تراث

عبد السلام الأسمر اللي جاب عسيلة من بلاد الروم

قصة من المثيولوجيا الليبية

من أعمال التشكيلية شفاء سالم

و”عسيلة” هي فتاة طرابلسية جميلة / قالت الحكايات عنها: “سحرت العقول وحيّرت الألباب”. كانت إذا رآها الناس قالوا وهم تحت سحر جمالها: “رباية حضر رقيقة بشر، لولا الشعر تقول شمس وإلا قمر”…

وعسيلة الطرابلسية الأصيلة الحرة الماجدة كان “فرسان مالطا” الغزاة يرونها رمزا لــعفة طرابلس وطهارة شرفها فــخطفوها ليلة زفافها وحارت المدينة.. وتصايح الناس ولا مجيب ولا مغيث ولا منجد وضحك عملاء المالطيين وأذناب الغازي البغيض وتسمّرت القلوب.. وتأججت النيران في الحنايا كان لابد من حل.. ولم يكن هناك حل.

فـــ”فرسان مالطا” الذين يجثمون كالغول فوق صدر طرابلس لم يتركوا فيها مجالا حتى للتنفس.. وجنّدوا العملاء والطامعين والخونة.. والمرتزقة.

كان “فرسان القديس يوحنا” كما يسميهم المؤرخون عبارة عن “منظمة إرهابية باسم الدين” تمارس قمعها وظلمها وجبروتها على “المسلمين” استكمالا لما بدأته إسبانيا في “غرناطة” والأندلس من “محارق” رهيبة.

كان الإسلام -وقتها- يئن تحت الضربات الصليبية المنظمة الحاقدة وفي وسط هذا الجو الباكي الشاكي.. والنيران المتأججة في القلوب والحرقة الدافقة في النفوس.. والعجز والخوف.. وانتظار اللا شيء.. خرج عبد السلام الأسمر يسأل وهو يعرف:

ـــــ خيركم شنو فيه؟

قالت سيدة يغطيها الحجاب والخوف ويدفعها الألم للكلام:

ــــــ خطفوا “عسيلة” يا سيدي عبد السلام.

وانتفض الأسمر غاضبا:

ــــــ كيف؟

ثم وقف وتلفت يمينا وشمالا وصاح:

ــــــ خطفوا اعسيلة؟

قال الراوي / ودار عبد السلام في مكانه.. كأنه كان يجهز نفسه للطيران. كان بصره معلقا بالسماء ويداه ترتفعان وتنخفضان باستمرار وصوته يردد كأنه يتغنى :

(عسيلة يا اعسيلة // ما دونك من رقراق مالح

واللي ما يبجيب عسيلة // لا هو ولي ولا صالح)

ثم اختفى عبد السلام الأسمر عن النظر.. وبقي الناس متكومين وهمومهم تتكوم فوق صدورهم.. وسيوف وبنادق “فرسان مالطا” مسلطة على رقابهم وكلاب المالطيين من الخونة والطامعين والجواسيس يجوبون الحارات والأزقة ويقتحمون البيوت بلا استئذان.. يتلصصون على الأسرار والأحلام والأماني.. ويذبحون الآمال في نظرات الأطفال قال الراوي:

مع الفجر.. سمع الناس صوت عبد السلام الأسمر يرفع الأذان من “جامع العشرة” في طرابلس.. ورأى الناس عسيلة تعود إلى حفل زفافها طاهرة فرحة كأنها لم يجر عليها خطف ولا خوف ولا رعب.

قالت اعسيلة تحكي للنسوان:

ـــــ رفعوني الروامة وعيوني مغطيات.. خشوا بيا البحر وحطوني في المركب.. وفي نص الليل حسيت حاجة خشت تحت اكتوفي.. رفعتني.. حسيت روحي في الجو.. ونسمع في الروامة يتعايطوا.. وصوتهم يتباعد عني.. وبعد مشوار.. مانعرفش المهم بعد نصيب.. نزلني الطير اللي رافعني وقعمزنا على جبل في البحر.. والله جبل في وسط البحر.. ووين اشبحت في الطير اللي كان رافعني.. التفت يالايا.. القيت وجهه وجه سيدي عبد السلام الاسمر.. ودار لي إشارة معناها “اسكتي ” ورفعني من جديد.. وحطني هنا ومشى يرفع في الأذان للفجر قال الراوي:

واقيمت الأفراح والليالي الملاح.. والمالطيين حائرين كيف رجعت عسيلة ومن اللي ردها وحررها..

قالوا / وزعل سيدي عبد السلام من سيدي حمد الزروق وقال:

ـــــ خيركم ما فيكم واحد فزع لي وعاونّي؟

وابتسم أحمد الزروق وهو يقول:

ــــ امّاله الجبل اللي تريّحتوا عليه ماهوش في حسابك؟

وابتسم عبد السلام وهو يحدق في شيخه الزروق وهتف:

ــــــ إن شاء الله هو انت؟

واختفى الزروق ولكن صوته لم يختف وهو يرن:

ـــــ عرفتك تعبت.. درت روحي جبل وخليتك ترتاح على كتوفي في البحر.

(وانا جيت منهم خليتهم.. وبعيني ما ربتهم)

مقالات ذات علاقة

امْوَاير ولد لجواد – ج 2

جمعة الفاخري

خوله والسيارة

ميلاد عمر المزوغي

شيءٌ من بلاغةِ لقطعِ

جمعة الفاخري

اترك تعليق