المقالة

قرن المصراتي!

الكاتب علي مصطفى المصراتي تصوير: فتحي العريبي

• النهج التسامح

احتفل الليبيون بذكرى ميلاد على مصطفى المصراتي 18 أغسطس 1926م، من يعيش العقد العاشر من عمره المديد، ما كرسه للفكر العقلاني، ولإنتاج في الآداب والتاريخ، ومن نهج لذلك التسامح، فاتخذ السخرية أسلوبا، وقد مثل جهده الاستنارة الليبية، والمكابدة دون كلل ولا ملل، ولا ادعاء أو تملق، ولا تبرم، رغم شح الزاد وطول الطريق.

إن هذا الجهد، المسكون بالعقلانية: (ولكن الأرض تدور)، يجعل منه – هو أحد تلاميذ الأزهر- أحد التنويريين في الثقافة الإنسانية، وقد كرس العمر لذلك. وقرن هذا الشغل الذهني، بالعمل الدؤوب من أجل تكريس قيم التنوير العقلانية، التي تتسم بالفهم المتبادل، وبالانفتاح على الثقافات الأخرى، وحق الاختلاف، لأجل اتجاه للتسامح، يعترف بتعقد القضايا المعاصرة، مما يستلزم تناولا معقدا ودقيقا لحلها.

ولأجل ذلك وبحق، أسهم في وضع اللبنة الأولى، في ليبيا، لقيم التسامح، فكان معلم التسامح، ما هو أكثر من (القبول بالغير)، إنه الاعتراف بالحق في الاختلاف، بل قبول الحق في الخطأ، كحق من حقوق الإنسان، ذلك أن الخطأ لازم من لزوم البحث عن الحقيقة، وأن كل شيء نسبى، أو كما يقال، في عبارة بسيطة، بأن مفهوم التسامح، يعنى: أن تحيا أنت والآخرون.

وكان على مصطفي المصراتي، الداعية لذلك بالحكمة والسُبل الحسنة، حيث التسامح لم يكن يعنى عنده اللامبالاة، بل يعنى البحث عن الأفضل، أو كما قال الباحث السويسري: أندريه مرسييه “أن ممارسة التسامح، تُفضي بالضرورة، إلى استبعاد الادعاء بامتلاك (الحقيقة) الوحيدة، أي (الأيدولوجيا)؛ أن العدالة الفلسفية، تستلزم إتاحة الحرية الكاملة، لكل مواطن في مقارنة الآراء، التي تنشأ عنها التقاليد والعادات المُوروثة، بغض النظر عن الأيدولوجيا، وإني أوثر أن أطلق على العدالة الفلسفية، الحق في التفلسف”.

ومن هذا توجه إلى العمل الثقافي، وكرس نفسه، من أجل تنوير العقل، والنفس بالمعرفة، والمجتمع بالوعي، وكان ديدنه في ذلك التسامح، حديقة التباين، والتباين ضروري، حتى يمكن للهوية، أن تكون: أول معنى للوجود، وهو أي التباين ضروري، ومساهم في انفتاح الآخرين.

وكان ويبقى عمله ونظرته، أن للثقافة بيتا، دون أي إحساس بالانعزال، (حيث المعزول يفرز مأساته، فهو يكرر، في حياته، هذا العزل والتجزئة والانقسام)، بل الثقافة المنفتحة، على نفسها وفى نفسها، والمنفتحة دون شروط على الآخرين، أي دون مصادرة على المطلوب، فالتسامح حق الاختلاف للنفس وقبول للآخر.

• الأسلوب الساخر

باعتبار أن الثقافة “تُمهد لدراسة قوانين، الفكر وأفعال الإنسان، ولكنها تظلُ قائمة، حتى بعد موت الأفراد، فليس لها مدة زمنية محددة، ومن الصعب إزالتها، لأنها تحيا مع الإنسان نفسه، لو واجهت عنفا أو إساءة”، لذا انصب نشاطه، على البحث عن ثقافة ليبيا، بتدوين الشفهي فيها، وتحقيق مخطوطاتها، فالتنقيب عن المجهول فيها، وبتقديم المعلوم منها.

وبهذا قدم ما يتيسر للإنسانية وثقافتها، وهو يخدم بلاده، وكرس بجهده نفسه، كشيخ للمعرفة والعلم، في هذه البلاد الصغيرة، المترامية الأطراف، التي يحفها البحر، وتموج بها الصحاري الكبرى: إمبراطورية الرمل، حيث نهر النسيان الليثوس، أوالجخ حسب التسمية المحلية، الشره لدفن كل شيء في جوفه، وهو الذي ينبع، في حضن ثاني مدن بلاده، بنغازي.

في كل ذلك، ومن أجله، كان التسامح المنهج الذي “عقلانيته ليست وقفا على قدرته على تحقيق المهام المنوطة به، بل رهن بقدرته، أكثر من غيره،على تصعيد احتمال، تحقيق تلك المهام”، فكان النهج: حيث كان صاحب فعل، ولم يكن يهجس بالسلامة، فلم يكن يخشى البلل، ولهذا ركب أسلوب الساخر، فكان كاتبا ساخرا مميزا، وقد نسج على منواله، أفضل كتاب وفناني بلاده، كالصادق النيهوم، والفنان محمد الزواوي.

الكاتب المؤرخ على مصطفي المصراتي، مثل شخصية ساخرة متهكمة في حياته وكتاباته، وسخريته كانت بسيطة عفوية دلقة، لا تقعر فيها ولا إسفاف، وهي في السياق فتبدو وحي الخاطر، تشد المتلقي من أطراف عقله، دون عناء ولا تركيز عال، وتلفت نظره إلى المقصود، فتعطيه المعنى على طبق الشكل السلس. ومُصاب الشيخ المصراتي الاسترسال عند الكتابة والحديث، لكن في الجانب الساخر منهما، مقتضب وبَرقي وماهر في الاختزال، وكأنه على عجل من أمره، لا يستزيد ولا يشرح، وإن كان يجعل الموضوعة، بين يديه كما في مشرحة، تنكث كل ما لديها وما فيها.

لقد كان نهج التسامح، ما جعل السخرية الأسلوب، وبهما كان على مصطفي المصراتي، القرن الليبي الذي لم يكل، وما يظلل ليبيا من قيظها.


بوابة الوسط، الأربعاء 26 أغسطس 2020

مقالات ذات علاقة

«جماعة تصفيق اليد الواحدة» من لقاء بين أصدقاء أدباء إلى جماعة أدبية

عمر الككلي

المثقفون حمار ليبيا القصير

سالم العوكلي

مشارف

المشرف العام

اترك تعليق