النقد

رؤيا تحليلية نقدية في قصائد من ديوان “ناسكة” للشاعرة الليبية/ آمنة الأوجلي

د. عباس الجبوري | العراق

ناسكة.. للشاعرة آمنة الأوجلي
ناسكة.. للشاعرة آمنة الأوجلي

الشعر الليبي محكوم بالتزامن مع الكفاح والعاطفة، وله أغراضه واتجاهاته الفنية، معطراً بنكهة وذائقة شعراء المغرب العربي… عند تناولنا نموذج من الشعر الليبي المعنى بفخامة توضيح الالفاظ التي تحتسب على ميول الحرف لصوته، نؤكد احتراف شاعرة تنسج السماع الجمالي بوحدته، فتثير السماع الحاني بتأثير صيَّغ اكتمال نظام تعزيز المباني الشعرية، تزامناً ومسيرة الشعر النثري الحديث…

أنها الشاعرة آمنة محمد علي الأوجلي.. التي انطلقت تعدو إلى مفاهيم قدسية اللغة العربية، في قصائدها بتجربة سامقة اساسياتها، المحفل الديني.. تقول في سيرتها الذاتية:

الإسم: الشاعرة/ أمنة محمد علي الأوجلي. مواليد: بنغازي 1960. حاصلة على ليسانس أداب وتربية لغة انجليزية من جامعة قاريونس عام 1984. عملت كمعلمة بالمدارس الثانوية. مفتشة تربوية بمكتب التفتيش التربوي/ بنغازي عام 2006.ساهمت في تدريب طالبات كلية اعداد المعلمين التابعة لجامعة قاريونس لعدة سنوات. شاعرة تكتب الشعر الحر وقصيدة النثر. لها ديوان شعري صدر عن مؤسسة النيل والفرات للطبع والنشر والتوزيع عرض بمعرض القاهرة الدولي عنوانه (ناسكة) في يناير عام 2020. ديوانها الثاني تحت الإنجاز بعنوان “مازلت أريدك بعمري“.

تشير بداياتها، ثأثرها بما يسمِعُها والدها من انشاد ديني للشيخ النقشبندي وقصائد يحفظها ويفسرها لها رغم إنه لم يكن متعلما. منذ نعومة أظفارها شغفت باللغة العربية وشعراءها مثل عنترة والخنساء والمتنبي. وبما سمعته من والدها طيب الذكر من قصائد كقصيدة ولد الهدى، وأراك عصي الدمع.. جبل التوباد، ومن أجل عينيك عشقت الهوى. وزاد تأثرها بالشاعر الراحل والإذاعي المتميز صاحب الصوت الرحيم بإذاعة بنغازي محمد المهدي وكثرت قراءاتها للشاعر محمد مهدي الجواهري.

كتبت أول قصيدة لها في الجامعة.. كانت خاطرة متواضعة.. وتبعتها خواطر أخرى كثيرة، وبعد التخرج من الجامعة والتحاقها بالتعليم بدأت تكتب من جديد بما يعتريها من مشاعر وأحاسيس، في محاولات شعرية، في فترة كانت صعبة جدا في حياتها.

تقول: “كان الحرف رفيقي وسندي وصديقي الذي أخبره بما بي“.. وتعمقت في الاستفادة من قراءة الكتب ودواوين كوكبة الشعراء والأدباء المحليين في بنغازي، ومنهم الشاعر محمد المهدي والشاعر محمد جاب الله الفرجاني والشاعر حسن السوسي، كما كانت تسترق السمع لهم، وهم يتحاورون شعرا.. وتحدثت: هناك عرضت ما أكتب على الشاعر محمد المهدي الذي شجعني كثيرا رحمه الله، وكانت أول قصيدة لي تبث بصوته في برنامج مساء الثقافة عنوانها ”كن صديقي“…

من هذا يستدل أن للشاعرة آمنة محمد علي الأوجلي بانها بنَت الأساس لتجربتها متأثرةً بقامات ليبية معروفة، وظهر هذا التأثر من خلال قصائدها التي استطعنا ان نقرأ فيها صيغة المحاكاة في القصيدة النثرية بدلالتها التي تخاطب الصيغة اللسانية والصورة الفريدة بالمنحى الذي تراه الشاعرة، واعدةً في تحقيق اللزوم الفني الصوتي لنصها، في تطور ملحوظ بقصائدها التي تظهر فيها صيغتي “التحدي والثبوت“ على أرض المغرب العربي، وهنا يبرز موقف الشاعرة التي يصعد صوتها من شجاعة الذات، بواسطة واعز النتيجة التي تميز خطابها الشعري عبر ظهور جنسه العربي الثابت على أرضه المتحد الشامخ كالجبل…

الملاحظ على تجربة الشاعرة أنها تبحث دائماً في دفاتر بداياتها، محاولة استذكار الجانب الخفي في شخصيتها المتأثرة بالفولكلور العقائدي. لكن أسلوبنا النقدي جعلنا نستحضر آخر مستجداتها، بعد ان طورت إسلوبها إلى نصوص شعرية مؤطرة بأنسام الحياة في ديوان (ناسكة) ومنه هذه القصيدة: “قل لي أحبك“…

قل لي احبك..

كي ينبت البيلسان..

كي تزدهي أحداق عمري

وتزهر أوردتي اقحوانا…

قل لي احبك

كي نعزف لحن الامنيات

ونلملم أتراح ذاك الشتات..

كي نجوب حدائق العشق

البعيدة نذوب

كألف زهرة حب

ملئ قلبينا والشريان

قل لي احبك..

اذا ما غرد الصبح وغنى

اذا ما التحفت رداء الحنين

اذا ما اغرورقت بالدمع عيناي

وزارني شبح الليل الحزين

اذا ما لفني لوحدي الصقيع

وضاقت دروبي بدوار الريح

ففي راحتيك المنى

ومن عطر انفاسك.

يورق الدراق والارجوان

* من ديوان “ناسكة” – آمنة محمد علي الأوجلي، بنغازي

في هذه قصيدة “قل لي أحبك” تكشف غلاف السلفان عن الحب والوجودية / وهي إشارات تُهدينا الشاعرة إلى الواقع الّذي يتسربلُ دّماء الحب فيه.. فالعنوانُ (قصيدة فعلية ) مُعبّر ودالّ على محتوى القصيدة الاعترافي بالعاطفة، وهذا ما يشجعنا أن نقول: حقيقة الأمر، بين الشعر والنقد حبل سري يغذي كلاهما الآخر.. فالنقد يتنسم روائح الأدب، والأدب يعطر النقد بروائحه الفواحة، وكلاهما سند للآخر.. وهي مناسبة أن نصغي إلى حرف الشاعرة “آمنة محمد علي“ في قصيدتها الاخرى: ”اعدني إلى نصابي“…

أعدني إلى نصابي

يا سيدي هذا الهوى أزرى بي..

الشوق في قلبي ردى

ليل تدله مدنفا

وهمسك المجنون

يفك ضفائري الحيرى

وينتشي برضابي.

أعدني إلى نصابي..

غضب رحيلك لا رجوع

وأظل وحدي والدموع

وتفاصيلك المحمومة

تعبث بي ظمأ

متى ينثني ذاك الندى

قطرا على أوصابي

أعدني إلى نصابي..

فالعمر حضن غامر

ويدان تدفئ وجنتي

وقمر يعانق صبوتي

ويبابي

أعدني إلى نصابي.

آمنة محمد علي الأوجلي، بنغازي/ليبيا

وتمثل قصيدة (اعدني إلى نصابي) احتقانا عاطفيا ينتظر البوح.. هي قصيدة وجودية سجينة في خلجات القلب، فالشاعرة ترسم صورة للأشواق التي تتمنى أن تتفتح براعمها على شرفات الزمن، لكن الترقب والمخاطر تحول دون تفتح تلك البراعم، وهذه الصورة تشكل قضية انسانية وجدانية، فكم من الناس يضطرون إلى حبس أمنياتهم في قوارير الانتظار، وكم من الأشواق تتحول أشواكا تدمي وجنات القلب، الشاعرة في هذه القصيدة تثير الشجون الوجودي، كانها تقول .. نحن بحاجة إلى ثقافة تطلق سراح أمنياتنا وتحرر وجداننا دون خشية من رقيب يكره لغة الحب، ودون أن نخفي مشاعرنا وكأننا نخفي عيوبنا…!!

القصيدة فيها التّميّز بشكلها ولغتها وشكواها، رغم ما فيها من مباشرة العواطف، لكن تمتلك الشّكل الأدبيّ الأكثر دلالة على التّمرّد، حيث إنّ القصيدة التّقليديّة باتت تشكّل قيدًا يحدّ من قدرة الشّاعر المعاصر الذي تعقّدت تجربته الشّعريّة، ولم تعد القوالب الشّعريّة قادرة صالحة لاستيعابها. فكيف نشأت ومتى بدأت بالظّهور في أدبنا العربيّ.! وأن الشاعرة كيفت احاسيسها وفق الجناس الشعري بضوابط النثر المقطع بمعايير حدّدها النّقد لتكون القصيدة خالصة نثرية فيها انزياحات مثيرة..؟

الشاعرة الليبية آمنة الأوجلي

إذن، أمامنا تجربة شعرية ناضجة، فالشّعراء الحقيقيّون حين يكتبون شعرهم بالنّثر، بعد أن كتبوه بالوزن، لا يفعلون ذلك بدافع الرّغبة في السّهولة أو بدافع الجهل لعلم العَروض بل بدافع الرّغبة في أشياء أخرى أبسطها خلق لغة شعريّة جديدة خاصة وأن الشاعرة تكتب ايضاً الشعر الحر، ولإدراكها حدود النثر القصية/ حيث ظهر هنا صوت الكلمة في تجسيد الدّلالة، شكلًا صوتيًّا للمعنى، كما في صورتها الحسيّة أو وجودها الفيزيائي يصبح بما فيه من عثرة أو اكتظاظ أو استطالة صـورة مرئية لما تريـد التّعبير عنه.. وبما يوحي هذا المقطع:

غضب رحيلك لا رجوع

وأظل وحدي والدموع

وتفاصيلك المحمومة

تعبث بي ظمأ

متى ينثني ذاك الندى

قطرا على أوصابي

وقد تمكنت من استخدام مفرداتها بتأني:

الغضب/ عدم الرضا

الرحيل/ الفقدان

الدموع/ الحزن

الظمأ/ الصبر

الندى/ التأمل

بهذه المشاعر تكشف الحالة النفسية للشاعرة في توجيه خطابها الشعري لما وراء الكلمة بقوة الإيقاع، وهذا نوع من التميز بإحساس راقٍ بديع، ترى الجمال الذي يأتي من ألوان الحياة والطبيعة فتستعمله بمزج فريد من أحاسيسها الرقيقة والتي تغلب عليها ريشة الإبداع في رسم صورٍ ممزوجة بمصداقية الحنان الأنثوي، وما تحمله المرأة من عاطفة، فأجد في نصوصها ولادات تتوالى، فتأخذ وليدها إلى صدرها، تعطيه كل ما تملكه من مقدرة على أن يكون أجمل وأفضل في خلق منجزها الشعري في سياق نصها: “على رجع الظمأ“

على رجع الظمأ.. وأنين

صبغي لا يئن بل لظى

وردى الحنين يقتات ليلي

مسجورة أي شظى..

أينك وضفائر زهري

قد ذوت وعهد خطه الترحال

لا دنوت ولا انطفئ..

أينك وعواصف الذكرى تجتثني

وتطوي مسافاتي اليك تهزني

يا لهمس.. وجنون وشموع

وحديث ناعم.. روسدتني

يم الهوى أي حلم أتلاشى

وهوى..

تبعثني فوق سطور الجمر

حافية اليك تجتاحني

شغفا وأسكن مقلتيك..

تجلدني بأنفاسك وتستبيني..

ويعودني صوتي صدى

أي لظى… أي لظى..!!

فليس لي إلا بشاهد حي من كلماتها طابع المناداة.. “أينك وعواصف الذكرى تجتثني“.

لم تلتزم الشاعرة في هذه القصيدة بقوة الوزن ولكن إلتزمت بوحدة الإيقاع، ونوع من التغريب وأن الجرس الموسيقي للقصيدة كان متوافقاً مع نسيج القصيدة.. فليس لي إلا بشاهد حي من كلماتها طابع المناداة “أينك وعواصف الذكرى تجتثني“.. ونجحت في تسنيم الطباق، والجناس، والسجع، كما أنها تألقت في الاستعارات المتعددة التي استخدمتها في النص..

> التجربة الشعورية:

نقلتنا الشاعرة في قصيدتها (على رجع الظمأ) إلى عدة أماكن من خلال الانفعالات التي تمر بها لتدلنا على مدى عمق وصدق ووضوح هذا الإحساس الذي ترسمه في القصيدة.. فشعورها بالإحباط من واقع الحال بقولها:

“تبعثني فوق سطور الجمر

حافية اليك تجتاحني

شغفا وأسكن مقلتيك..

تجلدني بأنفاسك وتستبيني..

ويعودني صوتي صدى

أي لظى.. أي لظى..!!“

تحاول الشاعرة للحيلولة دون إجهاض براعم أشواقنا في أعماقنا، فإننا لا نرفض دائما هزيمة قلوبنا وهذا الرفض يتجلى في إلحاح الشاعرة على التمسك بحلم قادم ونبض يُسمع صداه ولو بعد حين، وهذا الإلحاح أو الإصرار تعبر عنه سين المستقبل في قول الشاعرة (وردى الحنين يقتات ليلي/ مسجورة أي شظى../ وعواصف الذكرى تجتثني.)، وهذه ميزة الشرطية في قصائد الشاعرة آمنة محمد علي الاوجلي. يعدّ التّرابط أو التّماسك النّصًي، والانسيابية أحد أسس علم النّص الحديث، وتنطلق الدّراسات اللّسانية المعاصرة من أنّ النّص “بنية مركبة متماسكة ذات وحدة كلية شمولية”.

> القراءة الاستنباطية:

استهلالاً بدأت المبدعة بالحراك، كلغة تجمع وتلملم المدرك الذاتي، أعطت للفعل جمع أبعاده، بحيث (جمّعت خيوط) الملموس، وأضافت الصوت، حتى ندرك الملموس والمحسوس سمعاً، فأعطت للجملة الشعرية جماليتها، فالنص له فلسفته السايكلوجية التي تنابعت بحراكات عدة بالنص (قل لي احبك،،كي نعزف لحن الامنيات،،ونلملم أتراح ذاك الشتات..) فهذه الجملة الشعرية تعطي البعد المكنوني الداخلي الذي تشاغب به روح الشاعرة المتمردة التي تنحاز لخيارات (اذا ما غرد الصبح وغنى.. اذا ما التحفت رداء الحنين) هنا استمرارية المحاكاة الأنوية التي تعترف بالسعي وأيضاً بالعودة للذات الأخرى، فهو الهروب منها وإليها باحثةً عن آمال بعيدة عن نبوءة تعيد تشكيل الحياة بصورة أخرى مع هذا الاضطراب.

في ديوان “ناسكة” للشاعرة آمنة محمد علي نجد فيما تكتب المختارات الشعرية، أن الأنا الشاعرة حاضرة بقوة، فتبدو البلاغة في هذا الديوان إثباتاً لانتماء الذات الشاعرة إلى الجيل الحاضر من شعراء القصيدة النثرية، كما أن التخصص التربوي في الممارسة المهنية كان ملامساً لأفكار الشاعرة في جمال الإنتاج الأدبي. ومعطيات الحداثة مما ترك أثره في تشكل عناوين قصائدها فتركت جرساً واضحا في ضوء نظرية التواصل من رسالتها مشفرة من المرسِل إلى المرسَل (المتلقي) محكومة بسياق الذائقة لترسل عبر قناة وظيفة الأدب مكنون نتاجها الشعري.

إن سلاح النقد لا مجاملة فيه، ولأن الشاعرة أمنة محمد علي هي إبنة ليبيا عرين الادب الشاسع وأحدى نجومه الساطعة، كانت لنا مع قصائدها جولة سريعة، لأنه ليس من السهل أن نضع نظرتنا النقدية في تجربة شاعرة تربوية، ولكن من خلال ديوانها (ناسكة) كتبنا عنها ما يجب من حيث الألمام الكامل عن قدارتها، فهي شاعرة من جمار وورد، انسانة جريئة وشفافة وشاعرة متمكنة من ادواتها قد يكون الشعر المتنفس الكبير للأستاذة آمنه محمد علي الاوجلي في حِلها وترحالها الادبي والاكاديمي، وهو العالم الذي تحلق فيه روحها في سماوات الألق ونسج الخيال في عوالم الارض والتواصل الاجتماعي في الدفق الشعري الذي جعلها على طريق الإبداع.. وهي المرأة الانسانة التي اكملت رسالة مهنتها التدريسية في توجيه أجيال داهمتها متغيرات العصر، اجيال تحتاج للكثير من الصقل والتوجيه.. لتفرغ شحناتها الأدبية في قصائد بصدق الرؤيا والخيال الجميل، بحيث تعانق مشاعرنا وارواحنا، وتعبر عن أفكارنا وعواطفنا وهمومنا.. وهي تسبر أغوار النفوس المتعطشة للحرف، بسلامة لغتها، واسلوبها المدهش.

تحياتي للشاعرة المونقة، وإلى نجاحات قادمة، ونحن ننتظر ولادة ديوانها الجديد.


الدكتور والناقد/ عباس الجبوري مقدم برامج إذاعة صوت العرب.. مستشار ملتقى الأوطان للآداب والفنون.. محرر مؤسسة فنون الثقافية.. حاصل على دكتوراة في فلسفة علوم الإعلام/ ابستملوجيا الإعلام الافتراضي بأبعاده الإخبارية والثقافية والتنموية.. وحاصل على شهادة ما جيتي في اطروحة / دلاليات توظيف السينوغرافيا بالعرض المسرحي.

مقالات ذات علاقة

علي محمد الجعكي – يحيا بالكلمة

المشرف العام

حياةُ النَّصِّ بموتِ الكاتِبِ

المشرف العام

في (صراخ الطابق السفلي) للدكتورة فاطمة الحاجي

مريم سلامة

اترك تعليق