قصة

قصتان قصيرتان

من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه
من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه

ليلُ بستانٍ

دخل البستان مترنحاً سكراناً، يبحث عن بيته في ليلٍ دامسٍ، يبحث عن ليل دامسٍ في شرفة بيته، الظلام يحوم فوق رأسه ويغشي غبار الأسى الطافي على وجهه، يغمض عينيه في حلمٍ لا يُنسى يأتيه بين الليل الدامس وبين سرّ المدينة الطاعن السّن، يأتيه الحلم في ثوب الوله المذعور، رأى فيما رأى بستاناً في نكهة عطر الحسان العذراوات، يترنحُ ضحيةً بين الكهولة والسكر، طاب له أن يلهو في جنة الناروينعم بأسرار من نور داجِ الظُّلم..  يراها في عُسرٍ، شجرة رمان يراها في عسرٍ بقطوف دانية تحرس صحن بيته.. يمشي تحت نقطة ضوء بعيدة خبأها الليل المهتاج للثم ثمار الرمان، يحتسي غبطته تحت بُردة الظلام وفرحة ريحٍ أرخت شعرها على رأسه.. الغيوم تضع حلتها على باب بيته، يبتسم للغيوم.. الليل الدامس يحبو ويعطي للطين سجادة الفجر.. يصغي لبستان مغمس بذكريات تحاصره، يشهد الصبح مستسلماً للشمس..  يمشي جذلاً يسمع هسيس العشب وصمت الحجارة وقطر الندى.. يمشي بحذائه الثقيل ويكبو فوق العشب والحشيش، أحسّ بغبطة غريبة تنتشل السكرة من نشوتها، قال في نفسه: علىّ ألا أمشي على هذه الأرض مرحاً مختالاً حتى لا أُفسد طيب هذه الأرض الطيبة الرطبة.. أبصر الفجر يحمل راياته وهي تهفو لكؤوس الأماني بيومٍ مسكون بشذى العطور يلثم وجه الفجر.. دخل في نوبة من الصمت وسمع من بطن صوته كلمات طرية تشبه الهذيان: الأحذية الثقيلة لها أمنيات قبيحة.


تسافر في الدنيا

كان عليها أن تقاوم، وكانت تعرف كيف تقاوم.. كانت تحبّه أمام الجميع وكان يهيم في عشقها امام الجميع، العيون الحارقة، الظنون العاقرة، حضيض الغيرة، خطوط النار، انشقاق السماء، ساعات القيظ، ساعات البرد، نزاوات الرمل والرياح.. لم يهتما بذلك.. لم يفترقا، عاشقان، كأنما يرسمان أغنية: ” طيرين في عش الوفاء” كأنها كُتبت لهما..  من له ومن لها في حديقة الجامعة.. الأيام تمرّ وبين يديها الزهر.. تعرّف على طالبةٍ أخرى في كلية أخرى، هام في حبها واختفى.. وعن الأولى بدأ يغيب وبدأت هي تقلق وصهد قلبها يسيل.. غاب عنها، تركها تجلس أمام الجميع في قفص من الظنون والحيرة والعيون الحارقة.. في يومٍ جلست تحت نفس الشجرة التي كانت تجالسه تحتها حينها أُنساً حيث كان يتعبد ويتأمل في شباك عينيها بسمةٌ فرحةٌ ويصغي إلى فؤادها البهج.. هذا يوم كسير، ذات اليوم، في ذات اليوم وعلى مقعدٍ تحت شجرة أخرى كان يجلس مكسور الوجدان تهيج على كاهله شجون الحرائق، ظلت تجلس مطمئنة وفي صمتها يكمن خفق الصخر.. أيقنت أنّ عشيقته الثانية تركته وتخلت عنه وقد طاله التبلد والوجوم.. تركته يجلس وفوق رأسه يحوم سرب الندم.. وكانت تجلس تحت نفس الشجرة أمام الجميع تمسح ذكراها وتجفف شراب الكأس إلى الأبد، في حين كانت ابتسامتها العذبة تتمسك بكبريائها وتؤجج جمر العشق في عينيه.. وكان الغيم ينثال في السحائب يهفو لحسنها وحرير الشمس يداعب شعرها المجدلي.. وقفت في كيرياء ومرّت به كأن لم يكن تزرع بخطوها في الحرم الجامعي المدهوش رسوم تراتيل تنثال من خطوها التقفها بحر الكورنيش المجاور للجامعة، فالبحر يهوى الفرار من ألم الجرح.

مقالات ذات علاقة

أنا والدجاجة

المشرف العام

الكلبة

علي محمد رحومة

فاتت جنبنا

هدى القرقني

اترك تعليق