طيوب عربية

براءة مظلومة

من أعمال التشكيلية الليبية منيرة اشتيوي
من أعمال التشكيلية الليبية منيرة اشتيوي

مرت أمامي فتاة جميلة وكان يمكن من أول نظرة أن أحبها، نعم كان يمكن أن أصارحها بما في تلك السيجارة التي اشتعلت من أجلي واحترقت من أجلي من فجر لا ينتهي ولكن هيهات هيهات أنّى لي ذلك…، لقد رأيت في سيجارتها الفاخرة براءة مظلومة. كنت أعرف أن العاشق في طريق عودته من الذكرى كالمتهّم بريء حتى تثبت إدانته لقد طلبت منها أكثر من نظرة، نعم أكثر من سيجارة؛ لقد أردت أن أحتوي كلّ نظراتها كما أردت أيضا أن أشعل كلّ السّجائر التي أطفأتها في هذا الكون دون إذن مني؛ لم أعرف من أعطاها الأمر بذلك؛ لقد بحثت عن سبب يجعلها تشعر ولو من بعيد أني أسير بجانبها لحظة بلحظة ودمعة بدمعة لا تكفي نظرة واحدة أو سيجارة واحدة حتى أنشغل بالتفكير هل يمكن أن تحبني؟ أدانتني بنظراتها تخترق الظلام ولا تعترف بالأضواء الساطعة؛ ألقت سيجارتها أرضا وتسلقت بنظراتها السماء ارتفعت الى تلك الطيور كأنها أرادت أن تبني عشا لا يقترب منه إنس أو جان؛ هكذا أرادت أن تكون حيث لا يمكن أن أكون.. هي لا تعترف إلاّ بغرورها أثناء تسلق الرصيف يأخذك إلى ذكرى ضيّقة في تلك الشرفة الضيّقة وقد أعطتني سيجارتها تعبر تفاصيل تلك الذكرى شعورا بأني رأيتها ذات يوم أو ربّما كنّا التقينا في مكان ما بحيث لا يمكن أن نلتقي إلاّ نحن: أنا وأنت …كلانا لا يعرف لماذا قطف من البستان وردة بل لماذا خرج دون معطف يتحدى طقسا باردا ينذر بهبوب العواصف لم أجد بابا أتسلل منه إلى جسدها؛ نعم لم أجد حتى ثقب في نافذة ما أتسلل منه إلى فستانها أو غرفتها أما شرفتها فهي بعيدة جدا كالنّجوم، حقا الطيور بعيدة كذلك لحظات الفرح وقد اختارت وهي تطوي الارض طيّا و ربما عن قصد ذلك اللون الأحمر وقد أعطاني شعورا بأني اذا غامرت وعاكستها ربما طعنتني من الخلف وأردتني قتيلا، هي من فكرت بقتلي وقد أصابتني في مستوى العين بجرح عميق وهو جرح عميق يجعلك تحسّ أنك فقدت إنسانيتك؛ كنت على اعتقاد راسخ أن الانسان إذا عاد من الذكرى دون حبيبة تواسيه فقد انسانيته لقد تجاهلتني عدة مرات … كانت مثل خاتم ضائع في الظلام  من الصّعوبة بمكان أن تحدد صاحبه…أحسست أنها تعرفني أو ربما التقينا ذات يوم…في زمان ما حيث لم يعد هناك زمان أو لم يبدأ الزمان بعد…أحسست أنها تحمل حبّا ضائعا توفي صاحبه من نظرة واحدة…كنت بحاجة اليها…أردت أن أضمها إلى صدري…هي بالتأكيد حين خرجت كانت على موعد مع حبّ  أو ما يشبه ذلك الحب… لا يهم الوجه حتى لو كان ضائعا؛ المهم هو حبّ أردت أن اتمسك به وأنا أسير في هذا الطريق دون أن أحدد طريقي…ما أكثر الطرق …هذا شارع السعادة وهذا شارع الحرية وهذا شارع الحب؛ كل الأسماء أو الشعارات التي كتبت بالخط الأبيض جميلة وبراقة وقد جعلتني اواصل البحث عن السعادة فلا اجد حريتي… كما جعلتني أبحث عن الحب فلا أدرك السعادة حقا أذا أردت أن تبحث عن السعادة فما عليك الا أن تجلس في شارع السعادة واذا اردت أن تحقق حريتك فما عليك الا أن تخرج إلى شارع الحب… كل علامات الطريق تحرضك على الوقوف وترك الأولوية…وقد كرهت علامة “قف” لأنها تدفعني إلى الوقوف وأنا وأنت…. لا أريدك أن تقفي في طريقي لا اريد من يتخلى عن احلامنا ومشاعرنا القومية؛ فهذا شارع فلسطين وهذا شارع العروبة …كل القضايا العربية نلقي بها في الطرق الضيقة ربما لأننا لم نجد لها من حلول كل الحلول على الطاولة مستعصية فكان من الافضل أن نلقي بها في تلك الازقة والانهج لأنها ضيقة جدا وليست بحجم الآمال العربية لم أفهم لماذا تحولت أحلامنا في الدول العربية إلى مجرد أسماء وتماثيل وأصنام معلقة في الطرقات والأنهج بل لماذا نرهق ذلك الشارع بأحلامنا في تحرير القدس؟  كل الطرق الفرعية تحمل طموحات لم تتحقق وفي مقابل ذلك نتباهى في شوارعنا الرئيسية باسم شارع باريس وشارع إنجلترا؟ أفهم أني لا أستطيع أن أفهم ولكن احاول أن أتذكر أسماء بعض المدن أو أسماء بعض العشاق ربما دفعني فضولي حتى أتذكر عروبتنا حتى أتذكر قضيتنا ما أكثر القضايا وما أكثر الأسماء البراقة …كل طرقاتنا مظلمة دون إنارة من تعمد أن يجعل شارع فلسطين دون إضاءة من تعمد أن يجعل شارع الحب دون ورود؟ لم تعد هناك حلول مات الحل ماتت الأزمة أو هكذا أرادوا لها أن تموت حتى تلك الفتاة الجميلة وقد كانت تشق الطريق بمفردها هي كالجرح على الجبل لقد جعلتني اشعر أنها جزء من أزمتي كل حركاتها واندفاع قدميها في الظلام قد زادا من شعوري بالأزمة حقا أنا في أزمة لم أجد حبا أنا بحاجة إليه لم أجد وردة أنا بحاجة الى رائحتها وقد فكرت أن أعاكسها في هذا الظلام عساي أنتزع منها اعترافا بأنها تحبني لقد تجاهلتني وهي تندفع واثقة من قدراتها الفنية على إغرائي بفستانها القصير هي تدرك أنها جميلة نعم  تدرك أنها مغرورة؛ حتى نداء السيجارة تجاهلته؛ حتى نداء الشارع الى الحب تجاهلته…شعرت حينها أني رجل فقير لا أستحق الحياة …لا استحق السعادة لا استحق الحرية مؤلم أن تتجاهلك أنثى في طريق عام  دون إضاءة أردت في ذلك الطريق الفاصل بين السعادة والحب أن أعاقبها فكرت في رفع دعوى ضدها لأنها تجاهلتني ورمت سيجارتي أرضا…. سيدي القاضي أنا لست براض على ذلك وأقسم بذلك وأدعوك أن تسلط عليها أكبر عقوبة قد تصل إلى السجن المؤبد بل قد تصل إلى إجبارها على الاعتراف بحبي لها …. يكفي أني أحبها لا يهمني تصرفاتها أو نظراتها بل يهمني استرجاع حقي…. أنا صاحب حق لأني أحبها وهي مدانة بهذا الحب إلى يوم القيامة حتى تتحقق العدالة أخيرا أصدر القاضي بعد مفاوضات عسيرة أمرا بأن يعود الحق إلى أصحابه فما ضاع حق وراءه طالب رفعت الجلسة حكم على المتهم بعدم سماع الدعوى.

مقالات ذات علاقة

نـُعـاسُ السُّـؤالِ تـَنـَغـَّمَ دمْـعًـا

المشرف العام

زئْـــبَــــقُ الْــــمَـــــسَـــافَـــاتِ

المشرف العام

الحُب وأشياء أخرى

المشرف العام

اترك تعليق