المقالة

لمحة من تاريخ الصخب العربي

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية


ما من دافع للثورة أكثر وجاهة ولا أشد إلحاحاَ من المعنى.  فعندما يتشوه المعنى، يُسرَق، يُغتال ويُغَيَّبَ، تتداخل المفاهيم تختلط وتتضارب حتى تغيم وتتعتم، ولابد لذلك من أن ينعكس على وجود الإنسان وحياته، من اسمى تجلياتهما الروحية والابداعية الفكرية والأدبية والفنية إلى أدنى تحقق لهما في حدود البيولوجيا ولا يعود لشيء ولا لأمر من أمور الحياة والأحياء معنى محدد وبيّنٍ، وتلك حال تُشْرَعُ على يديها كل المنافذ والشروخ التي تتيح للابتذال والاسفاف والتبلد وكل الأدواء الفكرية والنفسية والاجتماعية التسلل إلى واقع الناس ونفوسهم لتضرب أطنابها هناك وتعلن عن حضورها وفاعلياتها وتأثيرها من خلال الناس أنفسهم ( لغتهم، فكرهم، مواقفهم، علاقاتهم….) أنها تصبغ بلونها الكالح الإنسان وتغدو إعلاناً صفيقاَ عن إنسانية ما عادت تحمل من الإنسانية غير صيغة لفظية خالية من المعنى. 

ولا نظننا في حاجة إلى تفصيل الاسباب المفضية إلى تلك الحال ولا لحصرها وإحصائها، لكن المهم التأكيد على أن أيما تجسيد ومظهر لتلك الأسباب سياسياَ كان أو اجتماعي أو اقتصادي ليس في الواقع غير مظهر وعرض لأدواء الوعي وعلله، ومؤدّى ذلك، أن الثورة مشروطة بالوعي دائماَ، بحيث لن يكون التغيير بدافع الامتعاض من واقع ما أو ضيق به أو رفض له دون نظر منقشع وواضح يحيط بذلك الواقع ويستوعب ما يكتنفه سلبيات ومساوئ لا تكتفي بزرع الامتعاض أو الضيق والدعوة إلى الرفض بل تحرض على الثورة وتشجع على تحمل مسؤولياتها. 

ومن اقتران الوعي بالمسؤولية بدلالتها الشاملة الوجودية والفكرية والأخلاقية تكتسب الثورة وجاهتها وتستعيد ذاتها ومعناها الحقيقي. وما من تغيير يقوم بمعزل عن اقتران الوعي بالمسؤولية ومهما من ضخامته وفاعليته يكون مستحقاَ أن يسمى ثورةً، ولن يكون إلّا انقلابَاَ أو هو تغيير سطحي لا يطال أسباب تردي ذلك الواقع، وتقلب لا يختلف في شيء عن تقلب النائم لا ليستيقظ بل ليسوي وضعه من المزيد من الاستغراق في النوم  إلى ذلك لن يقيض لأي تغيير على أي مستوى وفي أي جانب من جوانب الحياة البشرية، وبتلك السمات، تحقيق أي معنىً ولا بعث أيّا مما يتأسس على المعنى من قيم سامية، والواقع أنه ما من هدف للقول بأن المعنى شرط جدارة التغيير بتسمية ثورة، غير التأكيد على دور الوعي في تحقيق  الثورة وتحققها.

وبذات القدر من الأهمية التأكيد على أن الثورة ليست مفهوماَ مجرداَ على صلة واهية بالناس، أو حتى بلا صلة بهم، وفق ما يسوقه سماسرة وتجار الشعارات، ويحاولون ترويجه.  وذلك ما يمكن يلاحظه الدارس للتاريخ الحديث والمعاصر (خصوصاً في منطقتنا العربية) كما أن أجيالاَ من بيننا عاشت وعايشت إصرار إعلامنا العربي الذي يسم نفسه بالثوري والتقدمي والطليعي… إلى آخره. إصراره على ترسيخ تصور اقتران فكرة الثورة بالعسكر والكاكي والبندقية، وتلك فكرة متهافتة ليس بسبب قصور الكاكي والبندقية عن مضاهاة الوعي ولكن أيضاَ لأنه في غياب الوعي لا معنى ولا قيمة للكاكي والبندقية ومن يتوهم أن فيهما وبهما معنى وقيمة وجوده وحياته، وذلك ما أكده العسكر الذين ظلوا يفاجئننا على منذ انتهاء الحرب العالمية وعلى امتداد عقود، بقلب أنظمة الحكم في أقطارنا معلنين ما يسمونه ثورات (ولأنه ليس مجالنا التفصيل في منجزات أولئك الثائرين) تكفي نظرة مباشرة نلقيها على راهننا العربي وما نرسف فيه من تخلف وتعصب فئوي وعنصري وجهوي ومن انحيازات متدنية، تعلن جهاراَ ما تكتظ به (الأنوات) الفردية  التي افقدتها تلك الثورات ثقتها بكل شيء وأحبطت طموحاتها جردتها من آمالها وملأتها بمشاعر المرارة والقنوط، وألجأتها قسراَ للهروب من مآسيها  إلى التورم بفعل الدعاية الايديولوجية والاعلام المدجن إلى (نحن) أشد بؤساَ وسوء حال.

وإذا بدا لنا بوضوح غياب (المعنى) عن المهرجان العربي الذي انطلق بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية، (ولعله لما ينته بعد) فليس لأن من طبيعة المهرجانات أن تكون غير ذات معنى، ولكن لأن من تغمرهم تلك المهرجانات وتسوقهم بتياراتها الصاخبة لا ينشغلون بشيء خارج إطار ما ينغمرون فيه، ولا بما في ذلك الإطار، كأن يتساءلوا عن معنى ما هم فيه مثلاَ. أو عن احتمال أن يكون للصخب والهتافات والبيانات الرنانة والشعارات المبهرجة معنىً، وتلك نتيجة إضافية من نتائج مهرجاننا العربي الحديث، وهي إلى جانب البعض الذي سقناه دافع قوي إلى التأكيد على حقيقة أن الوعي هو شرط الثورة الحقيقية الأساسي، ذلك أن الوعي لا يرى الثورة مفهوماَ غائما أو كوكباَ تائها في أجواز التجريد، بل الثورة (قيمة سامية) لا معنى وقيام بمعزل عن قيم الحياة والحرية والعدالة والمساواة والمودة والرحمة، وغيرها من القيم السامية

مقالات ذات علاقة

من خفيف الكلام .. الزمن والزمان

يوسف الشريف

ليبيا والامم المتحدة

أحمد معيوف

سعادة افتراضية

عمر الككلي

اترك تعليق