك يا وطني لبيك ها أنا قد عدت إليك) فهذه أولى العبارات التي احتضن بها تراب الوطن ليطوف في أرجائه مناديا بالإستقلال وهاتفا بحياة الشعب مخاطبا إياه على ضرورة شحذ الهمم، والتشمير عن السواعد لبناء الوطن الواحد بالعمل والعزم والإيمان وروح الجماعة، لاريب بأن للأديب الراحل الذي نستذكر اليوم حلول الذكرى الأولى لوفاته مساهمات جليلة في عدة ميادين سياسية وفكرية وتاريخية وأدبية، فهو لم يضنّ بجهده ووقته بل وحياته في سبيل الإرتقاء بمجتمعه والنهوض به ثقافيا وحضاريا، ولعل ظروف نشأته وتكوينه التي حظي بها بين ظهرانيّ البيئة المصرية جعلته يتمتع بقابلية حسنة ومرونة طيبة وثقافة عالية تخلّق بها أيّما خُلق حيثما وطئت قدماه، ففي المجتمع المصري الذي قضى فيه مراحل طفولته وصدر شبابه الأول أحيط المصراتي بزخم اجتماعي وثقافي وحضاري كانت تموج به ألوان الحياة المصرية وصنوفها ليزدهر وعيه وتنمو ملكاته بينما كانت ليبيا في المقابل غارقة في لُجج الظلام تستوطنها الأوبئة والأمراض وآفات العصر، وتمزّق الأمية والجهالة أوصال شعبها بفعل تكالب قوى الاستعمار البغيض عليها ومحاولاته طمس جذورها التاريخية والحضارية، والترويج لحقيقة مزيفة مؤادها بأن ليبيا عبارة عن صندوق من الرمال في إشارة إلى أنها منقطعة عن صيرورتها الحضارية، وأثرها بين الشعوب والأمم الأخرى، وهذا ما حث المصراتي على أن يأخذ على عاتقه تبني مشروع يبرهن من خلاله لليبيين وللعالم أن صحراء ليبيا تطمر تحت رمالها الكنوز والنفائس العلمية والجمالية والمعرفية التي لا تقل شأوًا عن تجارب الآخرين، وأن لليبيا حضور مؤثر في المضمار الإبداعي والديني والإنساني، ودلالة ذلك أنه ممن آمن بالوطن وبشدة، ليمضي المصراتي في مهمته الشاقة باحثا ونابشا ينفض غبار السنون عن عدد من المخطوطات والوثائق القديمة، فعمل على إعادة تنقيحها وتحقيقها وإظهارها للعالم، هذه المهمة هي المشروع الحقيقي الذي أعاد المصراتي من ديار المهجر، وهو جانب نهضت عليه تجربته.

الدور النضالي للمصراتي في الحياة السياسية
بالإضافة لدوره الحيوي والكبير في الحياة السياسية ، وهو ما سنضيء عليه في سياق هذا التقرير حيث يُحدّثنا الدكتور “فاتح قدارة” أستاذ التاريخ بجامعة الزاوية عن مرحلة النضال السياسي للأديب الراحل، وكذا دوره كخطيب في حزب المؤتمر الوطني الذي أسسه وتزعمه السياسي الراحل “بشير السعداوي” مستهلا حديثه بتعريف الخطابة كفن (يُعد فن الخطابة من أبرز فنون الإلقاء ومشافهة الناس في تراثنا العربي الإسلامي، ومن عظمة تأثيرات الخطب والخطباء في تعديل وتشكيل آراء الناس حول القضايا المطروحة قيل: إن الخطابة في يد الخطباء المهرة سلاح ماض، وبيان مؤيد ومؤثر لا يرد، فكلمات الخطيب تغزو القلوب، وتقتحم العقول، وتجمع الناس وتحشدهم، ويزخر التراث الإسلامي بالخطباء الذين وظفوا مهاراتهم الخطابية كأداة للدعوة، أو للقضايا التي يتبنونها ويدافعون عنها، وتطور فن الخطابة حتم تعدد أساليب الخطابة وأنواعها بين الخطابة الدينية والسياسية والاجتماعية، وساد في عالمنا المعاصر الاعتقاد بأن الخطابة كفنِّ قد تجاوزها الزمن، وتوارت خلف التطورات التقنية والتطبيقات التكنولوجية المتسارعة، غير أن المتمعن في التطورات السياسية والاجتماعية الراهنة في أعتاء الديمقراطيات السياسية، والدول الأكثر تقدما من الناحية التقنية يلمس بوضوح تلك المُكنة والدور الذي لا يزال يتمتع به فن الخطابة السياسية والاجتماعية، ودورها الأساسي في تشكيل وإعادة صياغة الرأي العام السياسي والاجتماعي، وإعادة توجيهه نحو الساسة أو القضايا المطروحة.

لبيك يا وطني لبيك
ويؤكد الدكتور قدارة بأن مرجعية هذا التقديم المختزل هي محاولة منا للاندماج في إحدى مواهب المرحوم على مصطفى المصراتي، المناضل، والأديب، والمؤرخ المحقق ، والقاصّ… وغيرها من المواهب التي جعلت من المصراتي مثقفاً موسوعياً، وعلامة فارقة ومميزة، ومنتجة للثقافة الوطنية الليبية في مختلف دروب الثقافة خلال السبعين سنة الماضية، إضافة إلى الحضور النضالي والسياسي والاجتماعي الطاغي، والذي جعلنا نسقط من مؤرخاتنا واحتفاليتنا بالمصراتي لحظة التعارف بينه وبين الجمهور السياسي والثقافي الليبي، لحظة تعارف كانت صادمة وقوية وملفتة للانتباه، وتحديداً في مطلع (مارس 1948م)، وفي وسط الجموع التي احتشدت لاستقبال أعضاء هيئة تحرير ليبيا، بزعامة بشير السعداوي ورفاقه من الزعامات الوطنية المهجرة والمخضرمة ،واحتشدت الناس لاستقبالها، وفي مرحلة من مراحل حفل الاستقبال تقدم ذلك الشاب الأسمر النحيف، الذي التحق بعضوية جبهة تحرير ليبيا سنة 1947م، تقدم ليلقي خطبة وهو يلتحف الجبة والقفطان، اللباس الأزهري المميز، خطبة استهلها بعبارته المشهورة (لبيك وطني… لبيك).

الخطيب المفوّه

كما يضيف بالقول : كانت خطبة علي مصطفى المصراتي من الناحية السياسية البداية الفعلية للعمل السياسي لبشير السعداوي وأنصاره على أرض الوطن، الذين انخرطوا في حزب المؤتمر الوطني العام، كنتيجة لاندماج أغلب الأحزاب الطرابلسية، وفي الوقت ذاته كانت تلك الخطبة البليغة إيذانا ببداية حالة مستجدة من حالات الوعي المجتمعي بقضايا الوطن، ونضال نخبه المهاجرة من أجل الاستقلال والوحدة، وهي لحظات فارقة في حياة المسألة الليبية، كثيرا ما أثيرت حولها التساؤلات، حول قضية الوعي السياسي المجتمعي بين الليبيين الذين يرزحون تحت حمل ثقيل من التبعية، والسياسات الاستعمارية البغيضة، وما خلفته من موروث من الأمية والتخلف السياسي والاجتماعي، وفقدان وسائل التواصل بين النخب المناضلة والناس الذين يرزحون تحت وطأة ذلك الموروث الثقيل.

متسائلا هل يمكننا في هذا المقام أن نطرح فرضية أن الخطابة السياسية التي كانت السمت المميز لتلك المرحلة، ساهمت في تطور الوعي المجتمعي والسياسي بالقضية الليبية وأبعادها المحلية والدولية، وكانت من العلامات البارزة لهذه المرحلة خطيب المؤتمر الوطني العام وهيأة تحرير ليبيا علي مصطفى المصراتي، فرضية قد لا تلقى ترحيبا كبيرا، وإن كنا نعتقد ونقول بها، ليس من باب الاحتفاء بالمصراتي فحسب، بل في محاولة لإيجاد تفسير واقعي لذلك التيار من الوعي الجمعي، والاندماج الشعبي مع القضية السياسية الليبية في الحواضر والأرياف البعيدة عن مراكز التأثير المعتادة، ففي أعقاب زيارات السعداوي وركبه، بدأت تتشكل فروع لحزب المؤتمر الوطني العام، في حالة من حالات النضوج الساسي المدرك والمتابع والمتفاعل مع مسار القضية الليبية، بل وأخذت تلك الفروع تدرك مصالحها ومع من تصطف في المراحل اللاحقة، من خلال إعادة التموقع بحسب تطورات قضية الاستقلال والأطراف المتصارعة.


وأشار الدكتور فاتح إلى إن الخطيب علي مصطفى المصراتي ساهم بشكل مباشر في سريان ذلك الوعي المجتمعي بالقضية الليبية، وكان له دور حاسم في الإلمام بقضايا الوطن والاستقلال والوحدة بحسب طرح المؤتمر الوطني العام، ونؤسس هذا الاعتقاد الاجتهادي على الشهادات والمصادر الصحفية المعاصرة لتلك المرحلة التاريخية المفصلية في التاريخ الليبي المعاصر، ولعل المتغير الأهم الذي وثّقت له تلك الشهادات، إجماعها على اعتماد أغلب النخب الاجتماعية والسياسية على الخطابة والخطباء في الدعوة لرؤيتها السياسية، بل إن التحاق المصراتي بركب السعداوي لم يكن موقفا نضالياً من مهجر ليبي للديار المصرية، التي ناضل بعصامية من بناء تكوينه العلمي ، بل كان مبنياً على مساعٍ مدركة من قبل منظمي ركب السعداوي، بالحاجة إلى وسيلة التواصل المباشر والمؤثر مع وسط تقليدي مثقل بتجربة وميراث ثقيل من التخلف والانكفاء على الذات المحلية.

موضحا أيضا أن فكرة انتقاء المصراتي جاءت ليكون لسان حال الركب مبنياً على المعرفة التامة بمواهبه الخطابية، التي قادته قبل الالتحاق بهيئة تحرير ليبيا للمشاركة في التظاهرات ضد الإنجليز في القاهرة، وهي المواهب التي كان مخططاً لها في رحلة السعداوي الأولى إلى ليبيا في مارس 1948م، وكان من أهدافها الأساسية إيجاد قاعدة شعبية في أرض الوطن؛ لتساند نضاله السياسي، وتعزز موقفه التفاوضي؛ استعدادا للتواصل مع المنظمات الدولية والإقليمية والإدارة البريطانية الحاكمة، لاسيما وأن أغلب قيادات هيأة تحرير ليبيا كانوا من النخب المهجرة قسريا على يد السلطات الاستعمارية الإيطالية، وانقطعوا لعقود عن التواصل المباشر مع الليبيين، الذين تكاثرت حولهم محاولات الاستمالة، وإعادتهم للربقة الاستعمارية مجددا، عشية مقدم لجنة التحقيق الرباعية الدولية، المناط بها سبر مواقف الليبيين ورؤيتهم لمستقبل بلادهم)، ويتبيّن لنا في ختام تقريرنا بأن الأديب الراحل لم يمارس دورا سياسيا كأي سياسي آخر بقدر ما كان يمارس نوعا فذا من الوطنية التي حملها نبراسا على كتفيه مجاهدا بالحرف والكلمة مندفعا كأبناء جيل ذاك الزمن البعيد نحو أحلامه بوطن حقيقي تشرق على أديمه شمس الصباح.

مقالات ذات علاقة

تفاصيل الساعات الأخيرة من حياة الفنان محمد حسن

المشرف العام

صحفيو ليبيا، طريق مليء بالمخاطر والعُنف

المشرف العام

جمعية غدامس للتراث والمخطوطات بين الجهود الأهلية وضعف الامكانيات

مهند سليمان

اترك تعليق