طيوب عربية

الردهة رقم 6 أو حكاية طبيب دخل المستشفى مديرا وخرج منه مجنونا

عزيز باكوش | المغرب

الكاتب الروسي أنطون تشيخوف (الصورة: عن الشبكة)
الكاتب الروسي أنطون تشيخوف (الصورة: عن الشبكة)

كان شابا يافعا عندما أصيب بمرض السل، والأنكى من ذلك، أنه كان يدرك خطورة مرضه، غير أنه لم يقم بأي مبادرة لمعالجة الألم طوال حياته. إنه أنطوان تشيخوف الأديب الروسي الشامخ، ونجم القصة الأدبية وواحد من أكبر ألمعييها عبر كل الأزمنة، بل واحد من أفضل كتاب القصة القصيرة على مستوى القرون الثلاثة الماضية. عاش تشيخوف قمة التواضع والنزاهة. وقد عبر عن ذلك في كتاباته كإنسان بمشاعر رائعة، وأفكار خلدت طيبة روحه بأفكار مستنيرة لن تموت أبدا.

    آخر ما قرأت لتشيخوف أحد عمالقة الأدب الروسي رواية ” الردهة 6″ تدور أحداث هذه القصة داخل مستشفى للأمراض النفسية، هو مستشفى ريفي، تحف به العفونة ويطال الصدأ تجهيزاته، وتحيط النفايات المتكدسة على الجنبات، سيء التنظيم وشديد القذارة، تعمه الفوضى والإهمال، وبه حارس وحيد قاس وعنيف يدعى نيكيتا وهو جندي عجوز متقاعد بسيط وإيجابي مطيع وبليد. وفي إحدى أجنحة المستشفى الذي يشبه حظيرة حيوانات يعيش خمسة وعشرون مريضا نفسيا “مجانين” حياتهم تغلب عليها الفوضى، وتتسم باستخفاف شديد وتقصير مذل للحياة البشرية من فظاعة الاستهتار وسوء المعاملة.

وتشاء الصدف أن يمر بهذه الردهة رقم 6″ الدكتور أندري ييفيميتش وهو طبيب شاب فريد من نوعه، كان يعد نفسه للخدمات الدينية، لكن أباه الطبيب الجراح سخر منه وأكد بشكل قاطع أنه لن يعتبره ابنا له إذا أصر أن يكون قديسا”وعندما أنيطت به مسؤولية إدارة المستشفى الذي كان في حالة يرثى لها ومن الصعب التنفس فيه من عفونة البق والصراصير والفئران، لم يكن راضيا ولا مقتنعا بالمهمة. فبعد أن تفقد أندري المستشفى توصل لاستنتاج مفاده أن هذه المؤسسة غير أخلاقية ومضرة بصحة النزلاء إلى أقصى حد، وكان رأيه أنه من الصواب إطلاق سراح المرضى وإغلاق المستشفى لكنه أدرك أن إرادته وحدها لا تكفي ما رفع من منسوب

معارضته للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في روسيا لذلك ظل يشعر بالمرارة واليأس الشديد. فضلا عن كونه لم يعد مقتنعا بنجاعة الطب النفسي في معالجة هذه الأمراض المتراكمة. وكان هذا مصدر قلقه الدائم. وأثناء مروره بالردهة، صادف أحد المرضى الاستثنائيين مريض نفسي ومثقف يدعى (إيفان ديميتريتش) موظف محكمة سابق وسكرتير المحافظة. كان ذكيا وعلى مستوى عال من الوعي وعلى اطلاع كبير بأحوال العالم، لذلك أصبح صديقه المفضل، رغم أنه مريض وظل يعاني من عقدة الاضطهاد. لقد وثق به وصادقه بحب، لدرجة أن الطبيب كان يمضي الليالي الطويلة في المستشفى يتجاذب أطراف الحديث مع صديقه «المريض» إيفان، فيخوضان معا في نقاشات تتناول أحوال الناس ومعيشهم اليومي وحوارات علمية وفلسفية.

رواية (ردهة رقم 6) لأنطون تشيخوف
رواية (ردهة رقم 6) لأنطون تشيخوف

وتحدث الصدفة أن يأتي مساعد للطبيب فيكتشف كيف أن رئيسه ومدير المستشفى يحاور مريضا نفسيا وفي تمثلات هؤلاء لا يخاطب المجنون بالعقل والمنطق إلا مجنون مثله، فحمل الخبر إلى الإدارة، مؤكدا أن طبيب المستشفى أندري مجنون وفاقد للعقل، لأنه لا يتحدث مع مجنون مثله. لكن المفاجأة، هي أن الإدارة، ستأخذ الخبر مأخذ الجد، وتتبنى موقفا مؤيدا وداعما لمساعد ما جعل الطبيب في مأزق حقيقي. وبات عليه مواجهة الأمر. وتتطور الأحداث وتتجه منحى خطيرا، ويقدم طبيب المستشفى على الاستقالة من مهمته الوظيفية في علاج المرضى خوفا وتذمرا وربما كأقصى تعبير عن خيبة الأمل.  وتتصاعد الأحداث والتصرفات المقلقة والمثيرة، لتؤكد أن الطبيب مريض نفسيا، لقد بدا ذلك من خلال سلوكه وتصرفاته، وهو ما يؤكد ما ذهب اليه مساعده. وينتهي الأمر بمغادرة الطبيب المستشفى كمريض نفسي هذه المرة. ولنا أن نتصور كيف جاء إطار طبي في مهمة لمعالجة أوضاع مرضى نفسيين، وبعد مدة وجيزة، سيغادره مريضا نفسيا وليس طبيبا معالجا.

ويحصل الأسوأ حين يعود الطبيب أندري ثانية إلى المستشفى بعد مغادرته له على مضض، وأخذ قسط من الراحة في أماكن متفرقة خارج روسيا نصحه بها أصدقاءه.  فسافر مكرها إلى وارسو التي لم يغادر فيها غرفته بالفندق. وعادا الصديقان الى المدينة. وحل الطبيب خوباتوف محل الطبيب اندري ييفيميتش مديرا للمستشفى، وتأتي أول مواجهة مع الحارس الفض نيكيتا الذي تعامل معه كمجنون وأمده بروب وملابس داخلية وحذاء ملابس جعلته يشبه السجناء، وعندما أبدى أندريه رغبته في الخروج من الردهة ليستنشق القليل من الهواء ليغير الجو، يفاجئه الحارس نيكيتا بضربة قوية على رأسه، غامت عيناه وأدرك أندري أنها النهاية. لقد توفي إثر نوبة نزيف. فجاء الخدم فسحبوه من يديه ورجليه، إلى المصلى وهناك تمدد على طاولة وعيناه مفتوحتان واضاءه القمر ليلا وفي الصباح جاء سيرجيتش صلى عليه بورع على الصليب واغلق عيني رئيسه السابق ولم يحضر الجنازة سوى ميخائل وداريوشكا طاهيته.”

   حبكة فنية غاية في البراعة وظفها تشيخوف بذكاء عال، يكشف من خلالها المصير الذي ينتظر كل إنسان عاقل ومثقف ومسؤول. كما يعري ضعف السلطة وفسادها، لاسيما عندما تناط لحكام أغبياء وبلداء ضعاف النفوس، فيشرعون في تدبير المكائد ونصب الدسائس حتى يصبحوا على سيطرة تامة، يتحكمون في مصائر الناس، لا سيما منهم العلماء والمثقفين والموظفين الأكفاء المخلصين في العمل. فيوصلوهم إلى الجنون. مثلما حدث لبطل رواية الردهة 6 (أندريه) ومريضه المثقف(إيفان) موظف محكمة سابق وسكرتير المحافظة.

   عندما تنتهي من قراءة الرواية، سيداهمك شعور مذهل. إن مصير أبطال تشيخوف سواء في الرواية أو المسرحيات والحوارات التي أجراها في مختلف كتاباته، هو مسار حياة تشيخوف نفسه. إنها نوع من التماهي الصادق مع السيرة الذاتية لهذا العبقري الفذ، رائد الكتابة الدرامية، لسان حال المجنون والأحمق الطبيب والعالم الفلاح والطالب، إنه المكتوي بنار الإنسان بتقلب أطواره وفوران أمزجته على مدى الحقب التي عاصرها وتلت موته. ” أنهى تشيخوف معهد الطب وعمل طبيبا ممارسا. واجتهد من أجل إعالة جميع أفراد عائلته. ولذلك نجد الكثير من الأطباء من بين أبطال قصصه مثل آستروف وديموف وإيونيتش، وأندري   وإيفان ” وأبطال قصصه المسلسلة تحت عنوان ” جراحة ” وقصة ” الردهة رقم 6 ” وغيرها من القصص.

   وبالعودة إلى تفاصيل حياته، كان تشيخوف الابن الثالث من ستة أبناء لأب يعمل في التجارة. اشتهر أنطون بتعليقاته ومزاحه وبراعته في إطلاق الألقاب الساخرة على الأساتذة. كان أنطون عاشقا للمسرح والأدب منذ صغره، وحضر أول عرض مسرحي في حياته (أوبرا هيلين الجميلة من تلحين باخ) عندما كان في الثالثة عشر من عمره. وكان ينفق كل مدخراته اليومية لحضور المسرحيات، حيث كان مقعده المفضل في نهاية صالة العرض لانخفاض سعر التذكرة. كما ألف في طفولته أيضا مسرحية طويلة أسماها “بلا أب

 كتب مئات من القصص القصيرة، ويعد الكثير من أعماله ابداعات فنية خالدة مثل ” وفاة موظف ” و” مزحة “، و” جهاز العروس” و” حكاية مملة “. كما كتب تشيخوف عام 1890 وهو في قمة نضجه وصعوده إلى ذروة الأدب الروسي القصة الوثائقية ” جزيرة سخالين” التي تتحدث عن رحلته إلى تلك الجزيرة النائية الواقعة عند الشواطئ الشرقية لروسيا. تركت مسرحيات تشيخوف أثرا عظيما على فن الدراما في القرن العشرين مثل: “طائر النورس”، و”الخال فانيا…”  كما أن مسرحياته كان لها أعظم الأثر على دراما القرن العشرين. ولد انطون تشيخوف عام 1860 في مدينة تاجنروج، وهي ميناء محلي يقع على ضفاف بحر أزوف جنوب روسيا”. توفي تشيخوف في مصحة بادن فيير بألمانيا في 15 يوليو عام 1904 وتم نقل جثمان الكاتب الروسي العظيم إلى روسيا. حيث دفن في مقبرة نوفوديفيتشي بموسكو التي تضم رفات مشاهير روسيا.”

مقالات ذات علاقة

الغمازة

إشبيليا الجبوري (العراق)

كتاب جديد يرصد تاريخ الحركة العلمية في زنجبار

مهند سليمان

رواية (أدركها النّسيان) لسناء الشّعلان في رسالة ماستر في الجزائر

المشرف العام

اترك تعليق