دراسات

اللغة الليبية القديمة واللهجات البربرية (1 من 3)

(فصل من كتاب: علم الدراسات الليبية LIBYOLOGY)*

التيفيناغ (الصورة: عن الشبكة)
التيفيناغ (الصورة: عن الشبكة)

1. هل كان الليبيون يتحدثون لغة واحدة؟

نجد على مسلّة عثر عليها في دير المدينة هذه الترنيمة التي تتغنى بالملك رمسيس الثالث: «لقد نهب الأرض الأجنبية، أرض اللييبو والمشوش. جعلهم يعبرون النهر، أحضرهم إلى مصر، وهم دخلوا معتقلات الملك المنتصر، وسمعوا لغة أهل مصر في طاعة الملك، وهو أبطل لغتهم، غيّر لسانهم، ذهبوا في الطريق الذي لم يتحدّروا منه (أي لم يرثوه)». 

يمكننا أن نفهم من عبارة «أبطل لغتهم» أن تلك القبائل كانت تتحدث لغةً واحدة.  يتعلّق الأمر بالليبيين الشرقيين (وفق تصنيف بيتس)، أو بالليبو والمشوش على الأقل.

– ماذا عن القبائل والأقاليم الليبية الأخرى؟

لا شيء محقَّق عن وحدة اللغة في ليبيا القديمة.  إن النقائش الليبية ما زالت مستعصية لم تفكّ علاماتها بعدُ. 

قد تبدو هذه الإجابة مثيرة بالنسبة إلى الكثيرين ممن يعتقدون بأن الليبيين القدماء كانوا يتحدثون لغةً واحدة.  بل إن الغالبية العظمى تيسّراً في فهم الماضي، أو عدمَ معرفةٍ به، تعتقد أن الأمازيغية هي اللغة الليبية القديمة.

الماضي اللغوي في شمال أفريقيا يكاد يكون مجهولاً تماماً.  إننا نتحدث في مراحل ما قبل التاريخ عن اللغة الليبية، وعن النقوش الليبية.  هذا لا يعني أننا نتحدث عن الأمازيغية والتفيناغ.  بل إن المتخصصين في اللغة البربرية –يقول كامبس– يذهبون إلى حدّ التشكيك في وجود علاقة بين اللغتين الليبية والبربرية.(1)

يبدو أن اللغة الليبية شهدت عملية تحاتّ مستمر دام زمناً طويلاً فقدت فيه قدرتها على الصمود أمام أشكال لغوية أخرى سَهُل تبنّيها وتداولها. لهذا التّحات اللغوي ما يبرره، كما سنرى.

يقول كامب بهذا الصدد: «لا تزال معظم الكتابات النقوشية الليبية عصيّة على القراءة والفهم، على الرغم من الأبحاث الكثيرة التي تناولتها على امتداد قرن من الزمان»(2)، و«لا يسعفنا النظام الكتابي للغة الليبية، المتكوّن من الحروف الصامتة وحدها، في إعادة تكوين اللغة التي ينقلها بالتمام والكمال».(3) وبالرغم من جميع المحاولات التي بُذلت منذ أن تم العثور على نقش دقّا الأول على يد الرحالة الأسباني الأصل توماس داكروس Thomas d’Arcos (1631)، إلى سلسلة  النقوش التي جمعها الضابط فيدراب والطبيب روبو الفرنسيين في الجزائر وتونس (1867)، إلى اكتشاف نص دقّا الثاني (1905)، إلى أن قام شابو بعرض 1120 نقشاً في كتابه «مجموعة نقوش ليبية» Recueil des inscriptions libyques  من بينها 20 نقشاً ثنائياً (مزدوج اللغة: ليبية-بونيقية، ليبية- لاتينية)، وما أضافه إليها غالون L. Galond من نقوس عثر عليها في المغرب الأقصى، بالرغم من هذا السجل الحافل فـ«إن الوصول إلى فك رموزها لا يزال يتعثّر إلى يومنا هذا».(4)

قام جين همبرت J. E. Humbert بنشر نقش دقاّ للمرة الأولى عام 1817، وانكبّ فيلكس دو سولي Félix de Sauly عام 1943 على محاولة فكّ علاماته «واستطاع بعد دراسة جادة أن يعطيها معنى قريباً من محتواها، وقد انطلق هذا العالم من مقارنة السماء الواردة في النصين الليبي والبونيقي، وتوصّل بالتالي إلى وضع أبجدية ليبية تكاد تكون تامة. كذلك نذكر ما قام به في هذا الميدان في ما بعد كل من الطبيب جوداس Judas، وهاليفي J. Halevy، وشابو ، ومنهوف C. Menlnhof، وتوفار A. Tovar، وجورج مارسي G. Marcy»(5)، وجيمس فيفريي J. G. Février وغالون الذين تركّز عملهما على النقوش المزدوجة (الليبية-البونيقية) التي عُثر عليها في المغرب الأقصى. إلا أن غموضاً وتداخلاً كبيربن أحاطا بهذه النقوش وجعلا منها أحجية مربكة، ونفّرا الباحثين من مواصلة محاولاتهم.

أحيل هنا إلى العروي في رصده لإعراض بعض اللسانيين عن الخوض في هذه المسألة، وما يتصل بذلك من أسئلة، يقول: «أما المتخصصون من اللسانيين، أولئك الذين يتكلمون البربرية، فإنهم متشبثون بالصمت، إذ لا يستطيعون حالياً البتّ في القضايا التالية: أصل اللغة الليبية، مدى انتشارها، وجود لهجات مخالفة لها في مغرب ما قبل التاريخ.  لم يتقدموا كثيراً نحو حل لغز النقوش الليبية، مع أن بعضها يحمل بجانب النص الليبي نصاً بونيقياً أو لاتينياً.  وبسبب هذا الإخفاق لم يستطيعوا معرفة أصل الحرف الليبي: هل هو مأخوذ من البونيقية أو اليونانية القديمة أو كتابة سامية عتيقة أم هو اختراع محلي؟ غير أن علماء اللسانيات العامة يحصرون المسألة في نطاق ضيق إذ يضعون البربرية ضمن أسرة الألسن الحامية-السامية [الأفروآسيوية] ومنهم من يربطها مباشرة بالحميرية القديمة. هل نستنتج من هذا أن أغلبية البربر، في ضوء التاريخ، ينحدرون من الجماعة التي مرت بـأفريقيا الشرقية؟ استنتاج وارد لولا أنه لا يوافق أسماء الأماكن التي تشير إلى أن القسم القادم من الشمال الشرقي عن طريق ساحل وجزر المتوسط هو الغالب».(6) 

لم يقدّم ما عُثر عليه من نقائش مزدوجة (فينيقية – ليبية، ولاتينية – ليبية) عوناً كبيراً، وبالرغم من الاستعانة التي تمت باللغتين الليبوفينيقة واللاتينية لم يتمكن الباحثون من قراءة النقوش الليبية بطريقة مُرضية، حتى مع منح جميع العلامات قيماً صوتية واضحة. كانت النتيجة مخيبة للآمال، وساهم عدم وجود مماثلات لفظية في اللهجات البربرية تقابل النقوش الليبية في جعل محاولات القراءة تدور في حلقة مفرغة، ولكن هذا العجز لم يدفع الباحثين إلى المضي قدماً والاعتراف بالنتيجة التي تقول: ليبيا القديمة لم تعرف الوحدة اللغوية التي كانت متصوّرةً منذ القدم. 

يتبع


هوامش

(*) كتاب يصدر قريباً عن دار الجابر ببنغازي ودار تانيت بطرابلس.

[1]. كامب، 2014، ص90.

2. م.ن، ص90.

3. م. ن، 91.

4. غانم، 1990، 32.

5. غانم، 1990، ص33.

6. العروي، 1996، ص44.

مقالات ذات علاقة

قراءة في الرواية الليبية.. من كتاب أكسفورد «تقاليد الرواية العربية» (2/7)

محمد عقيلة العمامي

الإطار الزماني والمكاني في القصة القصيرة

المشرف العام

ليبيا واسعة – 22 (بازين)

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق