المقالة

المدافعون عن الإنسانية

أحب قراءة الكتب الهامة في الليل.

وقد لازمني هذا الإختيار لمدة طويلة حتى صار عادة .وبالمثل كانت بعض أنواع التأليف تدخل في ذلك التوقيت الليلي وتشذ عن قاعدة التدوين المعهود عند الصباح الباكر. وقد عين لي هذا الميل في القراءة والتدوين فصولا دون أخرى ، حيث وفر الخريف والربيع وشطر صغير من الصيف أجواء نموذجية لذلك النوع من الكتابة.

وبصدد القراءة الليلية فقد إعتدت ضوابط شتى غدت بمجملها إطاراً عاما للمطالعة ، فبعد مرور حوالي ثلاث ساعات كنت ألوذ مضطراً بالفراش وأنام .

أمّا هذه المرة – ونادراً مايحدث ذلك –  فقد ظل مصباح المطالعة ساهراً بجانبي يشع على الصفحات حتى مطلع الفجر . كنت أقرأ بنهم وبطء مستعينا – في سياق القراءة – بمراجع تُعنى بالمجال الذي اقرأ فيه . وهذا الأمر يحيل المطالعة إلى دراسة فلا يكتفي المرء حينئذ بالقدر المعهود من المطالعة العادية أو العابرة فيتجه نحو المراجع ، وذلك بحكم ماتثيره شخصية مؤلفها وظروفه من إستقصاءات ضرورية حول موضوعات تاريخية عامة كالحرب العالمية الثانية مثلاً ، أو الحرب الأهلية الأسبانية، وغير ذلك من خلفيات مكملة للإستيعاب، وأيضا لأن الأفكار والمشاعر المطروحة تجبر المطالع على إنتهاج طرائق تلائم عمق تلك النصوص وغزارة إيحاءاتها .

وحين أغلقت الكتاب على آخر صفحة فيه ثم فتحت النافذة القريبة كانت نجمة الصباح تتلألأ في فضاء باهت السواد.

لقد فرغت لتوي من قراءة كتاب ”الأمير الصغير” لأحد كتاب فرنسا الرومانطقيين المعروفين ،وهو ” أنطوان دي سان أكزوبري” . ويأتي في بعض صيغ الترجمة ” سانت أكسوبري” .ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي أتعرف فيها على هذا الأثر الأدبي الجميل .فقد سبق أن طالعت ” الأمير الصغير” مترجماً باللغة العربية منذ أربعين سنة تقريبا بغلاف أبيض تزينه الرسوم.وأذكر أني إقتطعت من تلك الطبعة مأثورة حملت إسم مؤلفها ” أنطوان” أو “أنطونيو” أو “أنطوان سان أكسوبري” .وهي جملة مؤثرة جداً عملت على إبقاء ذلك النص الأدبي في الذاكرة دافئا وماثلاً على الدوام . والمأثورة كما يلي : ” إن القلب هو الوحيد الذي يبصر.” .

وليس بمستغرب القول أني حفظتها عن ظهر قلب ، وكنت كثير الترداد لها في مناسبات ومواقف وتجارب عديدة من الحياة.

ولسوف يكون مدعاة لدهشتنا أن نعرف أن ” أنطوان أكسوبري” هو مقاتل وطني فرنسي ومقاتل عالمي أيضا إكتسب منذ اللحظة الأولى لهذه الهوية الصاخبة سمة النضال في سبيل قضية عادلة من جميع الوجوه هي قضية الدفاع عن وطنه “فرنسا” ضد الوحش النازي الذي إجتاح بجحافله ربوع بلاده، ولم يتورع هذا الوحش بمخالبه الحربية المروعة ورموزه المعقوفة عن قتل أطفال باريس وصبيانها.

وإنه لمما يزيد من دهشتنا أن “أكسوبري ” عالم من علماء الرياضيات، وإضافة إلى هذا وذاك فيزيائي يمتلك حصيلة علمية في هذا الاختصاص. ثم تشاء الملابسات التاريخية أن تمتد نيران النازيين إلى بلده إبان الحرب العالمية الثانية فإنخرط “أنطوان في المقاومة المنظمة كطيار حربي شارك في عدد من المعارك الجوية التي لم تقتصر فقط على وطنه “فرنسا” بل إتسع نطاقها على مدى العالم حيث شارك في القتال الجوي عند أعالي صحراء أفريقيا أثناء الحرب العالمية الثانية وجاب فضاءات تلك الحرب محلقا في شمال أوروبا فوق الصقيع . ومن جهة أخرى فثمة إسهام مذكور لـ ” أنطوان أكسوبري” في الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت بين الجنرال الفاشي ” فرانكو” بكتائبه وبين القوى الوطنية الأسبانية آنذاك .

غير أن مايدعو للتأمل حقاً هو تلك المزاوجة بين المقاتل والكاتب، بين القلم والسلاح، بين الفنان ذي الحِس المرهف والجندي الباسل. ثم مانتج عن هذه المزاوجة من خلاصات فكرية ووجدانية غير متوقع على الإطلاق صدورها عن رجل كابد التفاصيل الرهيبة للقتال التي تؤدي عادة بطبيعتها إلى قساوة في الشعور والرأي والتعبير. ونلتقط من الكاتب الفرنسي الجملة التالية للتدليل على ثراء المعاني الإنسانية غير المتوقعة فنقرأ :” في بروفانس، حين تحترق الغابة، يأخذ دلواً كلٌّ من ليس وغداً.” ثم نَرِدْ لديه العبارة الآتية يقذفها أو يجأر بها في وجه الحروب: ” نحن أكثر جفافاً من الآخر.”!.

إن ميول ” أنطوان أكسوبري” الأدبية مضطرمة لديه قبل أي حرب ، وبالتالي فقد سبقت هويته ككاتب كونه فيما بعد طياراً حربياً ورجلاً نظامياً في الجيش.

بيد أن تجربة الحرب العريضة لم تبق في مخيلة الكاتب كإحتقان مزمن أو ذكرى بغيضة في النفس بسبب أنه أساسا لم يكن مقاتلا مرتزقاً أو مقاتلا روتينيا بليدا يفتقر إلى قضية تملأ جوانحه حتى النخاع، بل هو – بصورة من الصور- مناضل إلتحق بالكفاح دفاعاً عن وطنه وصار طياراً حربياً، بمعنى أنه كان يعمل لنصرة قضية واضحة. أما الطيف اللاحق لهذه البؤرة الوطنية المتوهجة فهو ناجم عن إدراكه الفائض بأن المعركة ضد النازي هي معركة عالمية شاملة . ولهذا فقد تشكلت عنده خبرة الحرب وذكرياتها الضارية كمنهل أدبي لا يغذي رُهاب الحافظة، إنما يمدها بحوافز الإبداع الإيجابي الذي حقق تلك النتائج غير المتوقعة حيث خلص ” أنطوان أكسوبري” إلى موقف فكري محدد وغزير الشعور يندد بالحروب ويعرض مساوئها في خضم معادلة عويصة حيث يخوض المرء حرباً عادلة للدفاع عن الوطن والحقوق الإنسانية ويكون مطالبا في قراراته بأن يغمرنا – في ذات الوقت – بإيحاءات الإستنكار لتلك الوسيلة البشعة بكل مكوناتها غير اللائقة بالإنسان والحضارة، وذلك كله في جدلية النار والسلام .

وبالرغم من تعدد مؤلفات ” أكسوبري” الإبداعية فإنها مجلوبة بأساسياتها من ذاكرة الحرب مثل “أرض البشر” و” القلعة” و ” الطيار الحربي” و” الطيران الليلي ” و” الرهينة ” وبريد الجنوب” بغض النظر عن ترتيب صدورها الزمني . وهي روايات رهيفة الأوتار .

وعلى وجه العموم يتصدر كتابه المذكور ” الأمير الصغير ” هذه القائمة من العناوين بإعتباره أشهر دراما أو عمل فائق الجودة أنتجه الكاتب الفرنسي، العالم والفنان “أنطوان أكسوبري” مدافعا عن حقوق الإنسان في العيش بسلام وحرية.

مقالات ذات علاقة

صَرْحٌ مِنْ جهنم

يوسف القويري

يوم خسوف القمر

سعد الأريل

توّهمهُ مرضُه

نورالدين خليفة النمر

اترك تعليق