المقالة

تعاسة حقبة الاستقلال الليبية

إعلان الاستقلال ليبيا
إعلان الاستقلال ليبيا

الخرافة لا تخلو من الوهم:

ماذا لدى الوهم إلا مزيداً من الوهم ففي كل مرّة هنا وهناك يظهر من يقول للناس إنّ فترة حقبة الاستقلال الليبية كانت بالفعل: “دولة عصرية حديثة دستورية” في محاولة بائسة غير واقعية لتجميل تلك الحقبة المتجذرة في التخلف، وهي محاولة فاشلة كمن يقوم بترقيع ثوباً لا ينفعه الترقيع.

تنكر للمصلحة العامة:

 منذ بداية تلك الحقبة فهي كانت متنكرة للمصلحة العامة لأنّها كانت حقبة عصبيات منغلقة على ذاتها تحمي مصلحتها الفئوية وحوّلت البلد إلى مزرعة خاصة لفئات محدودة ذات وشائج قبلية وعشائرية لا تنسجم مع اختيارات الناس وتطلعاتها في الحرية والكرامة فالإنسجام السياسي الإستراتيجي بين ” الدولة” والمجتمع كان هشاً إنْ لم يكن معدوماً. كان هناك خلل في الوضع الاجتماعي والسياسي القائم حينها كان لا يلتقي ولا ينسجم مع اهداف الدولة الحديثة.

غياب البعد الأمني والإستراتيجي:

النقطة الرئيسة هي التالية: مشروع بناء الدولة حقبة الإستقلال كان ينبغي أن يكون موجهاً للتحرر من هيمنة منطق القبيلة ومنطق النوازع العائلية، أي منطق الإستحواذ والغطرسة والغنيمة و الإنكفاء الأناني والتسيد والتمييز بين الناس والوصاية على البلد، بمعنى أنّه كان ينبغي أن يكون موجهاً لتكريس منطق المؤسسات والقوانين والعلاقات الموضوعية بين مختلف فئات ” الشعب” عوضاً على أنّه كان ينبغي بالدرجة الأولى على الحقبة أن تركز على الأمن واالإستقرار والقضايا الإستراتيجة والتي كانت معدومة بالكامل بدليل الإنقلاب العسكري من قبل أحدى مؤسسات الحقبة العسكرية على تلك الحقبة الهشة.

التحالف القبلي والعائلي ضد الدستور:

الدستور حقبة الإستقلال ينص على أن الشعب أو الأمة مصدر السلطات والسيادة وبالتالي فإنّ السلطة السياسية مقيدة بنصوص الدستور، غير أنّ واقع الأمر كان على خلاف ذلك النص فقد كانت السلطة السياسية مقيدة بمنطق القبيلة والعشيرة والمصاهرة والقرابة العائلية. فمثلاً الحكومات كان تتصرف في قضايا استراتيجية دون الرجوع إلى المة واستفتائها بشفافية ووضوح كما تقتضيه فلسفة الدولة الحديثة والعصرية والدستورية بالذات. فهيمنة القبائل والعوائل على مقاليد السلطة واحتكارها الفاضح منذ الإستقلال مهدت مع عناصر أخرى خارجية إلى سيطرة العسكر على البلاد ‘ فقد أهدى ساسة وحُكام تلك الفترة البلاد لملازم عسكري لم يبلغ من العمر الثلاثين عاماً في شهادة واضحة على تعاسة تلك الحقبة.

الصدع في الصدق مع الدستور:

لا شك أنّ الدستور كانت له إرادة حرة، ولكنّها كانت إرادة معلقة في الهواء الطلق، فالدستور كان يقول أنّ الناس متساوون ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو اللغة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو الثقافة، بينما منطق البنية السياسية الليبية التقليدية كان يقول غير ذلك ويتناقض معه واقعياً وأُفهومياً، وفي مكان آخر في صفحات الدستور نقرأ أنّ التعليم ركن أساسي وتكفله الدولة وفقاً للقانون، وفي نقضٍ واضحٍ لهذا المبدأ كان يتولى بعض إدارات التعليم وبناءً على قرار وزاري اشخاصاً يتم إختيارهم على حسب مزاج وزير التربية والتعليم ذاك المزاج المرسوم سلفاً من قبل التوصيات الخاصة و المحسوبيات الفاضحة غير العادلة وغير الأخلاقية وليس على حساب الأقدمية والتسلسل الإداري والخبرة والحنكة والحكمة والاستحقاق، مثلاً:  قام من يشرف على إدارة مدرسة بوظيفة ناضر بإستضافة وزيراً للتربية والتعليم في بيوتهم هكذا علاقة مباشرة بين الناظر وبين الوزير نتج عنها في نهاية المطاف تعيين الناظر مديراً للتعليم في المحافظة قفزاً على الحقوق الدستورية والإدارية لمن كان أصلاً أحق وأجدر بالمنصب،  فالدستور يربط بين التعليم وتقدم المجتمع وتطويره، بينما يقوم الوزير بمخالفة الدستور وانتهاك حق مواطن آخر، وهو أمرٌ يدلل على انهيار المضمون الاجتماعي والفكري للترية والتعليم ومساهمة الوزير في الحط من قدر التعليم والعلم وجودة النظام التعليمي برمته، فثمة كان هناك قيم متناقضة تخالف مبادئ الدولة ” الحديثة العصرية ” فلم تكن إلا قيم ترتبط بضرب من ضروب الإستبداد.

الغموض والتشظي في حقبة الإستقلال المُبهمة الوجه:

ولا شك بأنّ الدستور كان حقيقة تاريخية، ولكن منطق القبيلة  وتحالفها مع العائلات الكبيرة في أكبر المدن الليبية غيّب هذه الحقيقة وتسبّب في طمس الدستور السياسي أيّ طمس فكرة المواطنة وطمس ضرورة تكوين المواطن حضارياً وثقافياً ومعرفياً وطمس ضرورة ترقية المجتمع فسادت البنية الإجتماعية التقليدية وتلاشت فكرة ” الدولة” وانفصمت السياسة عن المجال الإجتماعي و غابت الذاكرة المؤسسية والإفادة من كفاءات أخرى خارج القبيلة والعائلة، فضلاً عن ما كان هناك من قدرٍ كبير من المهنية والحياد في أداء إدارات الحكومات، التي كانت تُسمى وزارات وما كانت بوزارات حديثة عصرية بل وزارات طربوشية في منتهى التخلف مما أدى إلى  وجود ” دولة” ضعيفة غير قادرة على أداء وظائفها الأسلسية، عاجزة على أنْ تنهض ببعض الواجبات، فتفسخت العلاقة بين ” الدولة ” وبين ” المواطن” عندها سُدت أبواب آفاق التفكير الرزين على امكانات واحتمالات جديدة قادرة على صياغة شروط الحياة الاجتماعية والسياسية وعلاقاتها بالدولة.

مقالات ذات علاقة

العالم الأول الثالث

أنيس فوزي

مخاصمة الطبيعة

يوسف القويري

القراءة مستقبل الطفل

المشرف العام

اترك تعليق