قراءات

عز الدين اللواج في رؤيته لإشگالية “الخانق والمخنوق”

ينشر بمناسبة أربعين الراحل: عزالدين اللواج

قراءة وتحليل:  محمد يوسف المصري | نائب رئيس تحرير الأهرام (مصر)

كتاب (الخانق والمخنوق.. وجهات نظر في الفكر والسياسة) للكاتب عزالدين اللواج
كتاب (الخانق والمخنوق.. وجهات نظر في الفكر والسياسة) للكاتب عزالدين اللواج

عندما فرغت من قراءة هذا الكتاب شعرت بأن مجمل صفحاته وعلى الرغم من الأضواء الساطعة القوية التي تسلطها على بعض من أُمهات الإشكاليات العربية والدولية المعاصرة، إلاَّ أنها تصنع في مجملها أيضاً صرخة قوية عميقة خشيت عليها فى الضياع من صحراوات العرب الواسعة، والتي  كثيراً ما تضيع فيها مثل هذه الصرخات المستنيرة!.

ربما من أجل ذلك شعرت بضرورة أن أتوجه بالتحية مرتين مرة “لمنشورات المؤتمر” التي يشرف عليها الإعلامي العربي الكبير الأستاذ محمود البوسيفي والتي تتيح لقراء العربية داخل ليبيا وخارجها فرصة الاطلاع على هذه المختارات الإبداعية الواعية والمتميزة التي تقدمها عبر سلسلة إصداراتها الثقافية والسياسية والفكرية ومن بينها هذه الصرخة القوية المضيئة!.

والمرة الثانية للصديق الأستاذ عز الدين اللواج رئيس تحرير جريدة قورينا والذي أمكنه أن يدفع بطاقة هائلة من الرغبة في تحريك سواكن الكتب التي يمكن أن تكون متاحة في سائر المكتبات العربية سواء عبر الإشكاليات التي يثيرها في كتابه “الخانق والمخنوق” أو المراجع العديدة التي عاد إليها لتعزيز ما يذهب إليه وما يقول به، أو لوجهات النظر والآراء التي أبداها عبر كتابه “الخانق والمخنوق” في بعض من أُمهات القضايا العربية والعالمية التي يبدو واضحاً أنه انتقاها بدقة وعناية سواء من مقالاته المنشورة بمجلة “المؤتمر” أو بحوثه التي نشر البعض منها بمجلة السياسة الدولية ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ، حيث يعرف عن المؤلف أنه أمضى ردحاً من حياته باحثاً في مراكز دراسات محلية مثل المركز العالمي للكتاب الأخضر، ودولية مثل مركز دراسات الوحدة العربية، وأنه تميز دائماً بتحليلاته ورؤاه ونزوعه نحو المعرفة الشاملة والموسوعية وخصوصاً في مجال العلوم السياسية.

الأزلية وملامح الواقع؟!

ومنذ اللحظة الأولى لقراءة ما يقدمه عز الدين اللواج من معلومات أو مرجعيات يخلص منها إلى آرائه ويستند إليها في بناء وجهات نظره في سائر القضايا التي ضمنها كتابه “الخانق والمخنوق” يبدو واضحاً أمام القارئ أنه أمام باحث ومحلل يتمتع بقدرة أصيلة على إثارة الجدل فيما يثيره من قضايا وإشكاليات، وأن هذه الطبيعة التي يبدو أنها أصيلة فيه إنما تكشف عن مدى إيمانه بتعددية الفكر وتطلعه إلى الرأي الآخر، وشعوره العميق بأن الرأي الواحد ليس من طبيعته أن يكون قادراً على كشف الحقيقة في كل الأحوال.

إنه هذا البعد الإيماني الكامن في أعماق الشخصية العربية بصفة عامة الذي يتفجر من بين سطور الخانق والمخنوق مؤكداً على أزلية الصراع بين قوى الخير وقوى الشر، إنها ليست ظاهرة عابرة أو موقف لحظي آني في حياة البشر، ولكنه قانون سرمدي خالد يحكي مقاصد ومضامين ومفاهيم وقيم الحركة البشرية التي هي قوام الوجود الإنساني فوق الأرض. ولعله بذلك يفتح نوافذ الأمل وبوابات الدعوة إلى العمل الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض إزاء قتامة المشاهد العربية القائمة ورداءة السلوكيات الصادرة عن هذه المشاهد وتخلف القوانين الحاكمة لمضامينها ونواتجها السلوكية والحركية خصوصاً وأن الآفاق العالمية سواء في جوانبها العدوانية أو المتحضرة تظل ماثلة على نحو غير مباشر في كل سطور الكتاب وطول الوقت .

إشكاليات الحكم  المستبد، وخصوصيات  القهر الثقافي

على أن صعوبة حقيقية سرعان ما تواجه الرغبة في تقديم عرض أو تلخيص لكتاب »الخانق والمخنوق« فمهما كانت المحاولة ناجحة فإنها لا يمكن أن تغني عن ضرورة الرجوع إلى الكتاب نفسه وقراءة ما ينطوي عليه من آراء ووجهات نظر على نحو مباشر سواء بالنظر إلى أهمية القضايا والإشكاليات التي تصدّى لها الباحث عز الدين اللواج وهي في مجملها قضايا جوهرية نرى ضرورة أن يكون القارئ العربي والأكثر ثقافة على وجه الخصوص ملماً بأبعادها، ومتابعاً لمنابعها ومن أين جاءت؟ وكيف تمضي؟.

أو لأن وجه الصعوبة الآخر يتمثل في أن الباحث تحوّل إلى جراح دقيق ماهر وهو يمسك بمشرطه التحليلي شارحاً ومشرحاً لمكونات كل إشكالية من هذه الإشكاليات تحديداً للأسباب التي يكون في تقديمها على وجه الجملة نوعٌ من الإهدار لجهود الباحث واستخلاصٌ النتائج التي يكون في تقديمها على وجه الجملة تكراراً لذات الخطأ.

محاور إشكالية الثقافة  وخلاصة نتائج  التشريح

في صفحات هذا الكتاب الأولى يبحث عز الدين اللواج في جبروت الخانق وآهات المخنوق حيث تبدو صورة المثقف العربي وتحدي الدولة التسلطية وكأنها جهد متواصل من جانب الدولة التسلطية لحرمان المثقف من الحياة دون إخراجه منها!!. وبطبيعة الحال فإن مثل هذه العلاقة من الشروع الدائم في القتل لا تكون قاصرة على المثقف وحده إنها تكون مناخاً عاماً ينتج ما يتعرض له الكاتب بالشرح والتوضيح على أن المثقف هو الذي يظل دائماً في موقع البؤرة والهدف من هذه الأجواء. والباحث المحلل عزالدين اللواج يتطرق في تشريعه لهذه الإشكالية الأولى إلى عدد من المحاور الصانعة للإشكالية وطبقاً لما وردت في أوراق الكتاب فإنه يرتبها على النحو التالي:

استراتيجية الطبقة  المتمجدة

فخاخ الإغراءات التي تنصبها هذه الطبقة المتمجدة للمثقفين وبدائلها والنتائج التي يمكن أن تفضي إليها وتأثيراتها على المجتمع المعني ككل.

* المثقف المخنوق وعقبة الخطاب السلطوي.

* عندما يتحول المثقف إلى جُرذ.

* عنف المثقفين وأسبابه؟!

عبر تشريحه للمحاور الأربعة السابقة يتوصل الباحث إلى مجموعة من الاستخلاصات المقتضبة التي يرتبها على “حجم الملامح المأساوية التي تتضمنها جدلية الخانق والمخنوق في خضم ملمحها المتعلق بالمثقف الإصلاحي المهموم بقضايا مجتمعه” ويشير الباحث في هذه الاستخلاصات المقتضبة أيضاً إلى مدى خطورة التداعيات السلبية المترتبة على انعدام متغير الحكم الصالح في منطقتنا العربية التي يغلب على منظومتها السياسية طابع تسلطي قائم على ثنائية “أبوية، رعوية” تتم بشخصنة السلطة، حيث يرتب هذه الاستخلاصات على النحو التالي:

سلوكية تضييق الخناق على المثقف العربي، ونفوذها إلى أدنى العلاقات والتفاصيل الحياتية بأشكالها المختلفة. سعي الطبقة المتمجدة إلى لعب دور بارز في تفكيك المشهد الثقافي المحلي من خلال الاحتواء بالمال أو المنصب من ناحية والإقصاء من خلال العنف المادي والمعنوي من ناحية أخرى.

التداعيات السلبية للخطاب الذي تتبناه الدولة التسلطية العربية على المثقف المخنوق وإنتاجه الإبداعي وفي المقابل محاصرته بنسخة معرفية واحدة وتبني ثلة من الغوغاء لمفردات هذا الخطاب المتشدد الذي يجسد في العادة ملمح التوظيف السلبي المنغلق للأيديولوجيا السياسية.

الممارسات السلوكية السلبية واستفحال أمر العنف الثقافي سواء على صعيد قيم التفكك وإنكار الآخر أو على صعيد الممارسات النفسية القمعية للخانق وذئابه المفترسة.

لذلك كله يدعو عز الدين اللواج إلى ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى تعميق وعي المثقف الإصلاحي المهموم بقضايا واقعه المجتمعي بأبعاد ومضامين جدلية الخانق والمخنوق والتي يقول: إن مقاربته البحثية ليست إلاَّ عبارة عن رؤوس أقلام مختزلة أراد من خلالها تفتيح بعض الحقائق المرتبطة بموضوعية معاناة المثقف العربي مع دولته التسلطية أو دولة الثقب الأسود على حد قوله.

على أن عز الدين اللواج لا يتوقف عن تشريحه لهذه الإشكالية قبل الوصول إلى تحديد أشكال وأنماط عنف المثقفين، وكذلك تحديد الأسباب التي تسفر عن مظاهر عنف المثقفين حيث يشير في هذا الإطار إلى أربعة محاور رئيسية يرتبها بدورها على النحو التالي:

 أولاً: سيطرة التأويل الفكري المغرض بين جمهور المثقفين.

ثانياً: انقسام المثقفين إلى مجموعات ثقافية يقول إن من أبرز مميزاتها رفض التنوع الهادف إلى تفعيل آليات الحوار الحضاري الخلاق وإن الظروف إذا مكنت لإحدى هذه الجماعات فإنها سرعان ما تسعى إلى تهميش باقي هذه الجماعات.

ثالثاً: وعلى المحور الثالث يشير الباحث إلى تنوع وتعدد وسائل وأساليب العنف الثقافي ويذكر من بينها انتشار الغيبة والنميمة والتشكيك في أمانة غير المرضي عنهم، والتشهير بواسطة بث الشائعات الكاذبة والسعي من أجل التقليل من إنجازات وإبداعات المختلف معهم وتسخير ما يسمي بصحافة ومجلات الفضائح الثقافية من أجل ممارسة التشهير والقمع.

رابعاً: تسيير المشهد الثقافي المحلي بعناصر قيادية تنتمي في تكوينها الشخصي إلى ما يسميه الباحث بنمط “المثقف الجاهل” والذي يصفه المبدع الراحل الصادق النيهوم بأنه “نمط شخصوي متعلم واسع الاطلاع منحاز إلى الحق واثق من أقواله صفته الظاهرة أنه يملك إجابة نهائية عن كل سؤال لأن معلوماته مستمدة في رأيه من مصدر علوي غير قابل للخطأ” على أن الباحث لا يقصر رؤيته على مرحلة آنية لكنه يتطرق بالمقارنة إلى ما تحتويه صفحات التاريخ عن بعض نماذج المبدعين الذين كتب لأعمالهم الخلود حتى يومنا هذا وربما لعصور طويلة قادمة!.

قراءة في أهم فصول  حياتنا:  “الإعلام العربي  وتحديات العولمة”!

نقطتان جوهريتان كانتا تسيطران على وجداني عندما شرعت في قراءة هذه الإشكالية الثانية من بين جملة الإشكاليات التي يثيرها الكاتب والباحث عزالدين اللواج في كتابه الذي نعرض لإشكالياته عبر هذه الأوراق »الخانق والمخنوق«.

النقطة الأولى هي أن الإعلام سواء كحرفة أو كوظيفة ليس عملاً في المطلق ولكنه عمل منظم وحرفة موظفة، وأن الإعلام إذا لم يوظف في خدمة الشعوب ومصالحها، فإنه سوف يجد من يوظفه ضد مصالح هذه الشعوب، لأن الإعلام هو حرفة لا يمكن الاستغناء عنها وخصوصاً مع تعقيدات الحياة الاجتماعية والدولية الحديثة.

ثم إن أكثر من ثلاثين عاماً من العمل الصحفي في كبريات الصحف العربية وربما في أدق مواقع المسؤولية الصحفية جعلتني على قناعة كاملة بأن هناك قاعدة غير مرئية تعد من أهم القوانين الحاكمة للأنشطة الإعلامية الآن وعبر كل عصور التاريخ وهي أن الباحثين عن الأخبار أو المروجين لها كانوا يذهبون إلى ساحات  المعارك أولاً، ثم أن الجنود كانوا يذهبون إلى ميادين القتال بعد ذلك!.

وحسناً فعل الكاتب والباحث عز الدين اللواج حين قدم لإشكالية الإعلام العربي وتحديات العولمة بتوطئة تاريخية عاد معها إلى المنابع التاريخية التي نبعت منها حرفة الإعلام سواء كتعبير عن غريزة حب المعرفة لدى الإنسان الفرد أو كإحدى أسلحته في مواجهة المجهول من ناحية والعمل على تأمين مصالحه لدى الآخر من الناحية الأخرى.

صحيح أن هناك العديد من الإشكاليات المتعلقة بحرفة الإعلام –صناعة الإعلام- وخصوصاً في ظل ثورة الاتصالات وثورة المعلومات سواء تعلقت هذه الإشكاليات بأخلاقيات هذه الصناعة العصرية الضخمة أو القوانين الحاكمة لأنشطتها والمنظمة لأدائها بالمقاييس الحضارية التي تتحدث عنها البشرية كثيراً ولا تصادفها -فى الواقع إلاَّ قليلاً إلى غير ذلك من إشكاليات المهنة.

إلاَّ أن الباحث تعمد الدخول مباشرة إلى صلب الإشكالية التي حددها سلفاً والتي أرى أنها إحدى أهم إشكاليات الوجود العربي المعاصر وهي إشكالية الإعلام العربي وتحديات العولمة وقد رأى عز الدين اللواج أن يقوم بتحليل هذه الإشكالية عبر المحاور التالية:

* ما هي ظاهرة العولمة؟ وما تجليات هذه الظاهرة؟

* أهم سمات وخصائص إعلام العولمة.

*أهم ملامح الواقع الراهن للإعلام العربي ومدى قدرته على مواجهته التحديات التي تفرضها العولمة الإعلامية.

لكي يخلص من التحليل الذي قدمه لكل محور من هذه المحاور إلى تقديم عدد من المقترحات التي يرى أنه من الواجب إقدام الإعلام العربي عليها في سبيل المواجهة الفعالة لتلك التحديات.

ولأن الاقتراحات التي يقدمها الباحث في ختام تحليله لعناصر هذه الإشكالية تكشف الأخطاء في مناسبة تقديمها للحلول المقترحة فإننا نكتفي بالإشارة إلى هذه الاقتراحات والتي رتبها الباحث على النحو التالي:

* تطوير “ميكانيزمات” المشهد الديمقراطي العربي عبر توسيع نطاق المشاركة الشعبية الفاعلة ووضع حد لنمط الدولة التسلطية “الدولة التي تنزع إلى الاحتكار الفعال لمصادر السلطة والقوة، عن طريق اختراق المجتمع، وتحويل مؤسساته إلى تنظيمات تضامنية تعمل كامتداد لأجهزة الدولة”.

* الاستغلال الأمثل للعقول العربية المتميزة في مجال تقنيات الثورة المعلوماتية والاتصال والسعي الحثيث نحو توطين تقنية تلك الثورة ومن ثم الاستفادة منها في المجال الإعلامي.

* تفعيل الاتفاقيات الإعلامية الموقعة بين مختلف الدول العربية وعدم التعامل معها من منطلقات قطرية ضيقة.

* تطوير الآليات التنموية والحراك الاقتصادي في المنطقة العربية.

* تحديث الخطاب الإعلامي العربي، من خلال تطوير مضمونه وجعله يتضمن أسساً “أمبيريقية” تتجاوب مع متطلبات المرحلة.

* الاستفادة من دراسات وأبحاث علم النفس في مجال تطوير وسائل التأثير على المتلقي العربي.

* الانتباه لأزمة القيادات المسيّرة لقطاعات الإعلام في النظم السياسية العربية واختيار الرجل المناسب في المكان المناسب وتأهيل ورفع مستوى العناصر الإعلامية المسيرة له.

* أهمية إعطاء دور فاعل ومؤثر لمؤسسات المجتمع المدني المرتبطة بقطاع الإعلام، وعدم تضييق الخناق عليها، ومساعدتها على تطوير منظومة حقوق الإعلاميين العرب.

* تطوير المقررات الدراسية الموجودة في كليات وأقسام الإعلام الموجودة في مختلف الجامعات العربية وكذلك العمل على تفعيل الخطاب التربوي العربي بشكل عام.

* وفي توصيته الأخيرة، في مجال الخطوات الواجب على الإعلام العربي اتخاذها في مواجهة تحديات إعلام العولمة يطالب الباحث عز الدين اللواج بضرورة تكاثف الجهود من أجل تجاوز الأزمات الذاتية التي تمر بها منظومة الثقافة العربية، والتي يرى أن تداعياتها قد انعكست على القطاعات الإعلامية باعتبار أن الإعلام هو أهم الأدوات الناقلة للثقافة.

جانب من المحنة العراقية “الإشكالية الثالثة للخانق والمخنوق”!

الجهد الكبير والمتميز الآخر الذي يكشف عنه كتاب »الخانق والمخنوق« للكاتب الأستاذ عز الدين اللواج تكشف عنه صفحات الإشكالية الثالثة، من بين ما يعرض له »الخانق والمخنوق« من إشكاليات جوهرية عربية في عالمنا المعاصر والباحث هنا يكثف بحثه حول المحاور التالية:

* صدام حسين شهيد الفوضى الخلاقة.

* خطة بوش الجديدة في العراق واللاَّ مفكر فيه –كفرضية- في هذه الخطة.

* ماهية ما سمي بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق.

* بريجنسكي وثغرات بوش.

* جانب من اللاَّ مفكر فيه في خطة بوش.

الاستخلاصات النظرية!

وعبر تشريحه لكل محور من المحاور السابقة والتي اعتمد عليها المحلل عز الدين اللواج في تصديه لهذا الجانب من المحنة العراقية خلص إلى جملة من النتائج التي يمكن ترتيبها هي الأخرى على النحو التالي:

الملمح المعلن وغير المعلن فيما سمي خطأ بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق لا يعدو أن يكون مجرد خطة ذات إضافات تكتيكية محدودة.

السمة البارزة لدوائر صناعة القرار واتخاذه في إدارة بوش يرتبط بما أسماه الأمريكي مليتون روكيش بالصرامة العقلية بمعنى عدم قدرة الفرد على تغيير جهازه الفكري أو العقلي عندما تتطلب الشروط الموضوعية ذلك.

بالنسبة لـ”اللاَّ مفكر فيه” في خطة بوش فإنه يتعلق بمتغيرين رئيسيين الأول هو تجاهل تداعيات “الأزمة الدولية” والثاني هو خطورة التلاعب بالورقة الإثنية في العراق.

إن أطروحة الفوضى الخلاقة جاءت بأوضاع إقليمية في صالح إيران. ثمة أوراق كركوك تداعيات قانون اجتثاث البعث رفض الدستور من قبل ثلاث محافظات عراقية توظيف الخطاب الديني بشقيه السني والشيعي وإقدام بعض الأطراف على استخدام الأطفال والشباب في معترك الاحتراف المذهبي هي أوراق حساسة ومعقدة يفترض الإسراع في وضع حلول نهائية حاسمة لها.

المؤشرات الاقتصادية، هي  مرآة السياسات  الناجحة!

في أحد البرامج التلفزيونية القاهرية سُئلت: ما هي السياسة من وجهة نظرك؟! وكانت إجابتي الفورية تقول السياسة عندي هي تلك النتائج التي تحدث بمجرد أن يلتقي شخصان معاً ناهيك طبعاً عن الصيغ الأوسع والأكبر وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية

.  ولحسن الحظ أن مثل هذه الرؤى الأشمل والمفاهيم الأعمق لم تكن غائبة عن اختيار الباحث عز الدين اللواج للإشكاليات التي تضمنها كتابه الخانق والمخنوق إذ أن المبحث الأخير جاء بعنوان “قراءات سيسو اقتصادية” إنها قراءات لتقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية الصادر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام العام  2007. وهو التقرير الذي اختار منه الباحث أن يتوقف أمام أداء الاقتصاد العالمي وفشل المحافظين الجدد في أمريكا ونجاح شافيز في فنزيلا وخطورة محاصرة إيران اقتصادياً والدروس المستفادة من الخبرة النووية الكورية منتقلاً بعد ذلك إلى التحديات التي تواجه الاقتصاديات العربية وما قدمه التقدير من مؤشرات ومعطيات تضمنت اقتصاديات الخليج وسؤال الطفرة النفطية الثالثة والنظر إلى منظومة الاقتصاد الفلسطيني وتقييم المساعدات العربية المقدمة إلى هذا الشعب واستمرارية قضية الصراع المائي الآن وفي المستقبل.

لذلك كله أقول أن الخانق والمخنوق هو كتاب جدير بالقراءة العربية على نطاق واسع لأنه يكشف عن موهبة بحثية وتحليلية أصيلة  تدرك مخاطر اللحظة ولديها الرؤية  الأفضل لصناعة الغد المأمول.

__________________

نشرت بصحيفة قورينا قورينا، العدد رقم (0155)

مقالات ذات علاقة

الأدب وثورة فبراير.. ما بين الاستعجال وتوثيق الحدث

المشرف العام

قراءة تحليلية نقدية لقصيدة (لاممكنات) للشاعر “جمعة الفاخري”

المشرف العام

المصراتي .. مأزق (الدخول من الباب الخلفي)

عبدالسلام الفقهي

اترك تعليق