النقد

رواية “صندوق الرمل” لعائشة إبراهيم .. أسرار الحرب الإيطالية على ليبيا

حسام معروف

رواية صندق الرمل للرواية الليبية عائشة إبراهيم
رواية صندق الرمل للرواية الليبية عائشة إبراهيم

تصنع الكاتبة الليبية عائشة إبراهيم، عصفًا ذهنيًا، مستندة إلى وثائق تاريخية ومقابلات صحفية حول الحرب الإيطالية على ليبيا عام 1911، كاشفة عن وجه آخر للمعارك، في روايتها ”صندوق الرمل“ الصادرة عن دار المتوسط عام 2022، وجاءت في 176 صفحة من القطع الوسط.

وتدور أحداث الرواية عام 1911، حول الجندي الإيطالي ساندرو كومباريتي، الهارب من المعركة، والذي يكشف في شهادته عن الحرب هناك مدى المعاناة التي تعرض لها الجيش الإيطالي في مواجهة المواطنين الليبيين، لمجرد مداهمة أرضهم.

كومباريتي الذي تخرج من معهد الصحافة في ميلانو، ليجد نفسه بفعل الفقر والحاجة، جنديًا في الجيش الإيطالي، كمثل الكثير من الجنود، ويكون عليه مهاجمة الإنسان في مكان بعيد عن وطنه.

حجارة

وهنا يمكن ملامسة الجانب الآخر من الحرب، بما تحتويه من مآسٍ للشعب الآمن المدافع عن وطنه، فيكون الجنود مجرد حجارة يتم تحريكها من قبل قيادات الحكومات، من أجل تحقيق المصالح السياسية، متجاهلين القصص الإنسانية غير المكتملة التي دفعتهم لهذه الساحة الدموية.

لم يكن ساندرو كومباريتي في ”صندوق الرمل“ مجرد جندي هارب من الحرب، بمجرد إصابته، بل هو الوعي الذي تعرض للكي، من بين مجموعات الجنود على وجه الأرض، إذ حمل الشهادة الحية على فوضى الحرب، والكوارث التي تحدث داخلها.

تحول

وتحاكي الرواية التحول الحاصل قي شخصية الإنسان بفعل الظروف الاقتصادية والسياسية لدولته والعالم، فكومباريتي كان بداية عاشقًا للفن، ومتذوقًا للموسيقى، ويقدس القيم الإنسانية، لكن توجيه الدعوة له لينخرط في الجيش الإيطالي، غير من طريقة حياته، وجعله في جانب منافٍ للإنسانية.

محاكاة

ولعل إصرار عائشة إبراهيم على اقتباس عنوان ”صندوق الرمل“ للمسرحي الأمريكي إدوارد ألبي، في مسرحيته المنتجة عام 1960، لم يكن اعتباطًا، ولا عدم قدرة منها على اختيار عنوان آخر، لكن هذا العنوان يحاكي البناء المنهجي للرواية، ويكشف عن تفاصيل البيئة التي دارت بها الأحداث.

فصناديق الرمل المتحركة في الأرض الليبية الصحراوية، تحولت لتوابيت لدفن الجنود الإيطاليين، الذين اعتقدوا أن رحلتهم ستكون محفوفة بالورد، على الجانب الآخر من شاطئ البحر المتوسط، إذ كانت إيطاليا تعتقد أن حل مشاكلها الداخلية، يأتي عبر تملك الجانب الآخر من الشاطئ، وكان الشعب الإيطالي ينشد لجنوده لدى ذهابهم للحرب: ”اذهب أيها الجندي.. إيطاليا معك، والمواسم الحلوة تنتظرك“.

مفارقة

ويمكن الربط بين اسمي المشروعين الأدبيين عبر مفارقة في اتجاهين مختلفين، فهنالك في المسرحية، تلسع اللغة والحركات ذهن الإنسان عبر تعرية القيم الزائفة في حياته وعلاقاته، وهنا في الرواية، تقوم عائشة إبراهيم بنفس الدور عبر تعرية التاريخ، وكشف زيفه، من خلال تسليط الضوء على قصص الهوامش، النساء منهن الفتيات والحوامل والآنسات، والأطفال والمظلومين، الذين تم اعتقالهم من مناطق متفرقة من ليبيا، وحجزهم، وتعذيبهم، وقتلهم، دون أي سبب مقنع.

وتشتمل الرواية على قصص كارثية لنساء ليبيات، مثل قولهن عبر وثائق تاريخية لصحفيين إيطاليين وإنجليز، بوصلةً، تغير اتجاه المفاهيم حول حرب الطليان على ليبيا.

مشاهد كأنها حية

واستندت عائشة إبراهيم إلى مستندات الصحفي باولو فاليرا، وهو الصحفي الوحيد الذي تمكن من زيارة معتقلات التعذيب والقتل الإيطالية بحق النساء الليبيات، وتمكن من جمع معلومات وقصص إنسانية مؤثرة من نساء محتجزات، وما إن دار الوقت قليلًا حتى تعرضن للاختفاء الأبدي.

وتنقل الرواية مشاهد يمكن استشعار صدقها، من خلال مقدرة الكاتبة اللغوية في التوصيف واستحضار التفاصيل، فتكتب الروائية: ”سحبت عالية ذراعيها وأخرجت كتلة لحمية زرقاء نابضة، ما إن مسحت الأغشية حتى صرخ الوليد، زغردت إحداهن وكبّر بعض الرجال وضحك أولاد بحاجة إلى الفرح.

أما عالية فقد وضعت الطفل على صدر أمه، ملامسة وجهه لشفتيها اليابستين، بللت رطوبة الجسد الغض جفاف الموت الجاثم على الشفتين، سال خيط من الندى على الشقوق العطشى فأينعت بابتسامة ثم أغمضت عينيها على مشهدها الأخير.

ثمرة

ويظهر في طريق الحرب، ثمرة الحب التي تبقى تقاوم من أجل بقاء البشرية على هذه الأرض، لا نفيها، حيث يقع كومباريتي في حب الصبية الليبية، بائعة الحليب، وهنا يسقط قي تناقض مفصلي في حياته، عندما شارك مع فصيل الجنود في قتل عائلة محبوبته، واجتهد بعد ذلك للتكفير عن ذنبه.

لغة وسرد متماسكان

وجاءت لغة الرواية في مسارها السردي مُحكمة من حيث التكوين والتسلسل، فأجادت عائشة إبراهيم تقديم شاشة العرض الموثقة للأحداث وكأنها تحدث للتو، كاشفة عن الجرائم المنفذة في العتمة من قبل جنود إيطاليا، وكاشفة المسكوت عنه في تلك المجازر بحق المدنيين الليبيين، كما وأجادت التخفي خلف مجسم الرواية، عبر المناظير المختلفة الأماكن والرؤى، المسلطة على الأحداث، تاركة للقارئ تحديد موقفه.

وفي الوقت الذي لا يمكننا فيه غض النظر عن الممارسات البشعة للجنود الإيطاليين خلال الحرب، يمكننا من خلال سرد عائشة إبراهيم وضع الاعتبارات بأكملها في الحكم على الحدث، من خلال تبنيها عرض رؤى مختلفة ومن أكثر من جانب، وتركها المجال لوعي القارئ تحديد موقفه، وهو أساس صناعة الرواية.

من أجواء الكتاب

”فاقتادوا الجنود تحت لهيب الشمس، يحملون الفؤوس والمجارف ورُزماً من أكياس المشمَّع الفارغة إلى حيث حدَّد القادة مكان الخندق، رشقوا الأوتاد، ونثروا الغبار الأبيض لترسيم الحدود، وانهمكوا في الحفر بانفعال وتذمُّر، لامس ساندرو، للمرَّة الأولى وهو غارق في الغبار والعَرَق، حقيقة صُندُوق الرَّمْل الغريبة، المَلمَس الوَهْمي للرَّمْل وهو يتلاشى من بين الأصابع، مزيج الشفافية والقتامة والهشاشة والكبرياء والتشكُّل من بعد الانهيار“.

يشار إلى أن عائشة إبراهيم، كاتبة ليبية، صدر لها: رواية (قصيل) عام 2016، ثم رواية (حرب الغزالة) التي وصلت إلى القائمة الطويلة للبوكر العربي 2020، ومجموعة قصصية (العالم ينتهي في طرابلس) عام 2021.

وتنشر عائشة مقالات في صحف ومواقع إلكترونية متنوعة.

مقالات ذات علاقة

(العجوزان) حوارٌ يعبقُ بالنوستالجيا

يونس شعبان الفنادي

استمراريةُ البوحِ الأنثوي في (هكذا أراك)

يونس شعبان الفنادي

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (6) .. ليل المتاه ومعراج الصمت

المشرف العام

اترك تعليق