طيوب عربية

زَيفٌ تفضَحهُ الأنامل

أميرة سامي | مصر

من أعمال التشكيلية الليبية إسراء كركره
من أعمال التشكيلية الليبية إسراء كركره

📞مكالمة واردة:

أ.د/ إجلال زاهي..

يظهر مع وميض الشاشة ويختفي مع انطفاء الوميض، تصاحبه نغمة جوال نوكيا الكلاسيكية الشهيرة.

مشهد متكرر اعتدنا عليه لأكثر من عشر سنوات، تماما كما اعتدنا على ما يصاحبه من اندفاع أمي راكضة نحو هاتفها ذي المفاتيح ممسوحة الأرقام، مُحاوِلةً تجاهُل ألم (عرق النسا) في رجلها اليمنى وهي تقول بحماس:

“دي أكيد دَكتورة إجلال.”

ثم وابل من عبارات الترحيب والامتنان بنبرة احترام حماسية مبالغ فيها.

رغم استجابة أمي أخيرا لإلحاحي أنا وبقية إخوتي قبل عام ونصف، وتركها للعمل في منزل السيدة إجلال؛ إلا أن المشهد المعتاد لا ما زال يتكرر مطلع كل شهر، أو قبيل كل موسم لتطلب من أمي -بنبرتها الأرستقراطية الحادة- أن تأتي لتأخذ ما فيه النصيب، فقد كان هناك دائما نصيب محفوظ من العطايا للسيدة بهيجة التي ظلت في خدمتها وخدمة عائلتها بكل إخلاص لثماني سنوات متصلة.

لم يكن لدى أمي خَيار آخر بعد موت أبي المفاجئ سوى اللجوء للعمل كخادمة في منزل أحد الأثرياء لضمان عدم تسربنا من التعليم، وتحقيق حلمها بحصول أبنائها الثلاثة على شهادات جامعية. وعلى الرغم من اعتراضنا الشديد وخوفنا من نظرة الأقارب والجيران، نجحت أمي في تنفيذ رغبتها بعدما وعدتنا بأن طبيعة عملها ستظل سرا لا يعلمه أحد خارج منزلنا. بالفعل أخبرَتْ الجميع بأنها استغلت تعثر إحدى صديقاتها الماديّ بسبب الديون وعرضت عليها مشاركتها في مشغل الخياطة الخاص بها مقابل مبلغ من المال تدخره من سنوات.

منذ ذلك اليوم ولأكثر من ثماني سنوات تستيقظ أمي قبل أن يرفع المؤذن أذان الصبح، تشق طريقها في عتمة ما قبل شروق الشمس لتجهيز مائدة فطور السيدة إجلال وتحضير شاي الصباح قبل نهوضهم من أسرّتهم.

لطالما أغدقت علينا إجلال هانم من فضل خيراتها، ومما لم يعد مناسبا من ملابس أبنائها، ولطالما أقبلت علينا أمي مبتهجة، تحمل ما لم يعد مرغوبا من أطعمة وحلوى في منزل الدكتورة، وما زهد فيه أطفالها من ألعاب وأدوات مدرسية. تلك الحقيبة الواسعة من القماش داكن اللون لم تغادر ذراع أمي طيلة سنوات خدمتها لإجلال، لقد كانت مناسبة تماما لإخفاء حصيلة العطايا اليومية عن أعين الجيران المتفحصة لكل شاردة وواردة تمر من أمامهم. لا أعلم حقا كيف انطلت عليهم خدعة مشغل الخياطة طيلة هذه السنوات رغم دهائهم وتلصصهم المعهود!

ربما أراد الله ألّا يخذل أمي فيما تعهّدت لنا به: أن تبقى مهنتها الحقيقية سرّا لا يعلمه سوانا، وربما السبب هو ملازمتها لذلك الدعاء الذي لم تمل يوما عن ترديده عقب كل صلاة:

“يارب استرني أنا وعيالي اليتامى وما تشمّت فينا عدو ولا حبيب.”

لا أنكر تلك الرفاهية –النسبية- التي كانت توفرها لنا السيدة إجلال؛ إلا أنني رغم ذلك لم أستطع أن أحمل لها في صدري ذرّة امتنان ولو للحظة واحدة. كنتُ أعلم أن ما تقدمه لها أمّي من صحتها وكرامتها مقابل تلك الرفاهية أغلى كثيرا، وربما وُلد في نفسي ذلك الشعور السيئ تجاهها منذ تلك المرّة التي استقبلت فيها أمي اتصالها لأول مرة، عندما وقعت عيناي على شاشة الهاتف فرأيتها قد امتلأت بحروف ترمز لألقاب السيدة إجلال مكتوبة بعناية: أ.د إجلال زاهي

سألتُها متعجبا عمّن قام بتسجيل الاسم بهذه الطريقة -فلم تكن أمي تُحسن القراءة والكتابة- فإذا بها تفاجئني بأن الهانم نفسها هي من سجلته على هاتف أمي بتلك الصيغة المتعجرفة. لا ما زلتُ أذكر ردة فعلي حينها عندما اندفعت قائلا لأمي بنبرة تهكُّم صبيانية:

“كان عليها أن تكتب: أ.د إجلال هانم صاحبة الفضل ووليّة النعمة.”

نظرت إليّ أمي حينها نظرة عتاب قائلة بصوتها الدافئ :

“دي ست خيّرة يابني وبتعاملني أحسن معاملة، دي دايما تقول لي يا بهيجة اعتبري نفسك واحدة من البيت.”

لا أعلم إن كان بقية مَن بالبيت من أسرة الهانم يذكرون اسمها مسبوقا بأحرف الفخامة أيضا مثل أمي أم كان ذلك مخصوصا لها وحدها.على كلٍ، مضت تلك السنوات بما كان فيها من أمور محمودة أو غير ذلك، كانت سعادتنا باستجابة والدتي لرجائنا المُلِح بترك العمل كبيرة جدا، خاصةً بعدما وهن جسدها وضعفت صحتها ولم تعد قادرة على تلك المشقة اليومية.

أصبح باستطاعتنا أن نعوضها عن المال الذي استنزفت لأجله صحتها في منزل إجلال هانم، فقد تخرّج أخي الأكبر وبدأ عمله كمهندس معماريّ منذ أكثر من عام، أما أنا فكنت أنتظر لحظة تخرجي هذا العام على أحرّ من الجمر، لم تكن لدي ذرة شك في تعييني مُعيدا بالكلية فور تخرجي مباشرة، فقد كنتُ الأول على دفعتي لثلاث سنوات متتالية، لكن الصدمة كانت في ذلك الفارق البسيط الذي جعل لزميلة أخرى الأحقية في التعيين، لأفقد حلمي بسبب بضع علامات عشرية.

ذات يوم صادفني ما جدّد في قلبي الأمل الذي فقدته مرة أخرى أثناء تصفحي لإحدى الصحف اليومية، فقد رأيت إعلانا لإحدى الجامعات الخاصة، ينوّه عن طلب كادر تدريسي كامل من معيدين وأساتذة لنفس التخصص.على الفور جهّزتُ الأوراق اللازمة وذهبتُ في الموعد المقرر لإجراء المقابلة الشخصية، وقد غمرتني أمي كعادتها بوابل من دعوات التوفيق قبل مغادرة المنزل.

أبدى عميد الكلية إعجابا وسعادة كبيرة بعد لقائي به، وطلب مني الاتصال في اليوم التالي للتأكيد على قبول العمل لاضطراره لإكمال بقية المقابلات مع غيري من المتقدمين للعمل ذلك اليوم.

مضت الساعات وكأنها أيام وأنا أنتظر طلوع النهار للاتصال بمكتب العميد في الساعة المحددة لأخذ تأكيد نهائي للقبول. كنت على بُعد لحظات من تحقيق الحلم الذي لازمني لسنوات. حانت اللحظة المنتظرة وتناولت هاتفي للاتصال. فورا استقبلني صوت العميد نفسه بحفاوة كبيرة وترحيب، وبدأ في توجيه بعض الاستفسارات الإضافية بأدب جم، وفي منتصف المكالمة صدمني صوت التنبيه السخيف: عفوًا لقد نفد رصيدكم.

يا إلهي! كيف فاتني التأكد من وجود رصيد كاف؟ ياله من موقف حرِج!

ركضَتْ أمي نحوي وأعطتني هاتفها لمعاودة الاتصال، فتناولته بسرعة وأدخلت رقم الهاتف الخاص بالعميد. كدت أفقد الأمل وأنا أنتظر استجابته للاتصال، فجاءني صوته في اللحظة الأخيرة قبل انقطاع الجرس. بادرته بالاعتذار عما حدث وأخبرته باضطراري لمعاودة الاتصال من هاتف أمي، فأتاني صوته باهتا وتلفظ بجملة باردة وبرسمية شديدة:

“لا بأس! شكرا لك، سنتصل بك إن كانت هناك فرصة.”

أغلقَ الهاتف ليتركني مذهولا من تبدّل حاله. هل يستحق انقطاع الاتصال من جانبي رد الفعل المبالغ فيه هذا؟!لم أنم طيلة الليل وعزمت على الذهاب إلى الجامعة في الصباح وطلب مقابلته للاعتذار له مباشرة وتوضيح أن الأمر قطعا لم يكن متعمدًا.

وصلت إلى مكتبه واستأذنت السكرتير للدخول إليه فطلب مني الانتظار قليلا، ثم اعتذر لي بأن العميد لا يمكنه استقبالي لانشغاله الشديد. وقفت حائرا متعجبا، كأن الرجل قد تبدل بآخر، لم أجد أمامي سوى ذلك السكرتير لأخبره بما حدث بالأمس علّه يشرح لي سبب هذا التحول بعد أمر بسيط كهذا. طأطأ السكرتير رأسه وبدا عليه الحرج والتردد كأنه يخفي شيئا يخصني.

تأكدتُ أن أمرًا لا أفهمه قد حدث بالأمس فطلبت منه التحدث بوضوح؛ فأخبرني بصوتٍ خَجِل أن سبب تراجع العميد عن تعييني هو اسم أمي الذي ظهر له على برنامج «تروكولر»؛ ذلك التطبيق الذي يوضح الاسم المسجل به رقم المُتصِل على هواتف الآخرين.

لم أفهم شيئا فنظرت له مُستغربا ما سمعته، فأخرج هاتفه وطلب مني تمليته رقم الهاتف الخاص بوالدتي ثم ضغط على زر الاتصال وأعطاني الهاتف لأرى مقصده. بعد لحظات من الصمت، وضعتُ الهاتف على المكتب وخرجت شاردا هائما على وجهي الذي هربت منه الدماء.

لقد طلبتْ إجلال من أمي أن تعتبر نفسها واحدة من أهل البيت، لكنها احتفظت بدقتها في تسجيل ألقاب الأشخاص ونعوتهم على الهاتف، تلك الصورة الزائفة التي ظاهرها التواضع والتنزّل، وباطنها الكِبر والطبقية. فضحتها أنامل الهانم مزيلةً اسم أمّي بلقبها المعبّر عن نظرتها الحقيقية لها وسجلته: «بهيجة الشغالة».

وبالطبع لا يمكن لعميد جامعة خاصة -لا يقدر على مصروفاتها سوى أولاد الذوات- أن يعيّن ابن بهيجة الشغالة معيدًا على طلابها.


​​ سرد أدبي | مجلة فصلية أدبية، العدد السادس – ديسمبر 2022م.

أميرة سامي كاتبة مصرية، صدر لها رواية تحت شلالات نياجرا، فائزة بالمركز الأول في مسابقة واحة الكويت للقصة القصيرة 2021.

مقالات ذات علاقة

فارس الحباشنة مرة أخرى

نعمان رباع (الأردن)

دمى فاجرة جديد شربل داغر الشعري

المشرف العام

آلام الجائحة

إشبيليا الجبوري (العراق)

اترك تعليق