قراءات

عبد الرحمن امنيصير والبحث عن الذات

جمال إحميدة

الكاتب الشاب عبدالرحمن امنيصير

من بين الروائيين الشباب يمثل الكاتب عبد الرحمن امنيصير علامة فارقة في كتابة القصة والرواية الحديثة، لا سيما وأن نصوصه في الأدب الروائي التي خصني بقراءتها تعد في حد ذاتها نصا أدبيا متميزا متاحا للنقد في جمالية السرد الروائي …! ذلك أنه ينماز عن جيله من الروائيين الشباب بنبوغه العلمي الذي أفاض على ذائقته الأدبية، كاتب وروائي لم ينضج بعد في سني عمره لكي يكتسب خبرة عمالقة هذا الفن ويبدو لي أن (كيف الحياة أغناه عن كمها)، تأدب بعقله وتعقل في أدبه، ولم يشأ أن يضيف خطوطا سوداء بلا فجر، ولم يرد أن يرسم صفحة بيضاء بلا براويز لافتة…!، هكذا كتب في (أرواح فارغة) أول أعماله الأدبية ” متكئ على ظلفة شوك ينظر للنجوم والشمس والقمر …! يتمنى أن يكون شيئا ما هنا أوهناك.. كما تمثل بصندوقه الصغير الذي وصله بعد عناء ولم يجد به شيئا…! كان يتوزع على صفحات الأدب في النص النثري الثري، والخاطرة الشعرية ذات الأثر والصدى..

يستل نصوصه مما علق بالذاكرة واستقر في الوجدان (ليس السر في طول الطريق واتساعه، السر في الخطوة: يا طائري المشرق بأحلامي حلق) اقتباس النصوص في كتابات عبد الرحمن امنيصير ليس مقصودا في ذاتها.. وإنما ترك لك المساحة لتطيف في عوالم المعاني المشرقة فهذا نص لصفي الدين الحلي “ولربما اتسع المضيق … وربما ضاق الفضاء.. طهر أثار الروح من ادرانهم، وبح بسرك للسماء “وفي مقتبس آخر يستدعي رجاءات إيليا أبو ماضي في معانقة الحرية (رب روحٍ مثل روحي عافت الأرض المضرة.. فارتقت في الجو تبغي منزلا فوق المجرة.. علها تحيا قليلا.. في الفضاء الحر حرة) أو ما تنفس به فاروق جويدة (أنا المسجون في حلمي… وفي منفى انكساراتي، أنا في الكون عصفور. بلا وطنٍ.. أسافر في صباباتٍي)

كتاب كفاك ألماً للكاتب الشاب عبدالرحمن امنيصير

الكاتب عبد الرحمن امنيصير قرأ الرواية العربية والعالمية، واستطاع أن يجمع بين الأدبين (العربي والعالمي) وفي نفسه روحٌ قلقة توهجت لتكتب بقلم ألوان طيف يتوه بك في فن الكتابة الروائية وكأنه (موليير) في أعمدة الفكر اللاتيني و(فولتير) في الأسلوب التاريخي و(روسو) في اجتماعياته و(مونتاني) في فلسفته وجماله…!  كاتب من الطراز المفقود يسرح بك من النص السردي إلى النص الشعري ومن أعماق العقل إلى سذاجة العقل لا يتقصد النص في فكرة يتيمة وإنما يقف متأثرا بين المؤثر والمتخيلة فهو يرى أن الكأس نصفه فارغ ثم لا يلبث أن يرى من الجهة الأخرى أن الكأس مملؤة إلى نصفها…!

 عكست كتاباته في الخاطرة والرواية والقصة غلبة الموسيقى الشعرية في حسه العميق المعزوف على جوانية أوتاره نوتة الحزن والألم… ووفرة الألفاظ الهزازة والكلمات الصاخبة التي تلحظها في قلم امنيصير نتاج  قوة الاستلاء  وعمق الإحاطة بتلك المعاني التي تصادف هوى في نفسه فيتمثلها من خطاب الوجدان الشعري للخطاب الفلسفي والعقلي، فالكاتب شديد التأثر بمسألة التماهي مع أفكاره والامتزاج الروحي الذي يطفح في قضايا اجتماعية مشتركة عند بني الإنسان يسكبها في مرآة نفسه وفي رواياته وقصصه ، ناهيك عن السرد السهل الممتنع ، وهذا الاستدعاء المهيب للمعجم الروائي العالمي ..!  الذي يشي لك أنك تقرأ رواية مترجمة عن النص الأصل المترجم، وهو غير ذاك…عبد الرحمن امنيصير روائي في زمن الاستثناء يذكرني في الأدب الروائي القديم بمذاهب وشخصيات (شارلوك هولمز) في أعمال الشرطة السرية) وهو ما حققه في رواية إقليم ابيكندينوش، ورواية أوليفر توست للكاتب الانجليزي تشارلز ديكنز، ترجمة منير البعلبكي، وراسبوتين ونساء القياصرة لغستون لرو …ومع إيماني العميق بأن عبد الرحمن امنيصير ليس من ذلك الجيل، وربما لم يقرأ تلك الروايات العالمية إلا أنه في روايتيه الاقليم ورقصة النرد كان عالميا…! 

مقالات ذات علاقة

رواية الكشف

رامز رمضان النويصري

الحُلم في “زَهرةِ الرِّيح”

يونس شعبان الفنادي

(من حصاد العمر) يكشف رسائل الشيخ عبداللطيف الشويرف إلى العقيد معمر القذافي

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق