المقالة

نبذة عن تاريخ العلاقات الليبية التركية

محمد حسن المنتصر

العلاقات الليبية التركية
العلاقات الليبية التركية

ارتبطت ليبيا بشكل عام ومصراتة بشكل خاص بعلاقة متينة مع تركيا ممتدة عبر القرون، ترجع بدايتها إلى أواخر القرن الخامس عشر، عندما أخذت البحرية العثمانية تتواصل مع السواحل الليبية لغرض التجارة، وهو ما جعل التجار بمصراتة وطرابلس يتواصلون مع المدن الساحلية العثمانية بتركيا الحالية لذلك الغرض، حيث كانت لهم شبكة تجارية واسعة تمتد من مصر إلى تونس إلى أواسط افريقيا وتتواصل مع تجار البندقية وتركيا (1).

وكانت البحرية العثمانية بقيادة كمال رَئيس أمير البحر العثماني تتردد على مدينة طرابلس ومصراتة والمراسي الليبية لغرض التجارة، وحسب ما ذكر ابن أخيه بيري رئيس (صاحب الخارطة الشهيرة وكتاب البحرية) أن أهل طرابلس في سنة 1510م أرسلوا مع عمه كمال ريس رسالة إلى السلطان العثماني (وكان في وقتها السلطان بايزيد الثاني بن السلطان محمد الفاتح) يطلبون فيها الانضمام إلى الدولة العثمانية وتعيين حاكم عليهم من قبله (2)، غير أن الاحتلال الاسباني لمدينة طرابلس في 25 يوليو سنة 1510م والذي صادف وصول كمال ريس بالرسالة إلى اسطنبول حال دون تحقيق هذا المطلب في ذلك الوقت.

وبعد احتلال الإسبان لمدينة طرابلس تصدى لهم سكان المناطق المحيطة بها، إلى أنْ تنازل الإسبان عن مدينة طرابلس للمنظمة الصليبية فرسان مالطا، الذين حلوا محل الإسبان في احتلالها، ولذلك استنجد أهالي المناطق المجاورة لمدينة طرابلس بأمير البحرية العثمانية في البحر المتوسط خير الدين بربروس، الذي سيطر على تاجوراء في حوالي سنة 1530م وعَيَّنَ عليها أحد قواده المسمى أيضاً خير الدين نائباً عنه (3)، ليقود المقاومة منها، وبعد استشهاده تولى مراد آغا قيادة المقاومة خلفاً له في حوالي سنة 1539م (4)، الذي حصل على بيعة المناطق والقبائل حول طرابلس، وبقي في قيادة المقاومة حتى تم فتح مدينة طرابلس في 14 أغسطس سنة 1551م، على يد أمير البحرية العثمانية سنان باشا ودرغوت رئيس ومراد آغا، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت ليبيا ولاية عثمانية حتى سنة 1912م، والتي تم في أكتوبر منها توقيع معاهدة أوشي لوزان بعد سنة من الغزو الايطالي لليبيا.

وقد أثر ارتباط ليبيا بالدولة العثمانية لمدة 361 سنة في التركيبة السكانية بليبيا، حيث برزت في العصر العثماني مجموعة سكانية جديدة عرفوا باسم الكول أوغلية، تمركزوا أساساً بمدن طرابلس ومصراتة والزاوية، وهم أحفاد جنود الجيش العثماني الذين فضلوا الاستقرار بولاية طرابلس، وكونوا عائلات بها تحولت بمرور الزمن إلى مجموعة سكانية كبيرة لها أهميتها السياسية والعسكرية وحضورها الاجتماعي، انضم لها مجموعات سكانية أخرى انصهرت فيهم، وقد ذكرهم المؤرخ محمد بن خليل بن غلبون المصراتي في تاريخه التذكار الذي ألفه في العام 1145ﻫ (1732م) باسم أولاد الترك، وكذلك باسم أولاد الجند وبني الجند (5).

وعلى الرغم من توقيع معاهدة أوشي لوزان فقد بقي الليبيون على ولائهم للدولة العثمانية، وخلال الحرب العالمية الأولى لَبَّى الليبيون نداء السلطان العثماني بالدفاع عن الدولة العثمانية، فشاركوا في معارك جَناق قلعة، والدفاع عن مدينة غزة بفلسطين، وقاموا بمهاجمة قوات الاحتلال البريطاني في مصر انطلاقاً من شرق ليبيا، كما هاجموا القوات الفرنسية في تونس والنيجر، بالإضافة إلى توسيع القتال مع الاحتلال الايطالي الذي انتصروا عليه في عدة معارك كبيرة أشهرها معركة القرضابية بسرت في 29 أبريل سنة 1915م، والتي تقهقر بعدها الاحتلال الايطالي في غرب ليبيا، حتى انحصر في مدينتي طرابلس والخمس، وحررت باقي المدن والمناطق في غرب ليبيا تحريراً كاملاً، وقَدِمَ الضباط العثمانيون إلى شرق ليبيا وغربها، واستقبلت مدينة مصراتة كُلاً من: نوري باشا، وإسحاق باشا، والأمير عثمان فـؤاد بن شاهزاده محمد صلاح الدين بن السلطان مراد الخامس، وقد بقي الأمير عثمان فـؤاد يشرف على قوات المقاومة حتى مارس سنة 1919م.

هذه نبذة مختصرة عن بعض الأواصر المتينة التي تجمع الشعبين الليبي والتركي في عصر الدولة العثمانية.


الهوامش

1- الحسن الوزان الزياتي. وصف إفريقيا. ترجمة: د. عبد الرحمن حميدة. راجعه: د. علي عبد الواحد. مكتبة الأسرة – الهيئة المصرية العامة للكتاب: القاهرة. 2005م. ص 482-483.

2-ينظر: كتاب البحرية. تأليف: بيري رئيس. ترجمة وتقديم: د. محمد حرب. ط1(دبي: مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث. 1433ﻫ – 2012م). ص 276.

3-ينظر: ايتوري روسي. طرابلس تحت حكم الإسبان وفرسان القديس يوحنا. ترجمة وتقديم: خليفة محمد التليسي. ط2(طرابلس: المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع والإعلان. 1985م). ص 61.

4-المصدر السابق. ص 62.

5-ينظر: التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخيار. تأليف: أبي عبد الله محمد بن خليل بن غلبون. عنى بتصحيحه والتعليق عليه: الشيخ الطاهر أحمد الزاوي. ط2(طرابلس: مكتبة النور. 1386ﻫ – 1967م). ص 192- 193 ، 196- 197 ، 257- 258 ، 268.

مقالات ذات علاقة

شيء من التاريخ!!!

عطية الأوجلي

اعتــــذاراتٌ حــــــولاء..

جمعة الفاخري

الأعمى‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬ضباب‭ ‬العراق

عبدالحكيم كشاد

اترك تعليق