سرد

رواية: اليوم العالمي للكباب – 8

رواية في الأدب الليبي الساخر

من أعمال التشكيلية شفاء سالم

-8-

 … وقبل دخول (مصباح) علي السيد الرئيس المكلف ، اخبروه  المنتحلين لشخصيات المستشارين الأربعة، بأهم المعلومات عن الضيف القادم فهو قد حضر  من مدينة بنغازي وأنه علي درجة عالية من الكفاءة الثقافية، لكنه جاء ليشتكي من تعرضه لعديد الانتهاكات الحقوقية المتعلقة بالملكية الفكرية الثقافية،  وطالما ما تمت سرقة  مشاريعه الثقافية التي يتقدم بها من أجل تنفيذها هو حيث يعتبرها استثمارا فكريا سيدر عليه ارباحا مالية، فهي اثراء للمشهد الثقافي، فمن هذه الافكار ستتحول الفكرة الي راي او قصة او رواية أو قصيدة أو لوحة من الرسومات الفنية، وتتحول هذه القصة أو الرواية  الي مسلسلا اجتماعيا او فيلما او مسرحية، وبالتالي هذا الاثراء الثقافي ستتحقق من جرائه ارباحا ودخلا ملموسا، وسيكون كوقود يدعم به استمرارية عطائه في الكتابة.

… لقد علموا بسبب قدومه الي طرابلس حيث قدم للشكوى ضد من قام بسرقة   صحيفته التي أسماها الأيام، تيمننا بأمرين الأول ايمانا بالآية القرآنية رقم (140) من سورة آل عمران

والتي تقول بعد

 ” بسم الله الرحمن الرحيم “

  “إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ” صدق الله العظيم

أما السبب الأخر فهو اقتداء بعميد الأدب العربي (طه حسين) صاحب كتاب الأيام، مما ترتب على ذلك عدم الانتفاع بثمرات بما كان يقدمه من جهد وعرق!

حينها قرر الرئيس المكلف (علي) أن يسمح له بالدخول عازما أن يتعامل معه بنفس الطريقة، وهي استدراجه للبوح بما تحمل جعبته من أفكار ومشاريع ثقافية جديدة، ثم يقوم بسرقتها وتنفيذها هو ومن معه من موظفين.

وقبيل دخول الضيف إلي الوزير يظهر على الوزير الارتباك فيجري بسرعة بطريقة كوميدية داخل المكتب بين المناضد والكراسي.

ثم يعود إلى عقله ويجلس متزنا رزينا متجهزا للتمثيل على الضيف بالتظاهر بصفته، وكفأته الثقافية وبأنه شخصية ثقافية فاعلة وذات هيبة وقديرة.

وبعد أن قام بإخفاء مستشاريه في أدارج المكتبة، ليستشيرهم أثناء اللقاء مع الضيف وقت الحاجة

يدخل (مصباح)، ويقدم أحد مشاريعه الثقافية إلي الرئيس المكلف.

 الذي ينحي عن الموضوع الجاد بعد أن يستشير أحد مستشاريه بغمزة من طرف إحدى عينيه، ليخبر الضيف أنه قد أسماه (مثقف بوراس امصكر (1)، لأنه قد بدأ زيارته له بإصراره على مقابلته نتج عنه شجار أمام بوابة المؤسسة الثقافية.

….. يعود (مصباح) الي توضيح فكرة مشروعه الثقافي، واهميته وكيف هو من المناشط التي اقرتها منظمة اليونسكو العالمية فالكتاب هو خير جليس والله سبحانه وتعالي أوصي به في أول سور القرآن الكريم في سورة العلق حيث قال تعالي:

“بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)”

صدق الله العظيم

وكيف لنا نحن كمثقفون نهمل ما أمر الله تعالي به خلقه وكيف أن القراءة أساس التعلم والتمدرس والعلم وكيف جاءت الثقافة من نفس السورة سورة العلق حيث ختم الله السورة بعبارة “علم الانسان ما لا يعلم ” اي بقدرتك على القراءة سوف تتعلم ما لم تكن تدري أو تتوقع أنك قد تتعلمه يوما وهذه هي الثقافة،

فلذلك جاء (مصباح) للعاصمة طرابلس متحديا مشكلة طول المسافة وأزمة المركزية، لينفذ مجموعة من المشاريع ومنها (مشروع اليوم العالمي للكتاب)

… لم ينتبه (مصباح) أثناء شرحه للرئيس المكلف أن المستشارين والرئيس المكلف اتفقوا بالغمز واللمز وتبادل الوشوشات على تغيير اسم المشروع الثقافي وفقراته الي ما يعتمر رؤوسهم من فكر هزلي وما تشعر به بطونهم وكروشهم من جوع ونهم للأكل كعادتهم.

حيث ذهبت بهم مخيلاتهم انهم سيتعاقدون مع أشهر وأكبر مطاعم الكباب ك (مطعم كباب حكيم) الشهير في منطقة الصابري بمدينة بنغازي   لإقحامه هو ومطاعم اخري في منطقة) راس حسن بمدينة طرابلس في دعم تنفيذ المقترح مقابل الدعاية الترويجية لهم اثناء اقامة المناسبة التي جاء الي تنفيذها (مصباح).

وفي أثناء الشرح الذي يوضحه (مصباح) اقترح أحد المستشارين علي الرئيس المكلف أن يضيف فقرات على مشروع الزائر (مصباح) فقال الرئيس المكلف ل (مصباح):

ما رائيك بأن نشرك فرقة شعبية، لتقدم وصلة غناء مرسكاوي أثناء الاحتفال.

مصباح:

أنا لا اشاركك الرأي فالمنشط الذي أرغب في تقديمه يعني بالفكر الرصين ويحتفي بالأدباء والمؤلفين، فليس مناسبا أن نخلط الأدب الرصين مع الأدب الناعم.

وأضاف:

ثم ضيوف هذا النوع من المشاريع هم محبون للمحاضرات والنقاش والجدل العقلاني، ويختلف عن ضيوف الاغنية الشعبية المرسكاوي والمحبين، لمثل هذا النوع من الفنون الراقية كذلك، لكن يفترض أن يقام لها مشروعا ومواعيدا مختلفة عن مواعيد الاحتفال باليوم العالمي للكتاب والقصة والرواية الخ

… في هذا الأثناء تدخل السكرتيرة الأبرع (سحر) بعلو الصوت وعلو كعب الحذاء! فتدخل الي مكتب الرئيس المكلف، لتقديم قهوة للضيف وللرئيس المكلف، مشيرة بأصبعها لا تنسوا استضافة فنانات ومطربات ليبيات وعربيات مثل (وردة الجزائرية/ أصالة نصري / سميرة سعيد/ لطيفة العرفاوي / تونس مفتاح / سالمين الزروق/ خديجة الفونشه/ محظية (2) الملاطعية (3) / مريانا / سدينة الضبعة / نجاة الصغيرة /ميادة الحناوي/ عيشة مناب (4) / غادة رجب / غزالة شلولح/ بطة المنبطة/ ذكري محمد / افطومة الفانصة (5) /سميرة توفيق).

وفي هذه اللحظة يقتحم (تامر بوزكرة) مكتب الرئيس مزمرا بالزكرة ومتوقفا عن العزف صائحا بعبارة:

هو ده

لكن(سحر) تقاطعه مشيرة بيدها الي (تامر) ليتوقف عن الهرج والمرج الذي جاء به وفي نفس الوقت خاطبه الرئيس غاضبا من دخوله دون اذن مصحوبة 

مصحوبة بغمزة من طرف عينه:

اسكت انت يا صايع (7) هظا اللي فالح فيه انت زكرة وشملة في النص وهاك يارقص.

هنا استطاعت (سحر) اكمال حديثها مخاطبة الرئيس قائلة:

 فهن صديقاتي وانا اضمن موافقتهن على المشاركة ثم تقترب بغنج مزيف من الرئيس، لتهمس في أذنه:

بأن لا ينسي إقرار بندا للمكافأة كما وعدها، مع اي مشروع تنظمه المؤسسة خصوصا وهي في حاجة لشراء بدلة رقص مناسبة، تشارك بها في فقرات مشروع اليوم العالمي للكباب، الذي تقدم به الضيف.

… يتظاهر الرئيس المكلف مع مستشاريه أمام الضيف بأنه قد وافق على كل ماورد في تفاصيل مشروعه، لكن الحقيقة أنه قد قرر بداخل نفسه التحوير والاضافة والتعديل وذلك من أجل تضخيم فاتورة التكلفة التي ستنفقها مؤسسته على تنفيذ هذا المشروع.

يتبع الجزء الاخير


هامش:

1- امصكر: مغلق بمعني عنيد

2- محظية: اسم مؤنث قديم كان يختاره اهل الشرق الليبي ويطلقونه على المولودة الجديدة كاسما تفاؤلا بالحظ.

3- الملاطعية: نعت غير محبب يطلق على الشخص الذي يناقش ويرد علي المتحدث كلمة بكلمة وهنا جاء في صورة مؤنث

4- مناب: عرس او مأتم

5- القانصة: التي تنظر اليك متوعدة موبخة بنظرات حادة.

6- صايع: لفظ سوقي بمعني (بلا اخلاق)

7- شملة: قطعة من القماش تستخدم كحزام في حالة الرقص

مقالات ذات علاقة

كتاب حياتي

أحمد الفيتوري

النبوءة الكاذبة

محي الدين كانون

رواية الحـرز (32)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق