استطلاعات

العمل الإبداعي بين إعادة التدوير وخصوصية الرؤية

الطيوب : استطلاع / مهنّد سليمان

الكتاب المشاركون في الاستطلاع

تمتاز العملية الكتابية بتقنيات مختلفة وعلى عدة مستويات يوظفها الكاتب ومتعاطي الفعل الإبداعي وفق الأجناس الأدبية المتعارف عليها في الكتابة متى ما امتلك أدواته الفنية واستوفت مادته النصية شروطها الفنية، ولعل الرسام الذي يُقلد كل ما يصادفه ويصوره على لوحته مثال ليس ببعيد ومع طفرات التطور الإنساني تنوعت مصادر الإلهام وتعددت المناهل والمنابع التي يستقى منها صاحب النص أفكاره ومتنه الحكائي تبعا لقدرات الكاتب أو المبدع ومدى تمكنه من سبك لغته ومضمون انفعالاته، فهل رصيد المبدع من القراءات في الآداب الإنسانية وما نحوها يجعله دونما وعي يُعيد تدوير قراءاته في صياغة منقحة ؟ فإذا كان الأمر كذلك هل هو كاف لإنتاج عمل إبداعي متقن ؟ وكيف يؤسس المبدع خصوصية تجربته ليكون هو النموذج المتفرد وبالتالي ينأى بنفسه عن ظل الآخرين، طرحنا في هذا الاستطلاع هذين السؤالين على بعض الكتاب والمهتمين.

من جانبه يرى الشاعر والروائي المصري السعيد عبد الغني أن الأمر يعتمد على الكثير من الأمور ليس فقط القراءات المتعددة وأتحدث هنا بشكل عام، كون في الميثولوجيات القديمة لم تكن هناك هذه القراءات متاحة وكان هناك كتابة كثيرة وعميقة.
الأمر في الرهافة التي تلمس جواهر الاشياء وهذا يعتمد على الرهافة الشعورية وعلى القدرة على الشوف والرؤية والتأمل.
فلا يمكن الحصول على قدرة شعرية أو روائية بالقراءة فقط ولا يعني ذلك عدم احتياج المقروء.
لكن كل المعارف مرتبطة ببعضها وفي حالتنا الشعرية والروائية تبتنى على الفلسفة والعلوم الإنسانية بالخصوص.
مفهوم الوحي مفهوم إشكالية بين الدين والفلسفة دوما.
ومفهوم الموحي كذلك، ولكن يمكن الاعتماد على كلمة القراءات إن لم تكن لغوية فقط، بل التعامل مع كل شيء على أنها نصوص.
التدوير هو لمعاني بسيطة كلية منذ البدء حتى النهاية في رأيي لكن يختلف النظر لها وتختلف التفاصيل كذلك.
تاريخ الخلق يضمر من حيث الأصول مثلا العالم مكون من المجرد والموجود ولا يوجد غيرهما احتمالات.
٢.مضيفا من جهة أخرى إن المبدع يشكل خصوصيته مع الكتابة الإبداعية عن طريق أشياء كثيرة منها حاجته الشخصية للتعبير لدمغ ما يريد فيه. حاجته للتعبير للآخر الذي هو أنا أخرى مبتعدة جسديا قريبة معنائية. حاجته لتوسيع وحدته بالتماس مع من يشعرون بشكل مشابه.
حاجته للوجود للألوهة النسبية على الأوراق ونقد المتون التي لا تعجبه أبعادها.
ولكن الحالة الذاتية تختلف عن طريق إدارة أو رعاية هذه القدرة التعبيرية عنده باختلاف المقروء وايضا بالسمات الشخصية كشعور الخوف الذي نقده يفتح آفاق كثيرة، والقصد بالخوف ليس الرمز السائد بالشجاعة بل الرمز الذي دلالته الدخول الى آفاق رأسه وفوضاه.
فالاسلوب الشعري أو الروائي الذي هو الخاصية المتمايزة عن أي عنصر آخر يتكون من الرؤية للعالم أجمع للمبدع وليس من قراءات نقدية فقط.

كما يؤكد الكاتب والباحث الليبي خالد السحاتي إنه ليس بالضرُورة أنْ يكُون الإبداعُ الشعريُّ أو القصصيُّ أو الروائيُّ هُو إعادةُ تدويرٍ للقراءات المُتعـدِّدة، صحيحٌ أنَّ المُبدع هُو في الأصل قارئٌ جيِّدٌ، لكنَّ هذا لا يعني أبداً-حسب وجهة نظري- أنْ يكون الإبداعُ مُجرد “إعادة تدوير للقراءات..”، إنَّما هُو توظيفٌ -رُبَّما- لمُجمل قراءاته في أعماله الإبداعيَّة بشكل أو بآخر، بالإضافة إلى ذلك فإن: الحياةُ مليئةٌ بالدُّرُوس والمشاهد والشَّخْصِيَّاتِ المُتنوِّعة، المراحلُ العُمْرِيَّةُ أيضاً تُسَاهِمُ بِدَرْوِهَا في مدِّ السَّرْدِ بلمحاتٍ من تفاصيل الحياة، بحُلوها ومُرِّهَا، وكُلُّ ذلك يُشكِّلُ مخزُوناً هَائِلاً، تَغْتَنِي بِهِ المادَّةُ الإبداعيَّة بشَكْلٍ كَبِيرٍ. أَيْ أَنَّ الكِتَابَةَ أَتَتْ مِنْ تَفَاعُلِ عِدَّةِ عَنَاصِرَ مُتَشَابِكَةٍ مَعَ بَعْضِهَا، أَبْرَزُهَا حُبُّ القِـرَاءَةِ، والاستفادة من التجارب الحياتية المختلفة، وَالتَّعْوِيلِ عَلَى جَدْوَى فِعْـلِ الكِتَابَةِ ومسؤُوليَّةِ القَلَمِ. ويحْضُرُني هُنا قوْلُ الكَاتِبِ الأَمْرِيكِيِّ الشَّهِيرِ (أرنست هيمنجواي): “إِنَّ الكِتَابَةَ تَبْدُو سَهْلَةً غَيْرَ أَنَّهَا فِي الوَاقِعِ أَشَقُّ الأَعْمَالِ فِي العَالَمِ!”.
لافتا إلى إن خصوصية المبدع التي تصوغ تجربته مع الكتابة الإبداعية تأتي من خصوصية تجربته الإنسانية، وتنوع قراءاته، وسعة خياله الخلاق، ومعطيات البيئة التي عاش فيها، وترسخت بعض من ملامحها في ذاكرته، في مراحل عمرية مختلفة، وبالتالي تنعكس على الكتابة الإبداعية، يقُولُ الكاتبُ الإنجليزيُّ (شارلز ديكنز): “إنَّني دائماً أتغذَّى وأُغذِّي قصصي ومُؤلَّفاتي من ذكريات الطفولة والصِّبا”. وبالتالي، فإنَّ المُؤثرات تتعدَّد وتتنوَّع، وتساهم مُجتمعةً في تشكُّـل ملامح الخصوصية لتجربـة المبدع مع الكتابة.. ولهذا نجد أن لكل مبدع لون وطعم وخصائص معينة تميز أعماله الإبداعية، سواء في عالم الشعر أو القصة القصيرة أو الرواية أو غيرها.

وأشار الشاعر والكاتب الليبي حمزة الفلاح إلى أن كل قراءة جديدة هي قراءة سابقة بطبيعة الحال – إلا أنها تختلف عن سابقتها من حيث المضمون، وهذا المضمون هو ما يستخلصه الكاتب لتنفيذ فكرته الخاصة في ضوء قراءاته المتعددة، ولكن السؤال الأهم ماذا يقرأ الكاتب اليوم ؟
يعتقد الكثير أن المرء ليصبح كاتبًا عليه أن يقرأ أدبًا بالدرجة الأولى إن افترضنا أن هذا الكاتب يمتلك الأدوات اللازمة لتحويل تراكمه المعرفي بعد سنوات إلى صفة يمكن إطلاقها على نفسه أية صفة كانت، ولكن القراءة التي تحافظ على انزياح الكاتب الدائم نحو الاختلاف لعدم الوقوع في فخ تكرار القراءات المتعددة في تجربته هي القراءة البعيدة عن الأدب كليًا وفي هذا الصدد يمكن لنا قراءة كتاب عن المعادن مثلا أو عن دراسة حول مملكة النمل المهم هو أن هذه القراءة او هذا النوع منها لابد وأن يدفع المعلومات لاستمارثها في نص أدبي. يمكن القول أن الكاتب وبعد فترة من الاطلاع المتعدد الجوانب الغير محاط بهوس قراءة نوع محدد قد يخلق على المدى البعيد ألية مختلفة لهذا الكاتب او ذاك في الاسلوب والطريقة أيما كان منجز هذا الكاتب شعرًا أو رواية. أما الاجابة عن السؤال فتكمن في فكرة مفادها التأثير أو انتقال هذا التأثير خلال وقت ليس بقصير من عملية القراءة فكل كاتب حسب اعتقادي التقى بحجر كاتب آخر في الطريق أسقطه من الدهشة على رأسه وقال الأول أنا أرغب في أن أكون هذا الكاتب وهذه بداية النقل لا الابداع، فإن كان الكاتب المتأثر على درجة كافية من الوعي بنصه سيتمكن من خلع عباءة الاخير والبحث عن حجر آخر إلى أن تكتمل عملية تعرف بالتشكيل في الكتابة وهي تشكيل صوت الكاتب الخاص

موضحا بأن كل تجربة واعية بنفسها يمكنها تشكيل صوتها الخاص وقولنا هنا بالكتابة الواعية هي التجربة الغير مكتملة العناصر دائما إذ على هذا الكاتب أن يحفر دائما وألا يصاب بالملل من هذه العملية المؤسفة لصنع حاله من الخصوصية لتجربته هذا غير عوامل كثيرة تصنع هذه الخصوصية وهي برأي مؤثرات خارجية ترتبط بعد ذلك بالنص وهي بيئة هذا النص، أما عن كيف يشكل كاتب ما خصوصيته فهذا شأن كل التفاصيل الصغيرة الغير مهمة ربما وكيف يمكن تنفيذها. أظن بأن للنص الأدبي سلوك إن جاز التعبير، فهذا السلوك هو الخصوصية وهو ببساطة سلوك هذا الكاتب تجاه مايحيط به بوجه عام ودرجة تفاعله بصورة منتمية أو العكس تمامًا فلكلا الجانبين خصوصيته حسبما أرى.

مقالات ذات علاقة

الإعلام في ليبيا بعد الثورة بعيون شابة

المشرف العام

المكتبات والكتاب قبل ثورة فبراير.. حرية الفكر في ليبيا

المشرف العام

المراكز والمكاتب الثقافية

المشرف العام

اترك تعليق