النقد

قراءة في قصيدة الشاعر الليبي: مفتاح العلواني

عالم الثقافة

ميّادة أنور الصّعيدي (ناقدة من غزّة – فلسطين)

“مفتاح العلواني”

سعدت وأنا أشارككم في هذه الأمسية الخامسة من الملتقى الأول لقصيدة النثر العربية في رحاب المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح وأقدم لكم هذه المداخلة عن النص المقدم من الشاعر الليبي مفتاح العلواني.

لقد استجاب العلواني لروح العصر المتّسمة بالخفّة والسّرعة والمترعة بالقلق والتّوتّر؛ وأيقن أنّ قارئ اليوم يقبل على السهل المثير؛ إذ أعيته هموم الحياة وأثقلت كاهله، فلم يعد يتقبّل القصيدة المفعّمة بالغموض المخلّ؛ لذا فقد جاءت قصيدة العلواني موجزة بليغة؛ تصدر على شكل ومضات مشرقة، فتفعل فعل السّحر أو أشدّ على النفس. ورغم قلّ.ة تعبيراتها لكنّها عميقة ومكثّفة، تشحذ الفكر وتستفزّ المشاعر ببلاغتها، فيقبل القارئ عليها قراءة وتلذّذًا؛ هذا بحدّ ذاته يوحي أنّ العلواني قام بجهدٍ مضنٍ أثناء إعداد قصيدته؛ بحيث أخضعها للتّشذيب والتّهذيب، وخرجت للقارئ شاملة مانعة محكمة ميسّرة.

تقوم فكرة قصيدة العلواني على ماهيّة الشّعر الحقّ وموضوعاته المتنوّعة، ورسالته السّامية؛ إذ أكّد أنّ الشعر ما هو إلّا إحساسٌ عميقٌ بالزّمان والمكان، وبأوجاع الإنسانيّة، وذكريات الأهل والأحبّة الغائبين، يقول: “يوجد الشعر/ في كلّ شيء../ في شقوق يدٍ متعبة../ وزوايا الأبواب العتيقة../ وبقايا البن في فنجان مثلوم..”؛ إذ رمز لشروخ الزّمن بــ “الشقوق”، ورمز للمكان بــ “زوايا الأبواب”، ورمز للذّكريات الغائبة ورائحة الأحبّة بــ “البن في فنجان ملثوم”. كلّ ذلك ليرشد العلواني الشّعراء إلى ضرورة توافر الإحساس بكلّ شيء في الحياة، فكل بقعةٍ من المكان تُذكِّر بالزمان، والزمان يستحضر الذّكريات، وكلّها علاقات لا يمكن أن يفهم الشّاعر كنهها إلّا إذا عاشها، وأثّرت به وجدانيًّا، حُبًّا أو كرهًا.

فإن توافر عمق الإحساس سيُصاب الشّاعر بهاجس التّوتّر من الزَّمن المعاصر؛ إذ إنّه سمةٌ بارزةٌ في إبداع شعراء العصر، بل ويبقى عالقًا في أذهانهم طيلة عمليّة الإبداع، ومردّ ذلك هو التّطوّر السّريع الذي تشهده الفترة، والظروف الرّاهنة الصّعبة التي تعيشها المجتمعات العربيّة؛ ويبدو أنّ هذا التّوتّر قد اتّضح على بنية قصيدة العلواني؛ إذ تكاثرت بها الثنائيّات الضّدّيّة. يقول: “يوجد في ضحكةٍ عاليةٍ/ تبدو كمقاومة انهيار محتوم../ في صمت سجينٍ/ يعرف جيداً أن الصراخ عبث../ في لا مبالاةٍ مباغتة..” فبين “مقامة وانهيار”، و”صمت وصراخ” تضاد يوحي بحجم التّضارب النّفسيّ الذي يسيطر على الشّاعر أثناء عمليّة الإبداع، وهذا ما يؤكّد القول بذلك الجهد الذي يبذله العلواني؛ ليوصل رسالته السّامية للشّعراء، ويؤكّد أنّ الشّاعر هو من يستنزف فكره وروحه؛ لتكون وقوداً لقصائدَ تُضيءُ عتمة الروح، وهو من يقتات الوجع؛ ليصنع للمحرومين ابتسامةً دافئةً، وهو من يعلن جنونه الوفي قبالة صمت الجميع وتخوّفاتهم. يقول: “يوجد الشعر في صمتٍ بليغ../ وفي آمالِ جندي عالقةٍ برصاصة وحيدةٍ باقية../ في ساحةِ حربٍ تطأطئ رأسها/.. في أصابع متسوّلٍ/ تتحسس بعضها داخل جيبه الفارغ..”، إذن فالشّعر رسالة الحقّ قبالة الباطل، وصوت الألم الذي ينخر عظام الفقراء، ويقتلهم بأوجاعه كلّ حين. يقول: “تنضح به جدران المعتقلات../ وصور الزوجات المخبأة في جيوب المقاتلين../ وأفراح اليتامى الغائبة../ وشجون عجوز تقتحم ذاكرتها/ أيام لا تبيد..”. فكلّ قصيدة في نظر العلواني لا تستمد حروفها من آلام الإنسانيّة وآمالها، هي ترفٌ للمنتِج، وعبءٌ ثقيلٌ على القارئ. فأن “تتخيّل أنّك ستدخل معركة الأدب وتخرج منها بقميص مكويّ، وبنطالٍ لم يملأه الرصاص بالثقوب، فأنت تمارس الرقص لا الكتابة!!”.

وعليه فإنّ الشّعر يجب أن يقول كلّ شيء دون مواربةٍ أو محاباة، فكم هي مزعجة تلك الأبواق التي تملأ الأكوان بجعير قصائدها المهترئة مضمونًا وفكرًا! وبلغتها الكسيحة التي لا تقوى إلّا أن تخوض جولات رقصٍ تحت عباءة السلطان أو السّطوة، ذليلةً كانت أم خانعةً.

الشّعر رسالة سامية تعزّز فينا الانتماء للغتنا الأم، والنص المدهش هو الذي يترك الأثر ويقدّم العِبَر، يتسلّل إلى القلوب والعقول معًا، يتملّكنا بسحره، ويصنع لنا مع إشراقة كلّ صباحٍ وجبات من الأمل، إنّه الشّعر الذي تخطه الأنامل المبتورة، ولكنّه قادرٌ على صنع الخبز للفقراء، وتقديم ورود للأحبة، حاملًا بيارق الحياة والحريّة والإنسانيّة والأمل.

القصيدة:

يوجد الشعر في
كل شيء..
في شقوق يدٍ متعبة..
وزوايا الأبواب العتيقة..
وبقايا البن
في فنجان مثلوم..
وفي آثار خطى سارقٍ مرتبك..
وكلماتٍ ضائعةٍ من اعتراف
متأخر..
يوجد في ضحكةٍ عاليةٍ
تبدو كمقاومة انهيار محتوم..
في صمت سجينٍ
يعرف جيداً أن الصراخ عبث..
في لا مبالاةٍ مباغتة..
وعين تحاول غض الطرف
عن رحيل لا عذر له..
وفي ترقبٍ مشوبٍ بخوفِ
اللاعودة..
يوجد الشعر في صمتٍ بليغ..
وفي آمالِ جندي عالقةٍ برصاصة
وحيدةٍ باقية..
في ساحةِ حربٍ تطأطئ رأسها
وتلتقط أنفاسها عند كل هدنة..
في أصابع متسوّلٍ
تتحسس بعضها داخل جيبه الفارغ..
وقسمات واثقةٍ مرسومة
فوق وجهِ جاسوسٍ محترف..
يوجد في كذبٍ صادق..
وصدقٍ كان يجبُ اجتنابه بكذبةٍ
عابرة..
تنضح به جدران المعتقلات..
وصور الزوجات المخبأة في جيوب
المقاتلين..
وأفراح اليتامى الغائبة..
وشجون عجوز تقتحم ذاكرتها
أيام لا تبيد..
يوجد الشعر في كل شيء
حتى في ملمس جثة لا تزال ساخنة..
حيث ستتساءل حينها:
عن المسافة التي قطعها القاتل حتى
ذلك الوقت لينجو.

مقالات ذات علاقة

تسكع على أرصفة الذاكرة بحثًا عن الذات

رحاب شنيب

“شــواطئ الغُــربة” للكاتب خالد السحاتي

المشرف العام

في بلاد الرجال

المشرف العام

اترك تعليق