دراسات

المفكرة التاريخية (5): تأملات حول علم التاريخ والهوية (فكرا ومنهجا)

علم التاريخ في القرن العشرين

فندق مادي حسان التاريخي
فندق مادي حسان التاريخي

يقال التاريخ يقترن في الأذهان بالماضي وهذا مفهوم قديم جدا، فالتاريخ هو حركة الكون حركة الأحياء والناس على سطح الأرض وما ينتج على هذه الحركة الدائمة من تغير دائم. وكما ذكرنا سلفا فأن علم التاريخ بمفهومه الاصطلاحي واللغوي يختلف من فترة زمنية عن أخرى ومن مجتمع عن مجتمع ومن حضارة عن حضارة. ويختلف كل مؤرخ عن مؤرخ اخر بكيفية تناوله للموضوع، فالمؤرخ الجيد من استنبط لنفسه طريقة خاصة لتفسير التاريخ.

انتهج لويس لوي دافو (لويس الخامس عشر) ملك فرنسا نهج إخضاع تاريخ القرون الأولى إلى التدقيق والتمحيص وكان متتبع لكتابات المؤرخون عصره مما ادي الي انتشار هذا المنهج في كافة أوروبا. وقد ذكر لنا (مارك بلوك) في هذا الصدد مهمة الجيل الذي رأى النور حين اظهر ديكارت بحثه في المنطق قائلا:” لقد كان النقد مماثلا لعلم ديكارت في خلفه الجديد، لكن هذا النقد على الرغم من إسرافه في الشك يبقى جادا بل يجعل منه أداة ولا يريده غاية وإنما يريد أن ينتهي الاعتبار العقلاني إلى صيرورة الأداة المعرفية”. فأصبحت مهمة المؤرخ ما يعرف بالسهل الممتنع فالسهل تناول المواد المجتمعية التي تفرض نفسها عليه، والممتنع هي أن المؤرخ أصبح قادرا على أن يحركها بالدرس والتحقيق ولا يستطيع استبعادها.

فسمة كتابة العصر الحديث اتسمت بالكتابة بطرق ومناهج علمية دقيقة، فأصبح المؤرخ يسعى لإظهار إنتاجه الفكري بفلسفته الخاصة. وليس ما كان عليه في الماضي عندما كانوا يؤرخون للعظماء وتكون كتاباتهم في خدمة الملوك والأحزاب. فعصر التنوير أصبح التاريخ علما قائما له فروعه المتشابكة والمتقاطعة معه في الدراسة والتحليل. فظهرت المدرسة النقدية وسعى كلا من مونتسكيو و فولتير وديكارت مؤرخين هذا العصر وغيرهم بالاهتمام بدراسة التاريخ من منطلق آخر وهي الوصول إلى الحقيقة بدراسة التفاصيل من منطلق التأمل في الحيوية التاريخية أتحاد الحوادث مع القصص التاريخية، فأصبح بمقدور لكل مؤرخ الكتابة لكل حدث ولكل ظاهرة، وتغيير التاريخ أصبح يتناول كل الناس منذ أن ظهر في الساحة لفظ المجتمع.

أوائل القرن العشرين ظهر مصطلح جديد هو تاريخ الأفكار (History of thoughts) وهو دراسة تلك الأفكار الكامنة في مكنون الشعوب والجماعات والتي تظهر إلى الخارج في شكل سلوكيات وأعمال ومواقف لتصل إلى أن يتغير مفهومها إلى عقيدة قد لا تخضع للمنطق وأحيانا لا.

ويعتبر المؤرخ (آرثر لوفجوي arthar o lovjoy) من اسس وترأس نادي تاريخ الافكار، وهو اول من نشر مصطلح علم الافكار بين عامي 1910-1938م عندما كان استاذا للمادة التاريخ في جامعة جون هوبكنز، وعمل على تأسيس طرق دراسة هذا العلم، فصار أحد التخصصات المستقلة في الجامعات الغربية. ومن ثم اضاف عليه العلماء وصار علما مستقلا. ويعتمد هذا العلم علي مفهوم الوحدات الفكرية unit-ideaكوحدات علمية قياسية التي تشكل البناء الاساسي لتاريخ الافكار عبر العصور. فقد راي لفجوي هناك وحدات فكرية ثابتة في التاريخ وهي غير متغيرة بذاتها إلا أنها تنفصل وتلتحم عبر الزمن في سياقات وانساق مختلفة لتعطي مفاهيم وظواهر تاريخية جديدة.

فالتحول الذي يطرأ على الثقافات الانسانية من عهد الي اخر هو في حقيقة الامر تحول في أشكال العلاقات والارتباطات بين هذه الوحدات الفكرية الثابتة وليس تغير في الوحدات ذاتها.

ومن هنا تأتي أهمية التقصي والبحث عن الوحدات الفكرية التي تتمتع بدرجة عالية من الثبات مما يتيح استخدام هدا العلم كأداة لتحليل الواقع الفكري لأي حقبة زمنية.

ويزودنا هذا العلم بقيم من الماضي وإخضاعها للفحص في الزمن الحاضر، كما أنه يلقي ضؤا على العلل التاريخية. فالقيم والعلل لا فاصل بينهما لأن القيم تساعد على التعرف على الأفكار والمثل التي استهوت الأجيال الماضية، أما العلل فتساعد في التعرف على كيفية اكتساب الناس لهذه القيم وكيفية تأثيرها في الحضارة. وهي العلاقة المتبادلة بين المعرفة والواقع من حيث علاقة التأثير والتأثر وهو ما حاول كل المؤرخين إيجاد الصلة بينهما.

ومن أشهر المؤرخين ورواد هذا التاريخ (أرثر أنكن لوفجوي الأمريكي) الذي ارتكزت تحليلاته عن الافكار المركبة والمحورية التي تقف وراء الحركات الفكرية للفرد والجماعة، أي يحلل البنية الداخلية للأفكار. (أرنست كاسيرر الألماني الذي فسر البنية الداخلية للأفكار – و(ميشيل فوكو الفرنسي )الذي انتقد تاريخ الأفكار التقليدي وقدم منهجا للبحث اسماه التحليل الحفري الذي ارجع علم الافكار الي الافكار المحورية ال[1] اساسية النشأة والاتصال والكلية، ( وفرنكلين إل – باومر Franklin Baumer )الذي ارخ للأفكار الاوروبية من القرن السابع عشر حتى القرن العشرين (1600-1950)وكتب عنه كتاب ترجم للغة العربية في أجزاء في الفترة 1987- 1989 م، ومن أقوال المؤرخ فرنكلين في الكتاب “أن تاريخ الأفكار توطن”، وازدادت شعبيته في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين – نتيجة الجو السياسي المشحون آنذاك، فتصارعت الأفكار بعنف فاق ما حدث في أي حدث وحرك البشر والجيوش. تاريخ الأفكار يجتذب أفضل أصحاب العقليات من المؤرخين وعلماء الاجتماع في هذا القرن”. فهو يحاول أن يبحث على هل من المستطاع النظر إلى الحضارات ككيانات متكاملة تحاول إيجاد علاقات بين مكوناتها.

وهنا لابد إلى الإشارة لا يمكن كتابة التاريخ دون الإشارة إلى الأفكار والايديولوجيات التي ترجع لعدة عوامل اظهرت هذه الايديولوجيات وهذا التفصيص والتفتيت اثناء تجميع او التقميش له أبعاد ونتائج مفزعة قد تكون نقطة بداية للدرس فيها، واعتقد هنا أن هذا ما سعى له مؤسس علم تاريخ الأفكار منذ بدايته.

وعلم الأفكار هذا يعني ببذر بعض الأفكار في مجتمع ما قد يستغرق بثها عشرات السنين بل أحيانا تكون هذه الأفكار عبارة عن تراكمات تظل تتراكم طبقة فوق طبقة حتى تصل إلى ضمير البشر وتصبح عقيدة يؤمن الناس بها لأسباب غامضة أو بفعل البث المستمر سواء كان (البث بوعي أو بدون وعي) فعلم الافكار اعتقد هو يركز على العالم الباطني للفكر لا على العالم الخارجي للحياة العملية،

وتميزه يكمن في الانتشار والاستمرار فبعض الافكار تترجم لتصبح قيمة روحية تستمر وتتوارث من جيل لأخر مثل العدالة الانسانية المنطق الحرية المساواة الرقي التقدم، وبعضها يوظف سياسيا للإطاحة بكيان حضاري ما.

وتاريخ الأفكار ليس مقتصرا على أفكار الموهوبين أو المفكرين والفلاسفة وإنما يهتم اهتمام خاص بالأفكار التي تحظى بالانتشار على نطاق واسع من خلال الجماعات الأكبر عدد من البشر. ويهتم تاريخ الأفكار بمروجي الأفكار وأساليب بثها عبر العصور. لأنه لا يتركز على الأفكار الواضحة العقلية وعلى الفكر المنهجي المكتسب بوعي كامل، إنما الأفكار التي يمتصها الناس امتصاصا مشابها لامتصاص النبات للماء. هذا العلم وظفه الأعداء الأذكياء ضد أشخاص يناصبونهم العداء.

على سبيل المثال الخوف الأوروبي من الشرق الذي استمر في داخل عقول الأوروبيين بالرغم من ضعف الشرق حاليا مقابل قوة الغرب، قد يكون هذا الخوف التراكمي الذي سبب استمراره هو البث الهادئ المستمر من رجال الكنيسة سابقا واستمر من العصور الوسطي الي العصر الحديث لكن بتطور آليات ومفردات الترويج فمروجي الافكار هم اداة لصانعي الاحداث سياسيا في العالم وهناك علوم ومناهج تدرس لهؤلاء واعتقد ان كلا من الدول الكبرى تعتبر علم الافكار من الاسلحة الفتاكة للسيطرة علي العقول وعلي الدول المنافسة بأساليب مبتكرة وفق فترات زمنية محددة لديهم لتحقيق أهداف اقتصادية وعسكرية ولا تستطيع الجهر بها ولعل ما يقال عن فيروس كورونا وضرب اقتصاد الصين لخير دليل، وكذلك ما يبث في الفضائيات عن السيطرة الالكترونية والتحول والاجيال الالكترونية اعتقد سابقة لحدث عالمي مستقبلا.

ونلخص ارتكزت افكار مؤرخي العصر الحديث على الافكار كعلم قائم يحترم ويدرس بتفكيك الاسماء والمفاهيم وما ارتبط بها من افكار منفصلة فمثلا المدرسة العقلانية او النقدية اعتبرها مجموعة من أفكار منفصلة تحليليا.

مقالات ذات علاقة

ليبيا واسعة – 38 (بـاهـي)

عبدالرحمن جماعة

الأعياد الدينية في الأدب التباوي

المشرف العام

ليبيا واسعة – 55 (يـبـط)

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق