المقالة

الأنبياء الكذبة وقدر الإبراهيمية!

من أعمال التشكيلي الليبي محمد الخروبي
من أعمال التشكيلي الليبي محمد الخروبي

(قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ 69) سورة الأنبياء.

في الحكاية التي قيلت حول منشأ فكرة الدين الابراهيمي مزيج من الرتابة الايقاعية لحكايا الجدات التي كانت تنومنا قبل أن نبتلى بالتلفاز وسماجته واسفافه ، ومن سماجة التلفاز واسفافه أيضا ، تقول تلك الحكاية: – أن صاحب الفكرة هو شخص أمريكي من أصول مصرية ، ولكن ما أن نسمع اسمه أو نقرأه مكتوبا حتى تتداعى إلى أذهاننا الكثير من نشرات الأخبار والمانشيتات الصحفية والمقالات التحليلية التي أورثنا صورة ارهابي عالمي ، وذلك وفق ما هو متاح ومتداول من مفاهيم حول الارهاب ، والتي يحرص من أتاحوها ووضعوها رهن التداول والرواج أن تلصق بالإسلام ، إن صاحب فكرة الدين الابراهيمي هو ( سيد نصير ) الذي قدم إلى العالم كإرهابي وعضو في جماعة أنشأها وكان يقودها شيخ ( يحرص الاعلام الغربي على تسميته برجل دين مسلم ) يدعى ( عمر عبدالرحمن ) يوصف هو الآخر بالإرهابي .

كان السيد نصير عندما جاءه الإلهام قابعا في أحد السجون الأمريكية ( قيل حول ذلك أن سراحه لم يطلق حتى بعد أن تبين لمحاكميه براءته مما نسب إليه من تهمة اغتيال الحاخام الارهابي – وهذه صفة يطلقها عليه الاعلام العربي والاسلامي فقط – يدعى – مائير كاهانا ، وحتى بعد أن صرح نصير نفسه عبر أكثر من وسيلة اعلامية بتيجح أنه القاتل فعلا ، لكن ضغوط اللوبي اليهودي المدلل في امريكا ابقته في السجن ) وعلى اي حال تمخض الهام سيد نصير عن فكرة العودة إلى الأصل الذي جاءت منه الأديان السماوية الثلاثة ( اليهودية والمسيحية والإسلام) والبدء بتأسيس دين دعاه الابراهيمية ، هدفه تنقية الأجواء بين أتباع الاديان الثلاثة ورفع الاختلافات القائمة فيما بينهم والتي تجيء عنها ما يفرق بينهم من خلافات ومنازعات وعداوات ، وهكذا بمعجزة استثنائية مؤكد أنها غير ذات صلة بمعجزات السماء تحول الارهابي المجرم والقاتل والداعي إلى محاربة اعداء الاسلام ( كما يفهمه، وبدقة كما يراد للعالم أن يفهمه وفق هذا التصور لمشوه والزائف ) .

إذن تحول الارهابي إلى مسيح يدعو إلى المحبة والتسامح ، وهكذا أخذت الدوائر والمراكز البحثية ومراكز اعداد السياسات والاستراتيجيات تعمل بمثابرة وبوتيرة متسارعة على وضع هذه الفكرة العبقرية قيد التنفيذ واقامة الديانة الابراهيمية ، محبذين بالتأكيد أن نظل نحن سادرين في غيبوبتنا ومسلمين ديننا ودنيانا وذاتنا ( الفردية والجماعية ) وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا رهنا لأهواء كل من هب ودب وكل أفاق ونبي كاذب ، ولا بأس لديهم إن صحونا بعد أن يغمرنا و وجدنا كل ما له معنى وقيمة في وجودنا وحياتنا قد تم مسخه ونسخه فلا اسلامنا هو اسلامنا ولا قرآننا هو قرآننا ، إذ لن يعود أمامنا إلا نقبل الواقع الذي يعكفون على اعداده لنا وأن نتخلى عن مبدأ التوحيد في صيغته الصحيحة الوحيدة ونعتنق توحيد عزرا وأحبار اليهود لوثنهم العنصري يهوه ونسلم بأننا سائمة وحيوانات قياسا إلى شعبه المختار ، أو توحيد الطرسوسي والفريسيين ذي الثلاث شعب ، وأن نطوب مع واضعي المزمور المئة والسابع والثلاثين الوحوش الهمجية التي قتلت وتقتل أطفال العراق وفلسطين وسوريا وليبيا وكل طفل تجري في عروقه دماء عربية أو يتوقع أن يعلن يوما أن لا إله إلا الله ، ذلك أن ابنة بابل التي يخاطبها واضعو ذلك المزمور ليست الأم العراقية ، بل هي كل امرأة من الشرق يمكن أن يجود رحمها يوما بنبوخذنصر جديد .

ثم الولايات المتحدة الابراهيمية المصممة وفقا لما قيل إنه رحلة ابراهيم عليه السلام من موطنه الأصلي في العراق وحتى مصر مضافا إليها استجابة لصبية يهوه المدللين المغرب العربي والجزيرة العربية، وحتى إيران، وغير ذلك من الخوارق التي يحول حجم مقال مقتضب دون التفصيل فيها.

وهي خوارق لم تنتظر ولا انتظر يهوه مجيء سيد نصير ليلهمه إياها، بل كانت موجودة بالفعل منذ ظهور الاسلام وكان الهدف من وراءها هو القضاء عليه وإطفاء نوره، وإذا ما اكتفينا بتذكر الاخفاقات المخزية والفشل الذريع الذي كان حصاد ما سمي بالحملات الصليبية، خصوصا مع حطين صلاح الدين الايوبي. فإن ذلك الفشل لم يطفئ جذوة الحقد على اسلام والمسلمين لدى أعدائهم ، بل دعا أولئك الأعداء إلى تغيير اساليبهم واستراتيجياتهم ودفعهم إلى نقل المعركة من ساحات القتال إلى ساحة الثقافة والفكر والمعتقدات وإلى استلهام أسطورة برج بابل التوراتية بما تكتظ به من تزوير ومغالطة وكذب ، وموظفين كل ما حصله الرحالة والمبشرون بالمسيحية والمستشرقون من معرفة حول الاسلام والمسلمين ، وشرعوا منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر في تطبيق خططهم الرامية إلى ما يريدون ، ولا يبدو من الصدفة أن يتحمس الصهيوني تيودور هرتزل ويلح على زعماء الصهاينة بأن يجتمعوا ليناقشوا أحوال ما دعوه بشعبهم وينظروا في واقع شتاته ويقرروا مصيره المستقبلي ،

وان تفضي جهوده إلى انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1987م ، ولا كان ذلك بمعزل عن ظهور ما يطلق عليه ( الدين البهائي) الذي بدأت ارهاصاته الأولى في ايران من خلال ما يعرف بالدعوة البابية ، ولعب الروس الأرثودوكس دورا خطيرا في نشوءه ، يقول ( كنياز جوركي ) ذا الصفة المعلنة ( مترجم ) بالسفارة الروسية في طهران ، والذي كان أحد رواد حلقة الداعية البابي كاظم الرشتي تحت اسم اسلامي هو ( الشيخ عيسى النكراني) ، وذلك في مذكراته التي نشرت بين عامي 1924- 1925م بعد سقوط القيصرية في روسيا ، يقول غوركي : – ( سألت الرشتي يوما عن المهدي أين هو؟، فقال أ أنا أدري؟ ، يكون هنا في هذا المجلس!! ، فأذن لمح الخيال في خاطري كالبرق الخاطف ، وأردت إنجازه وإبداله في صورة حقيقية ، رأيت في المجلس – الميرزا علي محمد الشيرازي – فتبسمت وصممت في نفسي على أن أجعله ذلك المهدي المزعوم …. ) .

والميرزا علي محمد الشيرازي هو من صار يطلق عليه فيما بعد اسم ( البهاء) والذي لم يكن صفة لشخصه الخاص بل تجذيفا صريحا وزعما متهافتا بأنه تجسيد حي لبهاء الخالق سبحانه وتعالى ، وذلك ادعاء للألوهية ، ومدعيا أن ما جاء به نسخ ما سبقه ، و لا يخفى استهدافه الاسلام تحديدا ، لقد كانت البهائية أولى الأثافي ، و بين أنه بوحي منها بحث الانجليز عن مأفون آخر يلقنونه مفاسدهم ويوجهونه إلى طعن الاسلام وزرع الفتنة بين المسلمين ، وذلك إضافة إلى خدمة سادتهم العبرانيين ، من أجل القضاء على المقاومة العنيفة من المسلمين حيثما وجدوا في الدول التي استعمروها في الوطن العربي وفي غيره ، مثلما كان الشأن في الهند التي شهدت ثورة التي تزعمها ( سراج الدين أبوظفر) ملك المسلمين في الهند ضد الاستعمار الانجليزي عام 1857م ، كما لم يفلح تضييق الانجليز على المسلمين وتأليبهم المرابين الهندوس عليهم لإضعافهم اقتصاديا ، ولا بالتضييق على مدارسهم ذات المناهج الاسلامية ، ولا يمكن لتاريخ الهند أن ينكر كفاح شخصيات مسلمة مثل الامام أحمد بن عرفان الذي استشهد وهو يقاوم الانجليز ولا الشيخ اسماعيل الشهيد ولا الشيخ محمود الحسن المعروف بشيخ الهند ، ولا أن يتجاهل كفاح الشيخ أبوالكلام أزاد الذي دعا إلى مقاطعة الانجليز وعدم موالاتهم ، وإذن لمواجهة ذلك التيار الايماني الجارف بحث الانجليز عن عميل من بين المسلمين بالذات ، وبما يشبه لعبة حصان طروادة وقعوا على دمية تسمى ( غلام أحمد بن ميرزا القادياني ) في قرية قاديان في البنجاب بشمال الهند ، وهو من أسرة عرفت بعمالتها وولائها للإنجليز ، يقول غلام أحمد القادياني متزلفا إلى ملكة بريطانيا في كتاب باسمه عنوانه ( نجم القيصرة) والقيصرة هي فيكتوريا طبعا : – ( إن والدي المرحوم ميرزا غلام مرتضى الذي واجه مصائب جمة وهائلة في عهد السيخ ، كان ينتظر قدوم السلطنة الانجليزية انتظار العطشان قطرة ماء، وعندما قام واستتب حكم السلطنة الانجليزية في هذه البلاد سر على هذه النعمة وكأنه نال كنزا من الجواهر الثمينة، وكان ناصحا أمينا ومخلصا جدا للحكومة الانجليزية … ) ثم يتحدث عن نفسه معددا مآثره الجليلة : – ( وما صدر مني من الخدمة للحكومة الانجليزية ، أني طبعت قرابة خمسين ألف نسخة لشتى الكتب والكتيبات والاعلانات ووزعتها في هذا البلد والبلاد الاسلامية الأخرى قلت فيها ، إن الحكومة الانجليزية محسنة إلينا نحن المسلمين لذا من واجب كل مسلم أن يطيعها بالإخلاص … ) ثم يلقي ببيت قصيده ( إنني مأمور بأن أزف إلى قيصرة الهند بشارة أيضا ، وهي أنه كما أقام الله تعالى بكمال رحمته وحكمته سلطانها في الهند وغيرها نتيجة الأسباب الأرضية ليملأ الارض عدلا وأمنا ، كذلك أراد سبحانه وتعالى من السماء أن يقيم في عهدها – فيكتوريا – المبارك من عنده ومن الغيب ومن السماء نظاما روحانيا يدعم غايات الملكة لا تنحتى مجرد قيصرة الهند وأمانيها القلبية في إقامة العدل والأمن والرفاهية العامة للناس جميعا ، ورفع الفساد وتهذيب الأخلاق وازالة العادات الهمجية، ويساعدها بالسقيا من الا لتحقيق طبيعي ألا تحيط هذه الاشارات المقتضبة بكل تفصيلات البهائية والقاديانية وما تنضحان به من سوء النوايا وأحط المضمرات تجاه الاسلام والمسلمين ، لكنها تبدو مقبولة من حيث ما هدفت إليه من لفت انتباهنا إلى أن ثمة تسلسلا للأحداث اكتنفته عديد الثغرات والسقطات والاخفاقات ، التي جاءت عن محاولات الاستفادة منها وتلافيها وعدم تكرارها ثالثة الأثافي والبداية الفعلية لما يسمى ( الديانة الإبراهيمية ) .

ولم تكن ثالثة الأثافي وأدهاها سوى فرية ( النظرية العالمية الثالثة) ، التي لم تكن في الحقيقة نظرية ولا عالمية ولا ثالثة ، ولا كانت غايتها اخراج البشرية من مستنقع الرأسمالية بنسختيها ولا اقامة حضارة جديدة ، ولا تحقيق أي مما زعم دعاتها أنها جاءت لتحقيقه من خير للإنسانية ، بل كان هدفها الفعلي هو التحقيق العملي لما أعلنه فوكوياما نظريا في كتابه ( نهاية التاريخ) وقول ما طرحه صامويل هنتنجتون في ( صدام الحضارات) بصيغة تترافد معها وإن بدت مغايرة لها ، أما الوسيلة إلى ذلك فكانت عبر الاسلام ، ليس كمرجعية فعلية لما جاء فيما سمي النظرية العالمية الثالثة ( وإن لم تتوقف ادعاءات من نسب إلى نفسه بذلك) بل الاسلام كهدف يراد تسفيهه والقضاء عليه . إن محاولة تفكيك الاسلام بخلخلة بنيته الكاملة واحداث ثغرات فيما بين العقيدة والشريعة ، وبين مبادئه وقيمه ، وفصل مكوناته كفكر عقلاني عقائدي ومنهج معرفي وبين كونه نظام اجتماعي وتربوي واخلاقي يتأسس على ذلك الفكر ، فلم يأت عن قوة ايمان ولا عن تقوى ادعاء أن ( القرآن شريعة المجتمع ) ولا المنع الرسمي لتداول الخمر ، والذي قابله استشراء كل المفاسد التي تضاد القرآن وما جاء به ودعا إليه ، من انتشار المخدرات الأشد ضررا من الخمر ودخولها عبر جهات رسمية إلى استقدام البغايا علنا بدعاوى الحرية ، ومن تأليب لأفراد المجتمع بعضهم على بعض تحت مسمى تحقيق العدالة الاجتماعية ناهيك عن تأجيج النعرات المتخلفة والجاهلية القبلية والجهوية والفئوية ، ليس عن ايمان ولا عن تقوى كان ذلك ، بل عن محاولة لإلصاق تلك المخازي والدنايا بالإسلام ، ولا تقل دناءة وسوء نية عن أكذوبة أن الاسلام دين الارهاب التي يلوكها الاعلام المنحط كمسلمة لا تقبل الدحض أو حتى مجرد التحفظ بإزائها .

كما أن ( الديموقراطية ) التي يتحدث عنها ما يسمى الكتاب الأخضر ، والتي زعم أنها ليست تقليدية بل ديموقراطية مباشرة ، وسميت شعبية وسلطة الشعب( وما إلى ذلك من الشعارات الفارغة ) ليس لها أية صلة بالديموقراطية ، لكنها ( الشورى ) التي جاء بها الاسلام وأمر بها ودعا إليها ، وقد أخذت مجتزأة ومبتورة عن سياقها الاسلامي ، فالشورى في الواقع قيمة اسلامية انسانية سامية لا يمكن فصلها عن غيرها من مكونات منظومة القيم التي تتصدرها قيمتا ( المودة والرحمة )، والمؤسسة على ( مبدأ التوحيد ) فلا يستوي مطلقا الحديث عن الشورى دون النظر إلى الحياة والحرية والحكمة والمساواة والعدالة والمودة والرحمة … الخ ) وأخذها في الاعتبار ، وبقدر ما لا يستوي الزعم بتطبيق أيا من تلك القيم دون غيرها ( مثلما هو شأن الأيديولوجيات التي تقيم مجالس وهيئات للشورى وتكتفي بأن تسندها إلى نخب اجتماعية أو ثقافية دون بقية المجتمع الذي لا تحقق للشورى إلا بمشاركة أفراده فيها ) أيضا لا تتحقق أيا منها ولا كلها اعتباطا ولا بمزاجية ، لأن قيم الاسلام نظام تربوي متكامل يبدأ فعلا من المهد ، والمودة والرحمة تبدآن من الذات الفردية وبهما وببقية القيم تحقق تلك الذات تكاملها واتزانها الشخصي والعلائقي ، وهي بين الرجل والمرأة مصداقا لقول الله تعالى ( وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 21 ) – سورة الروم – لتكون الأساس لبناء اجتماعي سوي .

ولا شيء من ذلك في النظرية العالمية الثالثة التي قيل لنا أننا نؤخذ في ظلها إلى الجنة بالسلاسل، ثم أن الخالق تعالى ترك للإنسان حرية اختيار الجنة أو نقيضها، لكن النزوعات الاستحواذية التسلطية وتجسدها في الطغيان والديكتاتورية هي التي تسوق البشر بالسلاسل ولكن ليس إلى الجنة بل إلى الجحيم بكل تأكيد، وعبر بوابة برج بابل وثقافة الكذب والتزوير والمغالطة. إن تلك الأثافي الثلاث أعدت لتقعد عليها قدر (الديانة الابراهيمية) من أجل أن نطبخ فيها نحن المسلمون وديننا، لتقديمنا في مأدبة اللئام قربانا على مذبح يهوه الدنس.

مقالات ذات علاقة

فنـانـونـا الأعــزاء عــودوا إلـى مسـارحكــم

حمد المسماري

اضمحلال دور النخب

عمر أبوالقاسم الككلي

فلسفة الضمير

المشرف العام

اترك تعليق