النقد

حرب الغزالة.. سلامبو

ومضات في الكتابة الليبية 23  

سلامبو - رواية حرب الغزالة
سلامبو – رواية حرب الغزالة

لا يُذكر الكاتب غوستاف فلوبير إلا بتابعته “مدام بوفاري”. الكاتب إميل زولا يفاجئُنا بشهادة فيخبرنا عن فلوبير أنه كاره للرواية التي خلدته.. لأنها وقفت عتبة أمام روايتيه “التربية العاطفية” والرواية التي كتبها نكاية في مدام بوفاري. وكانت باسم “سلامبو” الأميرة القرطاجية التي عشقت الليبي “ماطو” المحارب “المرتزق” في جيش أبيها الملك هملقار. في عطلة صيف أول ثانوي 1972 قرأت “التربية العاطفية” وأعقبتها بـ”سلامبو” التي أكملتها بملل على شان الماطو الليبي. فلوبير وصف سلامبو بأنها تمرين على العنف الدي أفسد الغرائبية والحسية ماشوقنا في مدام بوفاري و التربية العاطفية.

سلامبو نغصت على فلوبير بـ:

1 ـ أن سيدة في حفلة راقصة بقصر التوريلي ارتدت طقم ملابس سلامبو في الرواية، وهو ما أطلق الصحف الشعبية بسيل من النكات والكريكاتيرات والمماحكات الساخرة على الرواية.

2 ـ عالم التاريخ الألماني Fröhner الذي أعترض على الوثائق التي استند عليها فلوبير في سرده لسلامبو.

3 ـ احتجاج بمودة من الناقد الأدبي الشهير سانت بيف، الذي أزعجته الحدة السادية التي وصف بها فلوبير مشاهد الحرب والعنف في رواية سلامبو.

التبست رواية سلامبو بالشكوك بأنها قصة حُب مصطنعة بأعصاب باردة إزاء سخونة العنف والحرب. ولهدا تُقرأ غالباً ككتاب منتخبات أدبية تتناول الشراسة وفراغ الضمير. مشاهد بتر الأعضاء، وأشلاء اللحم المتدلية من أنياب فيلة المحاربين القرطاجيين المتوحش، والأسود الشرسة المتثائبة بعد اكتفاءها بما التهمته من اللحم البشري. وتتجلى الضراوة الشهوانية بكل بشاعتها في نهاية الرواية بوصف القرطاجيين وهم في ثورة من الجنون العام رجالاً ونساء تنحل قساوتهن الشهوانية من القيود، وهن يُسلخن جلد “ماطو” حياً.

 تبنى فلوبير مبدأ جمالياً طبقه في روايته التاريخية سلامبو ووضحه في رسالة له للويز كوله بأن “نتحاشى كتابة الأدب بمشاعرنا؛ كلما ابتعدنا عن شيء زادت جدارتنا بوصفه كل ما نخترع حقيقي، كوني واثقة من ذلك.. إنها لجملة غنية بالمغزى والمعنى “. لكن كيف السبيل إلى اجتناب إبهام العلاقة القائمة بين الحقيقة في الرواية والاختراع؟

هذه التوطئة الفلوبيرية، تُدخلنا في قلب إشكالية الكاتب، الذي يتوهم رواية تاريخية، تُشبع حرمانه في بيئة لا تتوفر لها شروط إنتاج الرواية الواقعية. رؤيتنا يعززها ما هو مطروح بما يمكن تسميته روايات لكاتبات ليبيات شابات. نموذجنا المؤسف روايات عائشة إبراهيم التي قفزت من وهم الواقع في كتابها “قصيل” إلى وهم التاريخ المصطنع ترضيةً لدوافع رغبوية تخص بيئتها المجتمعية في كتابيها “صندوق الرمل” و”حرب الغزالة” ومنها نقتطف هذا المشهد السلامبوي: “دقت نواقيس الحرب حين داهمتنا جيوش قبائل الماغيوم ذات صباح بدأت المعركة لما أضرموا النيران في الحقول، ثم نشبت المواجهة بيننا وبينهم عند نهاية وادي تشوينت، كان الدخان يتصاعد، ورجالنا مشتتين ما بين إطفاء الحريق وصد هجوم الأعداء، وتأمين الملاذات الآمنة للأطفال، أما أرمان الذي لم يحمل سلاحا يوما ولا يعرف فنون القتال، فقد ركض باتجاه حظائر الماشية، فتح الأبواب واقتاد الخراف والأبقار والجواميس عبر طريق آمن حتى وصل بها إلى هذا المكان، هنا في هذا الكهف، وفي طريق عودته قبض عليه جنود الماغيوم.. كان ميهلا يتحدث ويغالب عبرته ويختنق تحت نياط ألم بالغ، وأخيرا أصبح يرتجف مثل ورقة تعبث بها الريح: يبدو أن الماغيوم شاهدوه وهو يحوش القطعان، طلبوا إليه أن يخبرهم عن مكانها، فالتزم الصمت أرسلوا جنودهم فانتشروا في الغابة الصخرية يرهفون السمع لعل أن يصلهم صوت خوار أو ثغاء، فلم يسمعوا شيئا، لكأن المغارة ختمت على أقفالها بتميمة سماوية، حينها عادوا إلى أرمان المقيد في أغلالهم.. حرّقوه بالنار.. عذبوه.. سلخوا جلده، فلم يقل شيئاً..“

مقالات ذات علاقة

الْـقَـوْقَـعَـةُ .. تَـحْـمِـلُ رَمْـزِيّـة وَطَـنٍ

المشرف العام

العروسة.. المصرية

نورالدين خليفة النمر

قراءة نقدية لرواية (عطر شان) لفتحي محمد مسعود

المشرف العام

اترك تعليق