قصة

ليلُ الكلب

من أعمال التشكيلي علي المنتصر

1

الشتاء في المدينة لم يبدأ بعد وقمرٌ يضئ ببرود ويشع بنوره الهادئ.. كنتُ أمشي وكلبي خارج البيت في حي الجبيلة التحتية، الكلب كان فرحاً، حراً، طليقاً، يتمايل بفرح من دون طبل أو زمر، يعدو بعيداً إلى آخر الزقاق ثم يعود لهجا أكثر بهجة وأندى فرحاً، يدور من جديد حولي ويدور حول نفسه بسرعة رهيبة، يرفرف بذيله، يريد أنْ يبقى راكضاً حتى نهاية الدنيا، يحب الركض المجنون لتغيير مذاق حياته ومذاق اوقاته الراكدة، بدا مطمئناً فرحاً، خطوات قليلة ثمّ الكلب وأنا ولجنا بأنسٍ ما بين الجن والأنس في شارع “احمد الرفاعي”.. من دون رغبةٍ في المفأجات الداهمة. مشينا كأننا نعبر طريقاً مزدحماً خالٍ من الجن والإنس.

2

فجأة ظهرت سيارة أجرة مكتوب عليها: ” العمرْ نِهبة”، سيارة مسرعة ٌ كتوالي الأيام، وتعاقب الليالي، انطلق الكلب خلسةً خلفها مسرعاً ولم أستطع اللحاق به، وقفت السيارة لنقل ركاب جدد، نزل بعض الركاب ومضوا في طريقهم، قفز الكلب داخل السيارة بسرعة مذهلة، وانطلقتْ في سبيلها لاهثاً فزدتُ في عدويّ مسرعاً صارخاً متحيراً..  أفصح لي عقلي القلق عن خوفه من سوء العاقبة، بعد جهد مرير وانقطاع انفاسي بلغت محطة سيارات الأجرة فوجدتُ صاحب السيارة يخاطب الكلب مخاضباً وينهره مهدداً وواعضاً مشيراً اليه بسبابته: يا كلب ابن ستين كلب ايش زقبك في سيارتي يا حمار، مانيش طالقك لعند تدفع أجرة التاكسي على داير مليم، فاهم؟ اتفوه عليك وعلى اللي رباك وخلاك سايب ضال في الشوار والكلبُ راصداً مواطن الغضب في صوت سائق التاكسي صامتاً كالحجر..

3

ما أن رأني الكلب حتى أقبل عليّ مبتهجاً وأحسّ على نحو ما بأن صاحب التاكسي غاضباً منه غضباً يختلف عن غضب الكلاب جملةً وتفصيلا، فاحتمى مُسرعاً خلفي مداعباً ذيله برفرفة دائرية ويرمق السائق بنظرة كلب لا يعرف سرها إلا ضوء القمرالبارد في ليل شتاءٍ قارص، تقدمت من صاحب التاكسي، تأسفتُ لصنيع الكلب المتهور ودفعت له الأجرة ثمّ سمعته يقول عندما أخذ الكلب وأنا لترك المحطة على عجلٍ: كلب فعلاً مش متربي، اتفوه.

4

عند رجوعي للبيت انتظر الكلب حتى أيقن أنني نمتُ كالعادة فتسلل من البيت واِنصرف عني كي يقابل بعض كلاب المحلة كي يطوفوا في المدينة على أنغام أصواتها الليلية لحراستها من الثعالب والذئاب وكائنات الليل.. والقمر مهاجرٌ لا يفصح عن ضوئه والناس نيام.

مقالات ذات علاقة

كلاشنكوف

محمد ناجي

نقل البقرة

عمر الككلي

الكرة

عزة المقهور

اترك تعليق