قراءات

“العيد الكبير في الظهرة“.. تمزق الهوية وتفتت الذات

صلاح الحداد

من نحن؟ لماذا يعد صعبا إن لم يكن مستحيلا تأسيس هوية الليبيين؟

بطل رواية “العيد الكبير في الظهرة” الصادرة عام 2012، لصاحبها الايطالي الطرابلسي المولد (1950) “أندريا أميديو سامارتانو”، هو أحد ضحايا الهوية الليبية الممزقة…

لقد حاول ابن الظهرة فعل كل شيء، من أجل أن يثبت لمجتمعه الذي ولد وترعرع فيه، أنه ليبي الهوى والوطن والتاريخ والانتماء والنضال، حتى إنه حرص على تسمية روايته “العيد الكبير في الظهرة”، وكتابة العنوان بالعربية، والمقصود بالعيد الكبير، ليس عيد اللحم، بل هو انقلاب العقيد القذافي في الفاتح من سبتمبر…

لكنه رغم كل هذه التنازلات المؤلمة التي قدمها، بما في ذلك تنازله عن إيطاليته وماضيه الاستعماري، إلا أنه لم يفلح في نيل الاعتراف به ليبيا من الليبيين، وكان أول المطرودين في اكتوبر 1970.

تحكي الرواية ببساطة قصة ازمة trauma بطلها الراوي نفسه، مع هوية ما بعد مرحلة الاستعمار. اوردنا فيما سبق حديثا مقتضبا عن الكوزموبوليتية (الكونية المدنية) في ليبيا، سلطنا الضوء على كيفية فشل المجتمع الليبي في إدارة العصر الذهبي للتعدد العرقي والثقافي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

ربما يعد ابن الظهرة “سامارتانو” الإيطالي الوحيد (من بين أفراد الجالية الإيطالية البالغ تعدادها نحو 20 ألفا في تلكم الفترة)، الذي فعل كل ما وسعه؛ لكي يندمج في المجتمع الليبي (العربي)، ويصير واحدا من الليبيين، نتيجة لما تعرض له من أزمة هوية عميقة، مزقت قلبه إربا.

ما هي التروما؟

وفقًا لجمعية علم النفس الأمريكية (APA)، فإن التروما هي “استجابة عاطفية لحدث مروع، مثل حادث فظيع أو اغتصاب أو كارثة طبيعية“. وبناء على هذا، فإن كل البشر معرضون لمثل هذه الصدمات، لكن استجاباتهم تتفاوت من شخص إلى آخر، يكون أقصاها عندما يحس الفرد أنه مهدد جسديًا أو عاطفيًا. وللتروما أعراض نفسية وجسدية أيضا، وأعظمها خطرا الاعراض النفسية. كما يمكن أن يكون للتروما آثار طويلة المدى على رفاهية الشخص. إذا استمرت الأعراض ولم تنخفض شدتها، فقد يشير ذلك إلى أن التروما تطورت إلى اضطراب في الصحة العقلية، يسمى اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). والتروما أنواع، منها: (1) تروما حادة (2) تروما مزمنة (3) تروما معقدة.

نوع التروما التي أصيب بها “ابن الظهرة”، هي كل هذه الأنواع الثلاثة مجتمعة، وهي نفس أعراض التروما المصاب بها معظم الشعب الليبي حاليا، لأنها تروما سيكولوجية حادة ومزمنة ومعقدة، تحدث عندما لا يكون للمرء وطن بالمعنى الحداثي العقلاني المتعارف عليه. للأسف الشديد، لا يوجد اهتمام كبير بأمراض التروما وأعراضها في ليبيا، لا فكريا ولا طبيا وسيكولوجيا. وأنا أعتقد أن حالة الهذيان والانقسام والاحتراب والاقتتال التي يمر بها الليبيون اليوم هي نتيجة لأعراض “تروماتية” قديمة، أصولها ثقافية وفكرية بالدرجة الأولى، اخذت في الانتفاخ والتقرح بمرور الزمن، إلى أن جاء الوقت لتنفجر هذا الانفجار العظيم.

لقد أماط “ابن الظهرة” اللثام عن حقيقة ماذا يحدث لأولئك، الذين على الرغم من ولادتهم ونشأتهم في واقع ما بعد الاستعمار، إلا أنهم عاشوا في فضاء لم يخلق ثقافة جديدة؛ لأنه على الرغم من وجود اتصالات بين المستعمر والمستعمر السابق، إلا أن الناس ما زالوا يعيشون منفصلين اجتماعياً وثقافيا وفكريا وسياسيا وحتى اقتصاديا.

ولئن كشف الراوي هنا عن أن أحد أسباب هذا الانقسام والتشظي في المجتمع هو الاختلاف العرقي، كجزء من الإرث الاستعماري، الذي استخدم العرق كوسيلة لنشر أسطورة تفوق العرق الأوروبي على الأعراق الأخرى، فإن السؤال الذي يحتاج الليبيون الإجابة عنه: لماذا ظل الليبيون منقسمين ومنشطرين إلى يومنا هذا، رغم تجانسهم العرقي والثقافي؟

كما قلت سابقا، ليس مطلوبا من الليبيين اليوم اعادة اختراع العجلة، لكنهم مطالبون بالتحلي بالشجاعة والصراحة والاجابة عن سؤال وجودي عظيم: من نحن؟

لا يمكن بالطبع الإجابة عن سؤال من نحن بشكل صحيح، إلا إذا أجبنا أيضًا على سؤال: ماذا كنا في الماضي، وإلى أين يمكن أن نتجه في المستقبل؟

“العيد الكبير في الظهرة”، سردية ليبية إيطالية ذات شخصيات وأحداث حقيقية 100%، وهي عمل يستحق الترجمة والقراءة والتحليل والدراسة والنقد.

مقالات ذات علاقة

صداقة سرمدية..

إبراهيم بن عثمونة

بين الصَّادقِ النَّيهوم وأشواقِ الآلِهَة

المشرف العام

ضلع الإنسانية الأعوج

محمد عقيلة العمامي

اترك تعليق