النقد

لثام الكبرياء

من أعمال التشكيلي عبدالرحمن الزوي
من أعمال التشكيلي عبدالرحمن الزوي

يرّحل الكاتب إبراهيم الكوني توارقه في صحراءه الكبرى متجاوزاً بهم حدود الوطنيات، باسم “أمة الملثمين” ويرّحل لثام التارقي تفصيلاً من فواصل العمامة أو الزمالة كوسيلة إلى ذريعة تتشيأ في أيقونة، ليمدّدها طقساً بل يصطنعها للضرورة الروائية أسطورته المتوّهمة.

نتخيّر رواية المجوس لتكون محط قراءتنا الأيقونولوجية الثانية، وفيها سنلحظ انضياف بُعد إخفاء آخر للبعدين الذين حددناهما سالفاً بـ “ما يخفيه اللثام”. أي لثام من عناهم الكوني بأهل الصحراء في المجموعات الثلاثة لقصصه القصيرة والطويلتين النوفيلا أي إخفاء الخجل من عار الهزيمة (إزاء العطش، الأخفاق في الصيد)، أو ما يخفيه الشيخ غوما في الخماسية بأجزائها الأربعة عن صلته الوثيقة بمعشر الجن. المُضاف الثالث هو ما لُمح إليه في الخُماسية بوقاحة الملثمين باحتقار الآخرين أغراب الشمال والمزارعين ومن أطلق عليهم اسم عبيد الأدغال.

الترحيل من الوسائلي إلى الأيقوني إلى الطقسي فالأسطوري هو ما يبعد وسيلة اللثام أحد مكونات العمامة عن وظائفه: 1 ـ كونه آليّة تعيين إثنيّ، اقتضتها ضرورة التمركز الإثني لمجموعة تارقية في فضاء صحراوي متعدّد الإثنيات (عرب، تبو، فُلّان، سونغي تكرور…). فكل من لا لثام له يعده التوارق غريبًا وأجنبيًا، ولا يكتفون بذلك بل يلقّبون غيرهم بألقاب ساخرة «وهم يسمّون من خالف زيّهم هذا من جميع الناس (أفواه الذبان) بلغتهم نقرأ في المجوس: “عمّ صمت طويل. ثم أندفع شاب يتوج رأسه بعمامة فخمة قائلاً: وأسوأ من كل هذا أنه يريد أن يجرّد رؤوسنا من الأقنعة “الألثمة” بدعوى محاربة التكبر والمتكبرين. أفضل الموت على أن أسير حاسر الرأس كعبيد الأدغال ” ص 37. 2 ـ وظيفة اللثام الثانية التي يضطلع بها، هي الفرز الطبقيّ. فلثام الرجال النبلاء من الإيموهاج يختلف عن لثام الرجال المنحدرين من قبائل الإمغاد التابعين، في لونه وطوله وطريقة وضعه. بالتالي يحكمُ اللثام على المجتمع التارقي بطبقيّة صارمة وجامدة فكل واحد يتمّ فرزه طبقيّا عبر لثامه. وهو ما رصده الرحالة الفرنسي ليون بروفنكيار في زيارته لمدينة غدامس الليبيّة مطلع القرن العشرين بأنّ الوجهاء التوارق يلبسون اللثام الأزرق بينما يرتدي الفقراء اللثام الأبيض “تقدم رجل بائس يرتدي عمامة سوداء هزيلة عفرّها التراب (…)سعل الزعيم مرتين قبل أن يختتم مراسم الأحتفاء، ويمارس صلاحيات الزعامة فأحكم القناع “اللثام” الأزرق حول وجهه ” . 3 ـ أما ثالث وظيفة للثام التوارق حسب التوصيف الأنثروبولوجي فهو (طقس عبور) أي الفصل بين الأطفال أو الصبيان والرجال فالتارقيّ يلبس اللثام في عمر معيّن، ويقام له احتفال هو بمثابة التعميد أو التعريس، إذ لا يُلبَسُ اللثام إلاّ عند البلوغ أو في سنّ العشرين أو الخامسة والعشرين حسب الروايات المختلفة. في مقطع ملفت من رواية المجوس نلحظ عبوراً جنساوياً فاشلاُ باللثام من طائفة الأتباع إلى طائفة النبلاء: “طلب موسى من عجوزة أن تعلمه لف القناع على طريقة النبلاء (…)عوّدته أن تنجز له كل الطلبات الصبيانية،حتى تلك التي أعتبرها عُرف الصحراء حكراً على الرجال وحدهم .مثل التفنن في ربط القناع على الرأس ،ولكنها خذلته في تلك المرّة . فلم يجتز البيت بخطوات حتى أنتزع منه القبلي اللثام في نيّة جدّية للأستيلاءعليه فتشبّت بالطرف الآخر. تنازعه مع الريح طويلاً، وعاد إلى العجوز غاضباً ضحكت، وأعادت على رأسه اللفة بطريقة الأتباع”. ص 205 ،206

غلاف رواية المجوس لإبراهيم الكوني.
غلاف رواية المجوس لإبراهيم الكوني. | الصورة: دار السؤال.

 تعرّف بحوث E. Panofsky في الإيقونولوجيا Iconology tests الأيقونة تقنياً: بأنها العلامة أو الرشمة الدالة على شيء أو مرجع في الواقع المادي”. بدل تعريفها السابق في الدراسات الكلاسيكية المسيحية حيث كانت تعني رسماً منقوشاً على الخشب لقدّيس ما أو للمسيح نفسه.

سنخصص في ثنائية مُفسرة قراءتنا في رواية “المجوس” بتقسيم المستويات الثلاثة إلى مستويين في إجرائية پانوفسكي. التي ميزها بـ 1. الوصف ما قبل الإيقونوغرافي: الذي يعرِض الحوافز بمعزل عن دلالتها.،2 ـ التحليل الإيقونوغرافيّ: الذي يسترمز بدقّة الإيماءات أو الأشارات، وبكيفيّة أعمّ يحلِّل الدلالات العرفيّة في سياق معيَّن.،3 ـ التأويل الإيقونيّ: الذي يتجاوز تعرُّف الموضوعات ويتساءل عن الأسترماز بصفته عَرَضاً، أو بالأحرى شاهداً على أدلجة الرمزيّة المصطنعة وأسطرتها.

 أيقونة للثام تتأسس في “المجوس” على الثنائية بانفصال جبل”ايدينان” الجنوب عن قرينه الضّال في الشمال. لينفرد “ايدينان” الجنوب بتحويل كل الأشياء التي تبدو على الأرض منفوشة جليلة إلى ألعاب: “لاحظ (أوخا)أن الجبل يحوّل كل الأشياء التي تبدو على الأرض منفوشة، جليلة، إلى ألعاب، المهاري تصير فئراناً، والرجال الملثمون، المهيبون، المنفوشون كالطواويس، يصبحون دُمى، تثير الضحك أو الرثاء، حتى شيخ القبيلة النبيل بلباسه الأزرق، الذي يثير الرهبة في النفوس، رآه من قمته دمية صغيرة، عاجزة أضحكته كثيراً”. ص 9 ،10

مقالات ذات علاقة

ألهميني، غنوة الفجر الذي لابُدّ آتٍ…

حواء القمودي

رواية نبش في ذاكرة الماضي- إعلاء القيم من أجل الحاضر

عائشة إبراهيم

علكة تتألم في أفواهنا

محمد الأصفر

اترك تعليق