متابعات

تجربة أبوبكر كهال الروائية تحت المجهر

الطيوب : متابعة وتصوير / مهنّد سليمان

ندوة ثقافية بعنوان (قراءات في تجربة أبوبكر حامد كهال الأدبية)

نظمت الجمعية الليبية للآداب والفنون مساء يوم الثلاثاء 17 من شهر يناير الجاري باستضافة من جهاز إدارة المدينة القديمة طرابلس بدار حسن الفقيه حسن للفنون ندوة ثقافية بعنوان (قراءات في تجربة أبوبكر حامد كهال الأدبية)، وذلك بمشاركة نخبة من الكتاب والأدباء اللذين شاركوا بورقات نقدية رصدوا من خلالها نواحي عدة في تجربة الأديب كهال الروائية، وأدار وقدم مجريات الندوة الكاتب “رضا بن موسى”، كما أقيم على هامش الندوة معرض مصغر لبيع أحداث إصدارات مكتبة دار الفرجاني للنشر وبعض روايات أبوبكر كهال.

الرواية الأولى
واستهل الباحث “حسين المزداوي” مشاركته بتوطئة لخص فيها ظروف مقدم الروائي أبو بكر كهال لليبيا مشيرا إلى أنه قد جاء لليبيا عام 1979م وخرج منها عام 2011 وأثناء هذه الفترة لم يتلقي بأسرته إلا عقب مرور عشر سنوات تقريبا حيث التقى بوالده ووالدته في شرق السودان وتابع المزداوي إن كهال استقر في ليبيا وهو بعد يحمل الشهادة الإبتدائية ودرس في مدينة صبراتة الإعدادية والثانوية، ومن ثم التحق بجامعة الزاوية ودرس فيها الفيزياء، وفي خضم دراسته الجامعية استعار من صديقه الأديب الراحل رضوان أبوشويشة رواية للكاتب الأمريكي “إرنست هيمنجواي” المعنونة (وداعا أيها السلاح) بيد أنه سرعان ما توقف عن دراسة الفيزياء رغم تفوقه فيها، وحين أراد دراسة اللغة العربية رفضت الجامعة، وبقي لسنوات منقطعا عن الدراسة، وأضاف المزداوي بأن أبوبكر كهال كان مترددا في نشر ما يكتبه لشعوره بعدم الاستعداد بعد، ولم يخفي رغبته في الخروج ومغادرة البلد طوال الوقت، وذكر المزداوي أن أكثر ثلاثة أشخاص مؤثرين في حياة أبو بكر من ناحية الإبداعية الراحل جيلاني طيربشان كونه رفيقه ورضوان أبو بشويشة ومنصور أبو شناف، وأردف المزداوي بأن أول عمل كتبه كهال كان رواية بعنوان (رائحة السلاح) الصادرة عام 2004 وهي تمثل جزءا مما شاهده وعايشه أبوبكر عندما كان طفلا صغيرا من أحداث الثورة الإيرتيرية، وأوضح المزداوي إن أبوكر حامد يعد صاحب تجارب كثيرة مع الحياة داخل ليبيا بالإضىافة لتجربته النضالية في إريتريا، وهو ما ولد لديه الحس الإبداعي المتقد.

ملحمة رائحة السلاح
فيما شارك الكاتب “إبراهيم حميدان” بقراءة انبطاعية عن رواية (رائحة السلاح) للأديب أبوبكر حامد مشيرا أن الرواية تنهض على تقنية تعدد الأصوات وهذا الأمر من سمات الرواية الجديدة، حيث تتيح هذه التقنية تقديم الرواية من عدة زوايا عوضا عن الزاوية الواحدة كما في السرد في الرواية التقليدية يأتي السرد في بداية الرواية على لسان طفل صغير الذي قدم لنا المشاهد كما تراها عيناه، ونتعرف من خلال السرد الذي يأتي على لسان الطفل على المذابح التي ترتكبها القوات الأثيوبية في حق المدنيين الإيرتريين، وأضاف حميدان بالقول أنه منذ بداية السرد نجد أنفسنا في أجواء الحرب حيث تشن القوات الأثيوبية هجوما مسلحا على القرية الإريترية التي يعيش فيها الطفل الراوي مع أسرته، وأردف حميدان قائلا : إن السرد ينتقل بلغة مكثفة وفي مشاهد أقرب إلى مشاهد السينما يرسمها السارد ببراعة، يصور لنا فيها شخصياته وهي تتحرك تحركات أعضاء الجبهة الإريترية داخل المدينة، لقاءتهم السرية في المقهى وفي المحلات ومشاهد القتال العسكري ضد كتائب الجيش الأثيوبي، وتفاصيل الحياة اليومية للناس، كما بيّن حميدان أن القارئ عبر عملية السرد يتعرف على الواقع والبيئة الإريترية وأسماء المدن والقرى والجبال والوديان والشوارع، وعلى الناس والأكلات، والعادات الاجتماعية والعلاقات بين الأفراد، ويقدم لنا السارد شخصية سعدية المناضلة التي تستدرج الخائن الذي يشي بأعضاء الجبهة لدى القوات الأثيوبية، وتابع حميدان أن السارد رغم مشاهد القتال وأجواء الحرب يصور لنا علاقة حب تنمو بين “زهرة” و”أحمد همد” المناضل الإريتيري لكنّ الطائرات الأثيوبية تقصف المكان الذي يتواجدان فيه فيفترقان ليتقيا ثانية في وقت آخر في الجبهة يقاتلان جنبا إلى جنب، وأكد حميدان أن هذه الرواية القصيرة تصور ملحمة كفاح الشعب الإريتري ضد الإحتلال الأثيوبي، وبقدم الروائي هذه الملحمة بلغة الفن دون أن ينزلق في الشعاراتية أو المباشرة أو الكلام العاطفي.

النضج الروائي
من جانبه أكد الكاتب والأديب “منصور أبوشناف” عبر مداخلته أن الموضوع الأساسي بالنسبة لتجربة الروائي أبوبكر كهال هي أن مجموعة أعماله الروائية تمثل سيرته الشخصية وسيرة المقاتلين الإريتريين من أجل الحرية والاستقلال كل ما تعرضوا له من معاناة بدءا من طفولته وحتى منافيهم، مضيفا بالقول أن أبوبكر قد بدأ مع رواية رائحة السلاح وهي مرحلة الطفولة والمواجهة مع المستعمر الأثيوبي ثم في رواية بركنتيا يستمر على ذات المنوال فيستمر هذا الوعي أكثر وهذه الهوية وهذا الوطن للتعرف عليها ومعرفة مناطق أخرى بخلاف القرية التي يسكنها، وتابع أنه بعد أعماله جميعها التي ما يطرح قضية مقاومة المستعمر كجزء أساسي ومشارك في هذه العملية لتنتهي تجربة أبوبكر النضالية مثل معظم مناضلي العالم الثالث اللذين حاربوا من أجل الاستقلال، وأضاف أبوشناف أن هذه المسيرة يعرفها الليبيون وغالبية الشعوب التي استعمرت وقاومت الاستعمار كان أبطالها ومجاهديها من أجل الحرية ليدفعوا بعد الاستقلال ثمن المنفى، ويرى أبوشناف أن أبوبكر كهال عبر أعماله وهو يكتب بشكل واعي قد سرد سيرة أي مقاوم للاستعمار في العالم الثالث كل أبطال المقاومة في العالم الثالث، وأشار أبوشناف أنه من هذا المنطلق تكتسي تجربة أبوبكر كهال أهميتها في أنها تقدم لنا صورة حقيقية لمصير ومآل كل أو غالبية المناضلين للمستعمر ما بعد الاستقلال وحجم ما تعرضوا له على أيدي حكوماتهم لاحقا، واعتبر أبوشناف أن رواية (بركنتيا) هي أنضج عمل روائي لأبوبكر كهال حيث أن أبوكر في هذه الرواية يبدو متمكنا من أدواته الفنية يكتبها بعمق وتأمل، وأيضا ارتباط الصورة بمعناها السينمائي المتحرك والكامل ودلالات هذه الصورة فهو لا يرسم صورا عبثا وإنما يرسمها بدلالات ممتازة.

السؤال الوجودي
وشارك الكاتب والشاعر “أحمد بللو” بورقة انبطاعية حول رواية (تيتانيكات إفريقية) سجل بواسطتها حسب وصفه بعض النقاط التي قد تفيد من الاقتراب من هذا العمل السردي المهم واللماح لمعضلة الهجرة من الجنوب إلى الشمال التي بدت في العقود الأخيرة كظاهرة لافتة في مأساويتها وأسئلتها الحادة والجوهرية فبعد رائحة السلاح وبركنتيا حيث واجه كهال السؤال السياسي الوطني لوطنه في حرب التحرير ضد الغزو سواء كان الشمالي أو الأثيبوبي ليصل في تايتانيكات إلى السؤال الوجودي منذ العنوان سنعرف أن الرواية جاءت كتناص صريح مع فيلم تايتانك الشهير الذي ذاع صيته في السنوات الأخيرة، والذي يصور رحلة غرق السفينة العملاقة تايتانك التي وقعت أحداثها في بداية القرن العشرين أثناء رحلتها من بريطانيا نحو أمريكا كمأساة تراجيدية وعاطفية، وأضاف بللو أن التناص ليس في العنوان فقط بل ومن الغمز من طرف من الجنوب بأن هذه تيتانيكاتنا لكف التناقض بين التراجيديتن، وسنعرف حين يروي لنا كهال وهو كان الراوي أن القوارب الإفريقية المثقوبة وهي تلفظ ضحاياها، وأضاف بللو أنه من الواجب أن نسأل أين الخطأ التراجيدي تيتانيكاتكم الباذخة الهجرة الفخمة وهذا البذخ والهجرة من الشمال الثري إلى الشمال الأوسع ثراءً، وهذا الموت الباذخ، وهي تيتانيكاتنا الجنوبية التي تركب الموتى لتصل إلى الشمال الثري، موضحا بأن التناقض يأتي أيضا مع صورة ترسخت في أذهاننا بعد رواية (الجذور) لألكس هيلي، ويعتقد بللو أنه إذا كان كهال يحاكم الشمال فإن الحقيقي أيضا يحاكم مرحلة ما بعد الاستعمار والاستعباد مرحلة الأنظمة التي سميت وطنية، وأردف بللو متسائلا : مالذي يجعل الأوطان تلفظ أبنائها ومالذي يجعل الأبناء يغادرون الوطن الأم.

مقالات ذات علاقة

“حافة وادي” فيلم سينمائي جديد بصناعة ليبية‎

المشرف العام

محاضرة بمجمع اللغة العربية تسلط الضوء على تطرف المستشرقين

مهند سليمان

تعرف على كاتب حرم ليبيا من «البوكر»

المشرف العام

اترك تعليق