سيرة

من ذكرياتي: شتاء 1993م

من أعمال التشكيلي العراقي سعد علي

في الصباح الباكر، كنا نصحو جميعًا، والدتي تعد الكانون بقطع من الفحم؛ هوايتنا المفضلة وطقسنا اللازم في صباحات الشتاء.

في تلك الفترة كان الوقت المناسب للخروج إلى المدارس وقت ما بعد الفجر؛ حتى إننا ننتظم في طوابير الصباحية قبل الشروق.

نجتمع حول الكانون وسفرة الافطار التي تتوجها طبقات السفنز الطازج الذي احضره أبي للتو، لكل واحد اسفنجة بالدحي.

والدي كان حريصًا على الذهاب إلى السنفاز مهما اشتد البرد، ملتفًّا في حوليه الصوفي العتيق، وما نتخذ جلستنا لتناول الإفطار حتى يضع اسفنزاتنا الفواحة الشهية.

كبتشينو منزلي شرابنا الساخن المعتاد في الصباح، ثم سيذهب كل من يدرس منا إلى مدرسته.

أبي يوزع النقود القليلة علينا ثمن وجبة خفيفة فترة الاستراحة.

أنهيت تناول وجبتي، وأخذت أستعد للتوجه إلى المعهد،

فوق يدلتي العسكرية ارتديت قميصًا صوفيًّا أبيض، وجمعت كتبي ودفاتري لحملها في يدي، حيث لم أكن أملك حقيبة تؤويها، التقطت علبة دبابيس أحتاجها لتثبيت بعض وسائل الايضاح على حائط الفصل؛ فقد كنا في فترة امتحانات، ستعقبها فترة إجازة نصف العام الدراسي؛ وكنا ننظم مسابقة جمالية بين الفصول.

ارتديت حذائي الرياضي الموسوم بعلامة راتا، وخرجت متوكلة على الله إلى معهد عشرة مارس للمعلمات، حينها كنت في السنة الثانية، وكان لدي اختبار الفترة الثانية في مادة الجغرافيا التي كانت تدرسنا بها أبلة لطفية المقريف.

كنا وما زلنا، في كل طلعاتنا من البيت متباركين بدعاء أمي، نوجه لها الكلمة المعتادة:

– امشيت.

– زينة، صاحباتك السلامة، عين الله اتراعيك.

خرجت في ظلمة ما قبل الشروق، خطوة خطوة، ترافقت خطواتي مع بعض تلاميذ مدرسة المنصورة القريبة من بيتنا.

في الجهة المقابلة لباب المدرسة التي كان مديرها الأستاذ القدير علي القريو يصدح بصوته حاثًّا التلاميذ على الإسراع بالدخول لينتظموا في طوابيرهم الصباحية في الوقت المحدد، وقعت مني علبة الدبابيس التي فارقها غطاؤها فانتشرت على الأرض؛ ما اضطرني للانحناء لجمعها،

ولا أعلم كيف شعرت بجسم يطرحني أرضًا، وشيء ما توقف عند حافة رقبتي تمامًا.

لم ينتبه سائق السيارة البيجو العائلية لشيء، كان توقفه مصادفة، فالرجل البالغ أواخر الخمسينات من عمره له ابن يدرس في مدرسة المنصورة، وأخذ طريقه المعتادة في الالتفاف وأنزل ابنه ولم يشعر بشيء.

وبينما أسمع البعض يقول بصوت عال: فيه بنت تحت السيارة؛ زحفت إلى الخارج بجسمي النحيل، ووقفت وإذا بجمع حولي يريدون الاطمئنان.

كان الرجل يرفّ ارتعاشًا، لم أشعر بأي ألم ولا أذى؛ فقط بذلك الهلع الذي يشع من ملامح صاحب السيارة؛ تجاوزتُ الصدمة وأخذت اطمئنه على أنني بخير.

انسحب بسيارته إلى الخلف، وسلمني أحد أساتذة مدرسة المنصورة كتبي بعد جمعها من الأرض.

في السيارة فتاة تجلس في الخلف، وجدتها هي الأخرى متلفعة بخوف سررت بزواله يعد طمأنينة إياها.

الأب: وين تقري يا ابنيتي.

أنا: في معهد عشرة مارس.

– حتى بنتي في المعهد امعاك.

-صحيح؟

البنت: نعم؛ في سنة ثالثة اقصاد منزلي.

وبعد إلحاح منهما، صعدت معهما واوصلني مع ابنته؛ وطيلة الطريق كان يرتعش ويطلب حملي إلى أي مستشفى أو عيادة لإجراء كشف صحي.

وأنا أطالع زجاج السيارة الأمامي المكسو ندًى، شقّت فيه بعض القطرات دروبًا إلى أسفله؛ قلت في نفسي لعل الظلام مع وضع الزجاج غير الشفاف بسبب الندى كانا سببي عدم انتباهه لي.

– والله يا عمي ما فيا حاجة، ما اتخافش، وتوا عندي امتحان لازم انديره.

وصلت المعهد، وداومت في الإذاعة مقدمة برنامجها اليومي.

صعدت الفصل رفقة زميلاتي، وأجربت امتحاني دون تأثر بما حدث.

كانت ابنته تواظب على السؤال عني لفترة لا بأس بها، وهي تنقل سلام والدها وتجديد طلبه بمساعدتي في أي شيء.

أكملت يومي الدراسي وعدت إلى البيت، وجدت جدتي لأمي لدينا؛ كان موعد وصولي إلى البيت ما بين الثالثة والثالثة والنصف؛ لأن دوامنا يبدأ الثامنة وكانت مقررة لنا سبع حصص دراسية في اليوم..

جلست وتناولت وجبة غدائي، وحدثتهم بما كان، مبرزة لهم أثر سواد العجلة على القميص الأبيض عند حافة رقبتي التي فصل وقوفها بفترة وجيزة يني وبين موت محقق.

مقالات ذات علاقة

السيرة الذاتية للكاتب الراحل: كامل عراب

المشرف العام

محاولة القبض على سيرتي الأدبية؟! (1)

حواء القمودي

صخرة الماء.. ذاكرة مكان

محي الدين محجوب

اترك تعليق