تجارب

قارئة الفنجان

فريدة الحجاجي

الصورة في بيت الطالبات في حفلة تنكرية (الصورة: الكاتبة فريدة الحجاجي)
الصورة في بيت الطالبات في حفلة تنكرية (الصورة: الكاتبة فريدة الحجاجي)

كل مرة استمع فيها الى رائعة العمالقة الثلاثة عبد الحليم حافظ ونزار قباني ومحمد الموجي (قارئة الفنجان) أسترجع أيام المرح والشقاوة عندما كنتُ طالبة في جامعة روما في اواخر سبعينيات القرن الماضي.

كانت اقامتي في تلك السنوات في بيت مخصص للطالبات الجامعيات، هو في الاصل كان سكناً فخماً لأحد العائلات الايطالية الثرية قبل ان يتمّ تحويله الى بيت لإقامة الطالبات الوافدات من خارج روما، تحت ادارة مجموعة من الراهبات عُرف عنهن النظام والدقة والحزم.

الكثير من الطالبات في هذا البيت ينتمين لمناطق جنوب ايطاليا، فقد كان من عادة الايطاليين المقتدرين مادياً في تلك المناطق ارسال بناتهم للدراسة في الجامعات المشهورة في وسط وشمال البلاد، ولأنهم -مثل العرب- حريصون على سمعتهن حتى وهن بعيدات، لذا يتم اختيار أماكن لإقامتهن تكون غير مختلطة وتحت رعاية الراهبات لضمان توفر الامن والانضباط والامان.

كنت الطالبة “الاجنبية” الوحيدة بينهن، وكان من عادتي بعد الانتهاء من تناول الغداء في صالة الاكل، الصعود الى غرفتي واعداد “بكرج” من القهوة العربية كنت قد احضرت “دبايرها” من طرابلس لأنغمس بعدها في المذاكرة، ذات يوم دخلت عليَّ احدى الطالبات فعزمتها على مشاركتي القهوة فقبلت شاكرة، ولكنها بعد ان فرغت من احتسائها قلبت الفنجان وطلبت مني ان اقرأ لها “الطالع”!

حاولتُ اقناعها بأنني لا أحسن فعل ذلك، ولكنها كانت متيقنة بأنني قادرة على فك طلاسم الفنجان المقلوب أمامها لدرجة انني شككت انها قد تكون متأثرة بأفلام هوليوود التي تصوّر العرب كقوم غارقون في اجواء من السحر والتشويق والغموض، وأمام اصرارها العجيب قررتُ “تقمّص” الدور بقصد المزاح وللاستمتاع بشيء من اللهو والشقاوة.. أمسكتُ الفنجان وبعد تمعن وتفحص قلت لها بنبرةٍ جدّية: أرى سيدة ذات شعر قصير وعينان واسعتان تقف امامك بقلق واضح وتحيط بكما الزوابع من كل جانب لأمرٍ جلل يتعلق بمكنونات قلبك.. اياك ثم اياك ان تزيدي من غضبها عليك!

اشرأب عنقها وشخصت عيناها وتغيّرت سحنتها

وقالت: يا إلهي كيف عرفتي ذلك؟

قلت: انه موجود بالفنجان يا عزيزتي.

انا طبعاً كان لدي عِلم مسبق بخلافها مع أمها بسبب اقترانها بزميل لها في الكلية، أما أوصاف الأم فقد تذكرتها من صورة موجودة في حجرتها! يعني الامر كله “مفبرك” وهي شربت المقلب بكل بساطة وعفوية!

عندما نزلتُ للعشاء ذلك المساء كان خبر قدرتي “المزعومة” على قراءة الفنجان قد انتشر بين الطالبات انتشار النار في الهشيم.. فوجئت بالأمر ولكنني لم اعترض ولم أنكر فقد وجدته وسيلة للتسلية ولممارسة المزيد من الشقاوة!

من يومها اصبحت غرفتي مزاراً لكل مَنْ كانت لديها رغبة في معرفة ما تخبئه لها الايام القادمة من أمور تتعلق بشجون القلب او بالعلاقات مع الاهل او حتى بمعرفة ما يُحاك من مؤامرات من بعض الصديقات والزميلات، لم يكن الامر صعباً ولا يحتاج لذكاء خارق لأن اخبار الكل كانت على لسان الكل، ويكفي الانتباه قليلاً لمعرفة الكثير من تفاصيل حياة كل واحدة من الطالبات ثم الادعاء انه موجود في قعر الفنجان.

الى ان جاء يوم وجدتُ فيه ان قهوتي العربية في طريقها للنفاذ بسبب جلسات قراءة الطالع وأنا لا اطيق المذاكرة بدونها، كما ان الوقت أصبح ضيقاً مع اقتراب موعد الامتحانات ولم يعد هناك مجال للهو واللعب، فأصبح من الضروري ايقاف هذا المزاح برمته.. ولكن كيف السبيل الى ذلك؟

فكرتُ ملياً ثم أحضرتُ ورقة علّقتها على باب غرفتي وكتبتُ عليها بالبنط العريض باللغة الايطالية: 

{مَنْ يدخل حجرتها.. مَنْ يشرب قهوتها

.. مَنْ حاول فهم حقيقتها

مفقود.. مفقود.. مفقود.. يا ولدي}

من يومها لم يطرق باب الغرفة أحد!

مقالات ذات علاقة

عـــودة يــوم الفـن الى درنـة بـعـد أربـعــين عــامــًا

عبدالحميد بطاو

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

سعيد العريبي

صفر البداية وسند المرجعية

زكريا العنقودي

اترك تعليق